تستمر المفاوضات في كامب ديفيد, وتستمر الضغوط على المتفاوضين من كل الجوانب. فكل طرف في هذه المفاوضات الصعبة يسعى لتحقيق نتائج تساهم في الوصول لاهدافه وغاياته السياسية. فالجانب الفلسطيني يبحث عن حل يستطيع تقديمه بايجابية للشعب الفلسطيني بينما يبحث الجانب الاسرائيلي عن حل يمكن تقديمه في الساحة الاسرائيلية على انه مكسب امني وسياسي وثمن للسلام. وبينما يجب ان يتكون الحل الفلسطيني من عدة عناصر يصعب على الفلسطينيين التراجع عنها, فإن الجانب الاسرائيلي يسعى في كامب ديفيد لتحقيق اتفاق يستطيع ان يحيد ويثق من خلاله اشد معارضيه. ويجد الجانب الامريكي نفسه وسط خلاف شديد التعقيد, الا ان الاهم بالنسبة للموقف الامريكي هو تحقيق اتفاق يسجل بشمولية لصالح الرئيس كلينتون, وتحقيق تقدم يخفف من شبح انفجار الاوضاع في الاسابيع والشهور القليلة المقبلة. وبينما تعيش الاطراف ضغوطا كبيرة في كامب ديفيد إلا ان هذه الضغوط تأتي ايضا من خارج المفاوضات حيث الانصار والمعارضين في المعسكر الفلسطيني والاسرائيلي, اذ يكاد لا يمر يوم دون تصريحات ضاغطة لاحدى الشخصيات السياسية او دون مظاهرة مؤيدة او معارضة تترك الكثير من الاصداء في اروقة كامب ديفيد وعلى نفسية المتفاوضين. ومن الصعب تحقيق انجاز تاريخي لصالح السلام بدون تحقيق حلول تلبي للفلسطينيين وهم الضحية التاريخية للصراع مع الحركة الصهيونية, اهم تطلعاتهم واهدافهم. فتحت كل الظروف سوف يكون من المستحيل على المفاوض الفلسطيني القبول بأقل من تحقيق اهم متطلبات السيادة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة, وسوف يكون من الصعب التنازل عن متطلبات السيادة (ولو في صيغ معقدة ومتداخلة وجديدة) فوق الجانب العربي في القدس الشرقية. وسوف يكون من المستحيل على الجانب الفلسطيني القبول بأقل من انسحاب اسرائىلي كامل من الاراضي المحتلة الا في اطار نطاق ضيق من التعديلات, وذلك اسوة بالموقف المصري في كامب ديفيد والسوري في المفاوضات واللبناني في الجنوب. كما يصعب على الموقف الفلسطيني القبول بحل نهائي يترك جميع المستعمرات كما هي في اراض فلسطينية ضيقة المساحة ووسط اجواء سكانية لا تستطيع تقبل هذا الاستيطان والتعايش معه. كما سوف يكون من الصعب على الجانب الفلسطيني القبول بحل لا يعترف بحق عودة اللاجئين نظريا, ويجب ان يتضمن هذا الحل بنفس الوقت حق التعويض لمن لا يرغب في العودة والحل النهائي من المستحيل ان يكون ممكنا بلا التزام دولي بالتنمية الاقتصادية للفلسطينيين. يستطيع الجانب الفلسطيني التمترس بمواقف تحميه من اتفاق اقل من المعقول, فبين هذا وذاك سوف يبقى الاحتماء بمواقف تحافظ على الحدود السياسية والثوابت المعروفة افضل من التوصل لاتفاق ضعيف يساهم في اسقاط المشروع السلمي والوطني الفلسطني برمته. ويمكن القول بأن التكتيك الفلسطيني في السنوات الماضية قد اتى بنتائج مقبولة. فهو انطلق اساسا من مبدأ بورقيبه الشهير: خذ وطالب, وذلك بعد عقود من تطبيق عقيدة التصادم الشامل والمطالبة الشاملة. ففي كل مرحلة منذ توقيع اتفاقات اوسلو وقعت انسحابات اسرائيلية لصالح سيطرة الفلسطينيين على جزء من الارض, وفي كل مرحلة اخذت السلطة الفلسطينية من اسرائيل مواقع واراض فلسطينية ومكاسب حققت لها مزيدا من القوة في مفاوضاتها. بل يمكن القول بأنه لولا الاتفاقات التي عقدت في السنوات الخمس الماضية ولولا تحقيق تقدم في السنوات الخمس الماضية لما كانت المفاوضات ممكنة اليوم على المستعمرات واللاجئين والقدس والسيادة والمياه والتنمية. بل لولا اتفاقات المرحلة الماضية التي غيرت جوانب مهمة من الخريطة السياسية والنفسية لكان التفاوض اليوم ما زال على مبدأ الحكم الذاتي ونواقصه. بمعنى اخر يمكن القول بأن مبدأ مرحلية التفاوض ثم التوصل لاتفاقات مرحلية ثم العودة للتفاوض واحيانا الصراع والمواجهة والتصادم والجمود قد اتى ثماره حتى الآن, وانه في المدى المنظور سوف يؤدي لنتائج ايجابية تسمح للفلسطينيين بتحقيق حالة متقدمة والتوصل لاتفاقات دائمة قابلة للتطبيق. حتى الآن لم يصدر حكم التاريخ النهائي على هذه المرحلة المهمة, فحكم التاريخ نأخذه من المستقبل ولكن هناك, وخاصة في معسكرات الرفض في الساحة الاسرائيلية والفلسطينية, من يرى في هذه المرحلة هدنة بين حربين ولكن على الاغلب ان ما نراه اليوم هو استمرار لهدنة تحتمل امكانية بناء لبنات سلام ثابت. بين هدنة وسلام وبين عودة للمواجهات تراوح مفاوضات اليوم التي تنتظر قرارات صعبة واحداث تحولات كبرى. استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت