ساهمت الدول الاستعمارية الكبرى في صنع اسرائيل على ارض فلسطين حيث لم يكن وعد بلفور فقط وانما كانت اموال الاستعمار العالمي ايضا خلف اسرائيل وهكذا اخذ الاقتصاد الاسرائيلي دفعات قوية جدا من تلك المساعدات والتعويضات التي وصلت الى ما يقرب من 225 مليار دولار, هذا بالاضافة لمصادرة الاملاك العربية من بيوت وممتلكات واعتبارها جزءا من الاقتصاد الاسرائيلي وعن ذلك كتب دان بيرس وهو كاتب واستاذ جامعي الوجود, 350 مستعمرة يهودية من بين 370 مستعمرة تم بناؤها خلال الفترة 1948 ـ 1953 اقيمت على ارض اعتبرت في هذا الوقت (املاك غائبين) وفي العام 1945 كان حوالي ثلث سكان اسرائيل يعيشون على اراض من جملة املاك الغائبين كما ان حوالي ثلث المهاجرين الجدد استقروا في مدن كانت ملكا للعرب, لقد ترك العرب وراءهم مدنا بكاملها مثل يافا وعكا واللد والرملة وبيسان والمجدل: 388 مدينة وقرية, ومعظم احياء 94 مدينة وقرية اخرى احتوت على حوالي ربع المباني في اسرائيل عشرة آلاف دكان ومتجر تركت في ايدي اليهود. وخلال الفترة 1951 ـ 1952 انتجت مزارع الحمضيات العربية 1.5 مليون صندوق, تم تصدير 400 ألف صندوق منها الى الخارج. دخل الصادرات الاسرائيلية من الحمضيات العربية كان حوالي 10% من اجمالي دخل اسرائيل من العملات الصعبة, وفي العام 1949 كان دخل اسرائيل من صادرات مزارع الزيتون العربية يمثل ثالث مصدر للعملة الصعبة بعد الحمضيات والاحجار الكريمة) . كما ذكر جوزف شيشتمان الصهيوني المتشدد والمروج لفكرة خروج الفلسطينيين من ديارهم باختيارهم, ذكر في كتابه المنشور في نيويورك عام 1952 تحت عنوان (مشكلة اللاجئين الفلسطينيين) ما يؤكد الدور الكبير الذي لعبته الممتلكات العربية في توطين مئات الألوف من المستوطنين المهاجرين اليهود: (ان من الصعب المبالغة في الدور الكبير الذي لعبته الممتلكات العربية في توطين مئات الآلاف من المهاجرين اليهود 47 مستعمرة زراعية جديدة انشئت على تلك الارض حتى شهر اكتوبر عام 1949, كان لها الفضل في استيعاب 25255 مهاجرا جديدا مع حلول ربيع 1950, اكثر من مليون دونم من اراضي العرب كان تم تأجيرها للمستعمرات اليهودية والمزارعين لانتاج الحبوب, مساحات كبيرة اخرى من ممتلكات الغائبين تم تأجيرها للمستوطنين القدامى والجدد من اجل انتاج الخضراوات. وفي منطقة الجنوب وحدها تم تأجير 150 ألف دونم من مزارع العنب للتعاونيات اليهودية, كما تم تأجير مساحة مماثلة لجمعية اليهود اليمنيين وجمعية المزارعين ومجلس اعادة توطين وتحسين احوال الجنود ولقد نتج عن ذلك توفير ملايين الدولارات على الحكومة والوكالة اليهودية اذ بينما تراوحت تكاليف التوطين في القرى العربية اقل من 1500 دولار مع نهاية العام 1918 حيث كان هناك حوالي 170 ألف يهودي معظمهم من المهاجرين الجدد وقدامى رجال الجيش, وذلك الى جانب 40 ألف من اليهود القدامى قد تم اسكانهم في البيوت التي استولت عليها الدولة, سبعون ألف دكان وورشة صناعية ومركز تجاري تم ايضا تأجيرها للمهاجرين الجدد) . ولم تكن تلك فقط هي مصادر الدعم الكبير للاقتصاد الاسرائيلي بل ايضا كان احتلال كل سيناء لمدة تزيد على عشر سنوات والضفة والقطاع الى ما يقرب من اكثر من ثلاثين سنة والجولان المحتلة حتى الآن (33 عاما) وكان ذلك يعني ثروات هائلة مضافة للاقتصاد الاسرائيلي. اما ثالث تلك العناصر الدافعة للاقتصاد الاسرائيلي فقد كان الدور الملعوب من قبل الصناعات العسكرية الاسرائيلية في الاقتصاد الاسرائيلي, وقد مرت الصناعات العسكرية الاسرائيلية بثلاث مراحل اساسية من 1948 حتى الآن: 1ـ المرحلة الاولى من 1948 وحتى نهاية 1967. 2ـ المرحلة الثانية من عام 1967 وحتى عام 1984. 3ـ المرحلة الثالثة من عام 1984 وحتى الآن. يهمنا تناول المرحلة الاخيرة منها حيث تشابكت قوى التجمع الصهيوني المدنية والعسكرية وتشابكت قوى الاقتصاد المدني مع العسكري لذا كان من الطبيعي او ان يوصف الاقتصاد الاسرائيلي بأنه اقتصاد حرب دائمة, وكان من الطبيعي ايضا ان توصف اسرائيل بدولة العسكر, حيث يعمل اكثر من 10% من قوة العمل الاسرائيلية في المؤسسة العسكرية وصناعاتها الحربية وهي نسبة لا تتعداها دولة في العالم سوى الولايات المتحدة الامريكية حيث تبلغ 14% ومثلث الميزانية العسكرية نحو ثلث الناتج القومي, كما تحتل اسرائيل منذ عام 1977 المرتبة الثالثة بعد الصين والهند في حجم الانتاج الحربي بين الدول النامية كما تدخل في عداد 24 دولة في العالم بوسعها ان تصنع وتطور معظم احتياجاتها العسكرية واخيرا وليس اخرا القنبلة الذرية, كما اصبحت اسرائيل واحدة من اكبر خمس دول مصدرة للسلاح كما جاء في جريدة معاريف بتاريخ 22 اكتوبر 1999 والمنشورة بمجلة مختارات اسرائيلية الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام العدد (60) وتجدر الاشارة الى ان صادرات الصناعة العسكرية الاسرائيلية وصلت في العام 1999 الى 1.3 مليار دولار. وفي دراسة عن (التنظيم الاجتماعي للاقتصاد الاسرائيلي) تحليل مقارن للباحث دانييل مامان والمترجمة في مجلة مختارات اسرائيلية عدد (60) الصادرة عن الاهرام (ففي الثمانينيات كان يعمل في صناعات السلاح حوالي 25% من القوى العاملة في اسرائيل كما مثلت صادرات هذه الصناعات 28% من اجمالي الصادرات الاسرائيلية كما ان اكثر من 50% من العلماء والمهندسين الاسرائيليين يعملون في قطاع الصناعات الحربية وعلى وجه الخصوص مجال الابحاث والتطوير ومعظم شركات الدفاع (المجمع العسكري) اما مملوكة للدولة او جزء من مجموعة اقتصادية كبرى فعلى سبيل المثال تملك الدولة الاسرائيلية صناعات سلاح الطيران الاسرائيلي وصناعة التسليح الاسرائيلي وهيئة تنمية التسليح كما تملك مجموعة كور عددا من الشركات: (تاديران) و(سولتام) و(تليراد) ويشكل انتاج السلاح نسبة مهمة من النشاط الصناعي لمجموعة شركات كور, فعلى سبيل المثال, فإن 50% من العاملين في شركة كور كانوا يعملون في تصنيع الاسلحة ـ حوالي 17 الف عامل وفني ـ وكانت 20% من صادرات شركة كور لها علاقة بصناعة الاسلحة. وهكذا كانت صناعة الاسلحة, وكان المجتمع العسكري الصناعي الاسرائيلي هو بمثابة القاطرة التي سيرت الاقتصاد الاسرائيلي في طريق النمو والازدهار بل والرغبة في السيطرة والتخطيط لها. وينكشف لنا من خلال السياقات السابقة للعوامل الدافعة والمشكلة للاقتصاد الاسرائيلي, ان ثمة ارتباط عضوي بين الاستعمار العالمي وحركته والاستيطان الصهيوني على ارض فلسطين والمساعدات الممنوحة لاسرائيل وعسكرة الدولة الاسرائيلية على ارض فلسطين. لذا كان طبيعيا ان يكون للاقتصاد دور هام في تحديث مفهومه للسلام, كما كان له دور هام في نشوء الصراعات المسلحة بين العرب و(اسرائيل) ولم يكن هذا الدور جديدا على الدولة الاسرائيلية, بل ان هناك اتجاها في الحركة الصهيونية كان يرى ان اسرائيل عليها ان تستخدم الاقتصاد لفرض هيمنتها على المنطقة وكان من ممثلي هذا الاتجاه ناحوم جولدمان وموشي شاريت. واذا كانت ازمات الاقتصاد الاسرائيلي تمثل احد العوامل في فرض الحرب في عام 1956 و1967, فالاقتصاد الاسرائيلي بعدما دخل مرحلة القوة والتصدير الواسع في الالكترونيات والسلاح وبعض الصناعات الاخرى سوف يعمل من اجل الهيمنة على الاسواق العربية حتى يكون ملبيا لمتطلبات التطور المصنوع والمرسوم من قبل الحركة الصهيونية لصالح لعب الدور الاقليمي الاول في الشرق الاوسط. وعلى الرغم مما تمثله اسرائيل من اداة غربية في الشرق الاوسط فانها ترى في مشروعها لتقدم الدولة وازدهارها ونفوذها في الملعب الاقليمي اهمية تشكيل تجمع جيو ـ سياسي, حيث ان اسرائيل حتى ولو استطاعت ان تجمع كل يهود العالم تحت جناحيها والمقدر عددهم بنحو 13.5 مليون نسمة, فانها لن تستطيع ان تبني دولة ـ امة ـ ولن يشكل هذا العدد سوقا للاقتصاد يدفع للهيمنة على الدور الاقليمي الاول في الشرق الاوسط, وهنا كان المشروع الشرق اوسطي هو مدخلها لذلك, وغايتها للاندماج وسبلها للهيمنة. وقد طرح ابا ايبان ذلك في كتابه (صوت اسرائيل) عندما طرح مشروع علاقة مع الدول العربية وكان نموذجه في ذلك علاقة الولايات المتحدة بدول امريكا اللاتينية, اي انه يتمثل في علاقة دولة عظمى مع دول محيطة عاجزة تقوم بدور دولة الخدمات والمهام المساعدة لتفوق وعظمة الدول العظمى والمركزية. وذهب يوري افنيري, وهو من المنادين بما يسمى ـ السلام حسب مفهومه ـ الى ان كتب في مجلة (هعولام هازيه) بتاريخ 23 فبراير 1978 ما نصه: (لن يؤدي السلام الى تقليص قوتنا السياسية, وانما الى بناء دولة عالمية كبرى جديدة نكون فيها شريكا هاما, ودولة كبرى تجمع ما بين قوة العالم العربي الضخمة وقوة العالم اليهودي) .. وفي جريدة دافار بتاريخ 21 نوفمبر 1977 كتب دان بابلي عن اهمية استثمار الثروات الطبيعية والاموال العربية النفطية والخبرات الاسرائيلية, والتي من الممكن ان تصنع ثورة كبرى تحدث تحولات هائلة مشابهة لتلك التي احدثتها الثورة الصناعية في اوروبا ولتلك التي احدثتها الولايات المتحدة الامريكية بقيامها, والتي احدثتها اليابان بثورتها التقنية. كما يطرح بعض الاستراتيجيين الاسرائيليين مفهوم (الامن التعاوني) بين اسرائيل والدول العربية بمضمون يملى, ويضمن ان الاطراف العربية تلتزم بأمن اسرائيل وتفهم اهتماماتها الاستراتيجية, وتساعدها للعب دورها الاقليمي الاول, ويعتمد هذا المفهوم وتلك الرؤية على ان (السلام) في المنطقة لا يستوي الا بتأسيس وتشريع علاقة امنية ـ عسكرية غير متوازنة بين اسرائيل من جهة وكل دولة من الدول العربية من جهة اخرى. وعن ذلك يقول الخبير الاستراتيجي الاسرائيلي وعضو مركز جافي للدراسات الاستراتيجية (ان منطق اللاتكافؤ او اللاتوازن اكثر الحاحية في وضع الشرق الاوسط مما هو عليه في اوروبا, بل على اساس تقليص ما. وبتعبير اخر: يترتب على الربط بين السياسة والامن مخاطر امنية متوازنة لاسرائيل, ولذا فان على هذه المخاطر ان تنعكس في اجراءات ضبط تسلح غير متوازنة) . ويشرح جميل هلال ابعاد التعاون الاقتصادي والعلاقات الغير متكافئة في بحثه المنشور في مجلة الدراسات الفلسطينية (,7 8) 1995 تحت عنوان (صناعة ايديولوجية السلام في اسرائيل) قائلا: (تمنح الدراسات الصادرة عن المراكز الاسرائيلية المتخصصة في شئون العلاقات الاقليمية بعدها الاقتصادي اهمية استثنائية وتتم عملية التسويغ لتلك الاهمية) . وذلك عبر اعتماد افكار من قبيل التعويض الاقتصادي عن التنازلات السياسية, التعاون في الاقتصاد سبيل لعدم التوتر والصراع, السلام يبنيه ويؤسسه الاقتصاد لأنه تعبير عن مصالح مستمرة. كما يطرح بعض التكنوقراط الاسرائيليين (مرشدا) و (موجها) للاجراءات والتدابير المطلوب اعتمادها اسرائيليا في كافة مشاريع التعاون! في كتيب تحت اسم (الدليل) صدر في عام ,1989 جاءت توجيهات مثل: ينبغي ان تكون كلفة (فك العلاقة) بين الاطراف المشاركة عالية تعميقا لمصلحتها في (السلام) , وينبغي الاهتمام بالبعد النفسي للعلاقة, وذلك عبر اختيار الموضوعات التي تتيح لكل طرف الاحساس بأن مشاركته ايجابية ولا تمس كرامته. فالمشاريع التي تقوم على اساس استخدام (العقل الاسرائيلي والعضل العربي) تستدعي المعالجة الحذرة لانها تثير اشكالات نفسية رغم انها قد تكون مشاريع مفيدة لجميع الاطراف. ولا يعني ما سبق سوى ان مفهوم السلام لدى الاسرائيليين لا يعني انهاء حالة الحرب, وانما يعني بناء علاقات اقتصادية متميزة ومفتوحة ومحققة للتفوق والهيمنة الاسرائيلية, ولعل ذلك ما يفسر الربط بين التسويات الحادثة والتطبيع, وهذا ما حدث في كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة وسوف يحدث ايضا بشأن الجولان والجنوب اللبناني. كما يتكشف مفهوم السلام هذا من خلال المشروعات الاقتصادية التي طرحتها اسرائيل فيما يسمى (الشرق الاوسط الجديد) على لسان كل من شيمون بيريز ويوسي بيلين, حيث يتم الكشف بعد دراسة تلك التصورات والمشروعات المجسدة للتعاون الاقليمي الصادرة عن مركز آرمان هامر ـ الذي انشىء خصيصا لذلك ـ والصادرة عن البنك الدولي ومؤسسات البحث الاوروبي المتعاونة مع اسرائيل. ان الغرض الاساسي لتلك المشروعات هو العمل على نسج شبكة اقتصادية سياسية تستفيد وتوظف الموقع الجغرافي (لاسرائيل) كموقع قيادة عبر الاتصال والربط والتوظيف لدول المنطقة الشرق اوسطية. كاتب مصري