على الرغم من ان الاعلام المرئي وخصوصا الفضائيات قد سحبت معظم البساط من تحت وسائل الاعلام الاخرى, سيما اضعف الحلقات فيها وهي الاذاعة, الا ان لهذه الاخيرة دورا لاتزال قادرة على القيام به. فكما ان الانسان لايستطيع الجلوس امام التلفزيون طوال الوقت, فانه لابد ان يلجأ الى الاستماع للاذاعة او مطالعة الصحف والمجلات وهكذا, وهذا يعني ان للاذاعة شريحتها الاجتماعية التي تتفاعل معها وتتجاوب مع ما تقدمه من مواد وبرامج. وحين نتحدث عن شريحة فالمقصود هنا ليس فئات عمرية او طبقات اجتماعية معينة, وانما ببساطة اولئك الاشخاص الذين تضطرهم ظروف عملهم او حياتهم للتواجد خارج المنزل خلال ساعات النهار او الليل, او اولئك الذين حرموا من نعمة البصر. هؤلاء هم جمهور الاذاعة بالدرجة الاولى, ومن الواضح ان عددهم يتقلص بالتدريج, مع تزايد انتشار التلفزيون والاجهزة المرئية (مثل الكمبيوتر) من جهة ومن جهة اخرى بسبب اتجاه التطور العالمي نحو الغاء اماكن العمل وتحويلها الكترونيا, مما يعني تركيز الناس في بيوتهم فترات اطول. ان هذا يفرض على الاذاعة تحديات ما فتئت تتعاظم باستمرار وعليها ان تجاهد للاحتفاظ بحصتها من المستمعين ولا نقول زيادتها لان هذا بات امرا صعبا. بيد انها كي تكون في مستوى هذا التحدي فإن عليها ان تحدث تغييرا جذريا في وظائفها وطريقة عملها, ولايتوقف الامر هنا عند البرامج او المادة الاذاعية, وانما يمتد الى جوهر الاذاعة نفسها, والمسألة الاساسية هي كيف يمكن خلق رابطة تواصل اكثر اقناعا بالنسبة للمستمع واكثر ملاءمة للتطورات الجديدة التي يشهدها حقل الاعلام و_الحياة بصورة عامة. ان اي اذاعة لا تستطيع بطبيعة الحال ان تجاري التلفزيون فيما يعرضه, مثلما لا يستطيع الصوت ان يجاري الضوء فالصورة تطغى على ماعداها, لانها تخاطب البصر وتشده بعيدا معها, لكن الاذاعة تستطيع ان تكمل الجوانب الاخرى, من خلال الاهتمام بالمساحات التي يهملها التلفزيون او تهملها الصورة خلال عرضها. ماذا نعني هنا بهذا الكلام؟ اننا نعني ذلك الجانب المتعلق بالخيال والمرتبط بالكلمة بصورة اساسية فالتلفزيون قد يعرض مشهدا للبحر حيث تتدافع الامواج نحو الساحل, اننا بحكم الدربة التي نكتسبها في التعامل مع هذا الجهاز, يذهب تركيزنا مباشرة على صورة البحر وما اذا كان يحمل على امواجه شيئا, او على الساحل حيث نستمتع بجمال المنظر. وخلال هذه العملية من النادر ان يهتم المشاهد كثيرا بصوت البحر او بأصوات الكائنات الحية او الطيور التي تملأ الفضاء ليس لانه لا يسمعها, ولكن لان الصورة هنا تزاحم الصوت فتقلل من تركيزنا تجاهه. الامر نفسه ينطبق على الكلمة, فنحن نستمع الى الكلام في الاذاعة بصورة اوضح واعمق مما نسمعه في التلفزيون. وهذا يعني ان الاذاعة تستطيع ان تستفيد من الثغرات التي يتركها التلفزيون في طريقه,لكنها كي تنجح في ذلك فهي مطالبة بان تطور الاهتمام بالصورة والكلمة. وهنا تكمن المشكلة بالنسبة الى الاذاعات العربية, التي تفتقر الى الخبراء والكفاءات في المجالين ان اعتمادها هو فحسب على مذيعين او معدين او اداريين اكتسبوا جل خبراتهم ومعارفهم من المحيط الضيق, وحينما كانت الاذاعة احدى وسائل الاعلام الاساسية. ان معظم هؤلاء عاجزون في الوقت الراهن عن فهم مغزى التحولات الجوهرية في مجالات الاعلام والاتصالات والمعرفة الانسانية بصورة عامة, التي حدثت خلال السنوات الماضية ولاتزال مستمرة بصورة مطردة. ولذلك فان غالبية المحطات الاذاعية العربية تعمل اليوم للمحافظة على جمهورها عبر تقديم الرشوة للمستمعين, من خلال المسابقات التافهة وطلبات الاغاني والاهداءات وما شابه ذلك. انها تنحدر اكثر فاكثر نحو مخاطبة الاهتمامات السطحية لدى المستمع, وربما تنجح في شد بعض المستمعين اليها بهذه الطريقة, لكن ذلك انشداد وقتي سرعان ماسيزول واذا بقي الحال على ماهو فقد يأتي يوم لاتجد فيه الاذاعة دورا تلعبه, لان وسائل الاعلام تتطور بصورة مذهلة, وربما يتمكن التلفزيون او الصورة قريبا من سد الثغرات الموجودة حاليا لديها. اننا حين ننظر الى حال الاذاعات العربية نشعر بالشفقة تجاهها, لانها تشبه الاعمى الذي يقود قاربا في البحر فهو لايدري الى اين يأخذه ويحسب الامواج التي تتلاطم من حوله وكأنها تحييه وتداعب قاربه. نأمل ونتمنى من قلوبنا لهذا الاعمى ان يصل يوما الى بر الامان, لكن امانينا واماني غيرنا وحدها لاتكفي! *كاتب من البحرين