من الطبيعي جدا بالنسبة لشعوب تنتمي لثقافات عريقة ولمنظومة سياسية وعلمية متقدمة جدا, أن تقوم معركة حامية بين جماعات ممن يعتبرون أنفسهم حماة الثقافة المحلية والهوية التقليدية في فرنسا وغيرها من دول أوروبا, وبين محلات الأغذية السريعة (ماكدونالدز) تصل حد التحطيم والمطالبة بالاغلاق. ففي العديد من دول أوروبا تنظر قطاعات كبيرة من الاتحادات العمالية والمشتغلين بالأطعمة والخضر, والمدافعين عن الأطفال, ومالكي المطاعم المحلية الصغيرة إلى (ماكدونالدز) باعتباره الوجه غير المقبول للعولمة والمحرك للهيمنة الثقافية, كما انه متعهد بتزويد الناس بطعام (رديء جدا) هذا ما أدلى به (جوزيه بوفيه) الفلاح الفرنسي المتهم بتحطيم أحد محلات (ماك) في مدينة ميللو الصغيرة جنوب فرنسا. المفارقة ان هجوما مماثلا شنه المعسكر الشيوعي على سروال الجينز الذي استهوى شباب العالم, واعتبر من وجهة نظر قادة ومنظري هذا المعسكر لباسا (برجوازيا) يعبر عن الثقافة الرأسمالية ولذلك تمت محاربته ومنع من البيع هناك تماما كما منعت محلات الهامبورجر والبيبسي كولا! ولكن ماذا حدث في النهاية؟ لقد سقط المعسكر الشيوعي برمته, وتفككت أوصاله, وبقي بنطلون الجينز, والأكثر من ذلك فقد هرب شباب الدول الاشتراكية بعد أن قهرتهم ظروف البطالة, والتدهور الاقتصادي إلى بلدان الغرب حيث يرتدون الجينز ويعملون موزعين لوجبات الهامبورجر والبيتزا هت والكوكاكولا! فمن يصمد في النهاية؟ ومن ينهار في آخر الشوط؟ الثقافة أم نظريات السوق؟ ان الجينز - إذا اعتبرناه ثقافة عولمة - تقف وراءه في النهاية مؤسسة ضخمة مدججة بنظريات اقتصادية قوية تخدمها جيوش من شركات الدعاية والاعلان وامبراطوريات من المال والشركات العابرة للقارات ومؤسسات اعلامية ضخمة يمكنها بسهولة أن تقنعك بأن (حاصل جمع 1+1= مليون ونصف!) , والأهم هناك كتاب وموجهو رأي يوظفون قدراتهم الاقناعية لخدمة ثقافة التيك أواي التي تكتسح العالم. آخر هؤلاء الكاتب الأمريكي (بنيامين باربر) مؤلف كتاب (الجهاد وماكدونالدز) حيث يرى الكاتب - أو يروج بمعنى أصح - بأن المعركة الآن هي بين الإسلام بمعنى (الجهاد) وبين أسلوب التيك أواي, والتسلية والمتع والحياة كما تروجها العولمة, حيث يقف الإسلام في وجه انتشار ذلك كحائط صد قوي جدا. المفارقة التي تدحض كلام المؤلف انه لم نسمع عن أي حركة احتجاج أو مقاومة أو رفض للأنماط المذكورة في العالمين الإسلامي والعربي, بل على العكس فمحلات التيك أواي مهوى أفئدة الجميع, وكذلك كل وسائل التسلية والمتع وأنماط الثقافة كما تريدها العولمة. الهجوم والحرب نسمع بهما وبأخبارهما من أوروبا المعتدة بثقافتها وبانتمائها لهذه الثقافة فهل ذلك عائد إلى الجهل بمضار ثقافة العولمة أم إلى عدم القدرة على الاحتجاج أم بسبب الرضى والقبول؟! لقد مهد الاعلان لمعركة ثقافة العولمة, فصار الناس يستمدون ثقافاتهم من الدعاية والاعلان, ومن هنا حسمت المعركة لصالح هذه الثقافة في مجتمعات تثقف شعوبها يوميا بثقافة الدعاية وبأن (1+1= مليون ونصف!) .