جميع الشعارات السياسية يمكن استخدامها بطريقة تؤدي للوصول إلى عكس ما ترمي إليه, وشعار الديمقراطية ليس أقل من أي شعار من تلك الشعارات الفضفاضة التي يمكن من خلالها تحقيق عكس ما تدعو إليه في تطبيقاتها, خاصة إذا كانت الأرض التي تنمو فيها تنتمي إلى العوالم المتخلفة , التي تحاول تقليد الغرب في كل خطواته حتى في شعاراته السياسية, وكأن مجرد رفع تلك الشعارات سيكون الطريق نحو (التقدم) , أو دخول (أرض الحضارة) , هذا من الأمور البديهية, لأن من يرفع الشعار دون أن يعرف ما يحتويه لن يصل إلا إلى ما درجت عليه العادة في الممارسة, وبشكل خاص الممارسة السياسية, والممارسة السياسية في العالم المتخلف موصومة بالزيف, سواء كان هذا الزيف من صنع من يريدون تحقيق مصالح خاصة من ورائه, أو كان من صنع خارجي أيضا لتحقيق مصالح خاصة للغير. لكن أن يكون شعار الديمقراطية في أرضها, أي أوروبا, التي ترفعه سيفا على رؤوس الغير من أجل القضاء على الممارسة السياسية التي تعتبر ركيزة هذا النظام السياسي, هنا تكون الدهشة كبيرة, لأن من يرفعون شعار هذا النظام السياسي وعلى استعداد للقتال من أجل تطبيقه في بلاد أخرى, دون النظر إلى أن كان هذا الشعار يصلح لها أم لا, عليهم أن يطبقوه تطبيقا مثاليا أولا في بلادهم, وبعد ذلك يمكنهم أن يطالبوا الآخرين بتطبيقه, حينها يكون الطريق أمام الديمقراطية ممهدا للتطبيق في أماكن أخرى, لأن حينها يكون المثال قائم. إلا أن من يعيش دقائق الحياة السياسية في أوروبا, موطن وركيزة النظام المسمى بالديمقراطية, يذهل أحيانا من التفسيرات الملتوية التي يقدمها بعض السياسيين ورجال الدولة في تلك البلاد لتبرير التجاوزات التي تحاول إخراج جزءا من شعوبهم من تحت تلك المظلة السياسية. من يراقب عن قرب بعض القضايا المطروحة على الساحة السياسية والتي تخص بعض الأقليات العرقية والدينية في عدد من بلدان أوروبا ومنها أسبانيا يؤمن إيمانا قاطعا بأن أوروبا ترفع الشعارات في بعض الأحيان على طريقة الدول المتخلفة عندما تجد أن مصالح (الأغلبية) مهددة ولو من بعيد بسبب تطبيق أي من تلك الشعارات. منذ قرون والأقلية الغجرية تعيش على هامش الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في عدد من بلدان أوروبا شرقا وغربا, وإن كانت أسبانيا الدولة الأكثر بروزا في هذا المجال, بل في كثير من الأحيان حاولت بعض النظم السياسية نفيهم من البلاد باعتبارهم خطرا على نسق الحياة (الكاثوليكية) التي يعيشها المجتمع الأسباني, و تاريخ أسبانيا حافل بالمآسي التي تعرضت لها تلك الأقلية العرقية, التي انتهى بها الأمر إلى الحياة على هامش ذلك المجتمع في محاولة لتجنب الصدام معه, وفي الوقت نفسه الحفاظ على الطابع الثقافي والمعتقدي لتلك الأقلية. كان يبدو أن المسلمين من بقايا الموريسكيين, أو من اعتنقوا الدين الإسلامي عن إيمان بعيدين عن مثل هذا الاضطهاد الذي تعرضت وتتعرض له الأقلية العرقية الغجرية, وكان يغذي هذا الاعتقاد عدم تعرض هؤلاء لما كان يتعرض له الغجر, وإن التفسير الأقرب للصحة أن الأقلية الدينية المسلمة في أسبانيا لم يكن لها دور سياسي لأنها قررت أن تكتفي بالدخول تحت راية الحكم القائم حتى لا تتصادم معه, باعتباره حكم الأغلبية في غياب نسق ديمقراطي حقيقي, خاصة في ظل نظم دكتاتورية حكمت أسبانيا طويلا. لكن برحيل الجنرال فرانكو عام ,1975 وعودة الديمقراطية, قرر البعض ممارسة حقه الوطني الذي يقرره له الدستور بالمشاركة في الحياة السياسية, ومن هؤلاء الأقلية المسلمة التي بدأت ممارستها السياسية تحت راية الأحزاب الرئيسية الكبرى, خاصة الحزب الاشتراكي الذي حكم أسبانيا منذ عام 1982 وحتى ,1996 لأن الدخول تحت مظلة الحزب الشعبي اليميني الذي يحكم البلاد منذ عام 1996 يبدو صعبا في ظل نظرة دينية محافظة يعتنقها زعماء هذا الحزب. مع مرور الوقت قررت الأقلية المسلمة أن تستغل و جودها في مناطق بها أعداد كبيرة تمكنها من فرض وجود سياسي بارز له دور مؤثر, خاصة في مدينتي (سبتة) و(مليلة) المتنازع عليهما مع المملكة المغربية, حيث توجد أغلبية من أصول مغربية, لكن أدى إلى تأخير بروز هذا الدور نجاح بعض الأحزاب الكبرى في بداية الممارسة الديمقراطية بالفوز بأصوات الأقلية المسلمة من خلال التقرب إلى وجوهها البارزة, لكن بقاء المجتمع في المدينتين على تخلفه عن باقي المجتمع الأسباني, أثر بالطبع على المسلمين المقيمين في المدينتين, فبرزت الحاجة إلى وجود تجمع سياسي يتحدث بصوت هذه الأقلية حتى يمكن الحصول على حقوق مدنية يقرها دستور البلاد. شيئا فشيئا نجحت بعض التجمعات السياسية في الفوز بالثقة السياسية على أساس ديني أو عرقي, وخلال الانتخابات التي جرت قبل عامين نجح (حزب التجمع من أجل مليلة) , تحت زعامة الدكتور مصطفى حامد أبرشان, في أن يكون أكثر الأحزاب حصولا على نسبة الأصوات, وإن كانت تنقصه الأغلبية التي تمكنه من تشكيل حكومة المدينة المحلية, لكن تطبيقا لقاعدة عامة تنفذها جميع الأحزاب السياسية في أسبانيا منذ أن بدأ تطبيق الديمقراطية, كان يجب أن يتولى الدكتور مصطفى منصب رئيس المدينة. عند مناقشة تطبيق هذه القاعدة, بدأ الفكر الحقيقي الكامن وراء بعض الأحزاب السياسية الرئيسية في البلاد يطل رأسه, بعضهم حاول أن يغلف رؤيته المعادية للاسم والدين تحت شعارات تحاول تجميل الرأي حتى يمكن للرأي العام قبوله, كما حدث من جانب الحزب الاشتراكي, الذي كان يحاول أن يتخذ من نفسه ناطقا باسم تلك الأقلية, والبعض الآخر قرر أن يعلن المواجهة منذ البداية, ولم يقبل حتى مجرد مناقشة (حد أدنى) من الاتفاق مع حزب الدكتور مصطفى أبرشان, ورفع راية العداء دون مواربة, وهذا كان حال الحزب الشعبي اليميني الحاكم في البلاد, والذي ينتمي إليه رئيس الوزراء الحالي. بدأت بعدها المناورات السياسية التي تحاول إبعاد (السياسي المسلم) عن تولي منصب رئيس المدينة, وشاركت وسائل الإعلام الرئيسية في البلاد في تغذية هذا الموقف بدرجات متفاوتة كل وسيلة حسب اقترابها أو ابتعادها من الحزب الحاكم الذي يعلن عداءه بلا مواربة, وكان اسم المرشح لرئاسة بلدية المدينة مقرونا دائما بلقب (المسلم) أو (البربري الأصل) , مما كان يفسره البعض على أنه نوع من (التحقير) أو (إثارة العداء) . على الرغم من تلك المناورات كانت النتيجة النهائية تمكن مصطفى أبرشان من الحصول على الأغلبية المطلوبة لحكم البلدية بدعم من بعض السياسيين الذين حاول بعضهم تخفيف حدة المواجهة مع مسلمي المدينة, وكان على رأس هؤلاء عضوي الحزب الاشتراكي اللذين رفضا توجيهات اللجنة المركزية للحزب وصوت الصالح الدكتور مصطفى, والبعض الآخر مثل الأعضاء الذين ينتمون إلى (حزب المجموعة المستقلة) الذي يتزعمه رجل الأعمال وعمدة ماربيا (خيسوس خيل) الذي كان يحاول تحقيق مصالح مالية من وراء مشاركة الدكتور مصطفى الحكم. على الرغم من نجاح الدكتور مصطفى في تحييد حدة المعارضة ضده, لكن زعيم الحزب المسلم حاول التخفيف أيضا من حدة المواجهة بين مسلمي المدينة والأحزاب التي تمثل الأقليات غير المسلمة, وعرض على جميع الأحزاب تشكيل حكومة (تحالف) تضم الجميع وتمثل جميع القوى السياسية ويكون شعارها (مصالح أهل مليلة أولا) . لكن هذا النداء لم يجد له صدى لدى الحزب الشعبي اليميني الحاكم في مدريد, بل رفض المسئولون في الحزب الشعبي مجرد استقباله أو الحوار معه (!),في الوقت الذي أعلن فيه الحزب الاشتراكي أنه على استعداد لمناقشة فكرة الدكتور مصطفى, بل ضغط الحزب الشعبي على الحزب الاشتراكي لتكوين تحالف (غير طبيعي) لإبعاد مصطفى عن رئاسة بلدية مليلة . خلال عامين من تولي السلطة في مدينة مليلة برئاسة الدكتور مصطفى لم تهدأ ثائرة من لم ينجحوا في إبعاده, واستمرت المناورات التي فشلت جميعها, إلى أن عادت إلى الواجهة من جديد وبلا مبرر, وكانت البداية عرضا من جانب المعارضة بأن يحصل الحزب الذي يمثله مصطفى أبرشان على مقاعد في الحكومة التي يجب أن تكون برئاسة شخص آخر (غير مسلم) , وعندما تم رفض هذا العرض تجمعت الأحزاب وتقدمت بطلب طرح ثقة (جديد) . بعد تقديم طلب طرح الثقة الجديد قرر الدكتور مصطفى أن يعلن المواجهة التي كان يحاول تجنبها, وقال في مؤتمر صحفي: (أن هذا الطلب عنصري لأنه يقوم على أسس عرقية وليس على أسس سياسية, وأن الأساس في طلب طرح الثقة هو لقبي وديانتي الإسلامية) , وأعلن رئيس بلدية المدينة عن عزمه مواجهة تلك الأحزاب في الشارع من خلال عقد مظاهرات تجمع فيها مسلمو المدينة لإعلان سخطهم على التفرقة العنصرية التي يتلقونها من الأقلية المسيحية التي تدعمها الحكومة المركزية. أخيرا نجح الحزب الشعبي اليميني في إبعاد (العمدة المسلم) من رئاسة بلدية مليلة, وتم ذلك بشكل يكشف عن أن الهدف من وراء هذه المناورة سوى إبعاد (المسلم) من هذا المنصب القيادي الرفيع, لأن العمدة الجديد على خلاف العرف المتبع في الحياة السياسية الأسبانية, ينتمي إلى أقل الأحزاب حصولا على الأصوات في الانتخابات . لم يعد أمام الأقلية المسلمة سوى اللجوء إلى لجان ممارسة الحقوق المدنية والسياسية في برلمان الاتحاد الأوروبي, لأن هؤلاء المسلمين مواطنون في دولة أوروبية ويتمتعون بحقوق تكفلها الدساتير الديمقراطية, والأسس التي يقوم عليها الاتحاد الأوروبي, لكن يظل السؤال: هل يمكن لمسلم أوروبي أن يكون متساويا في الحقوق مع مواطن مسيحي أوروبي؟. كاتب مصري مقيم في اسبانيا