(رحمة السماء موصولة بالأسباب بمعنى الاجتهاد العلمى والأخذ بأساليب الترشيد والتخطيط وحسن التدبير..) صحيح أن ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان, ولكن الصحيح أيضا ان البشر مأمورون بأن يتوجهوا إلى خالقهم بالضراعة. أن آتنا ياربنا خبزنا كفافنا باعتبار أن الخبز هو الذى يكفى الإنسان الجوع كي يحفظ عليه الحياة. وإذا كان الخبز كما نعرفه مصنوعا من دقيق القمح أو طحين الذرة وأحيانا من فاكهة الموز الافريقى (فاكهة الخبز كما يسمونها) فإن الانسان الآسيوى مثلا يعيش على حبوب أخرى مثل الأرز فيما تعيش شعوب أفريقيا جنوبى الصحراء الكبرى على حبوب بعينها مثل الدخن (الدال المضمومة والخاء الساكنة) أو الصرغم وهو من الذرة الرفيعة والرخيصة فى مقابل الذرة السخية المفلطحة أو الشامية كما يسميها المصريون. الحبوب والحياة وأيا كان الأمر فالبشر يقيمون حياتهم على أساس الحبوب وهى لا تنمو مثل الثمرات فوق أشجار الغابة أو بين بيارات البساتين.. ولكنها تحتاج اراضى زراعية وحرفية عالية فى مجال الفلاحة ومياها غزيرة للسقيا وتعهد الانبات. والمشكلة التى يتعين على البشرية أن تواجهها فى العقود الأولى من القرن الحادى والعشرين هى ظاهرة الانكماش البالغة السلبية بل والخطورة التى تعرضت لها مساحة أراضى المحاصيل المزروعة فى العالم. وهو ما ينقلنا الى معالجة البعد الرابع من الأبعاد التحديات السبعة التى بدأنا بها حديثا سبق حول ما يواجه كوكب الأرض من مشاكل فى مستقبل ليس بالبعيد .. وهو أيضا أمر يفرض علينا أن ننبه إليه من أجل خلق وتعزيز الوعى بنوعية تلك المشاكل وصولا الى استنهاض الارادات السياسية لمواجهتها والتماس حلول معقولة كى لا نقول بائنة أو ناجعة لها. وعليه فالتحدى الرابع هو ما وصفه المعهد العالمى لرصد أحوال العالم (فى أحدث تقاريره) من انكماش مساحة اراضى الحبوب (جران لاند) موزعة على الأفراد من البشر حيث ظلت هذه النسبة مطردة الانخفاض منذ القرن التاسع عشر فهبطت من 24.0 فى المائة من الهكتار للفرد لتصبح 12.0 فى المائة فقط من الهكتار. وعلى سبيل المثال التشخيص والتمحيص أيضا يحذر المعهد الدولى المذكور (وهو فى طليعة المؤسسات المحترمة عالميا فى مجال العلم البيئي بكل تفريعاته وقد حرصنا كاتب السطور على أن نتواصل معه كأعضاء مراسلين) يحذر بأن هذا الاتجاه التنازلى فى مساحات الأراضى المزروعة بالحبوب الغذائية من شأنه أن يهدد الأمن الغذائي لبلدان مثل أثيوبيا ونجيريا وباكستان, فما بالك وهذه الأقطار سواء فى افريقيا أو اسيا فى حال من اضطراد الزيادة السكانية بغير ضابط أو رابط ولم تحقق فيها برامج تنظيم الأسرة وترشيد النسل نجاحا يذكر, ومن ثم فزيادة النسل العددية من شأنها فى غضون عقود قليلة وقريبة من الزمن أن تؤدى الى تفتيت حيازات الأراضى المحصولية الى درجة من التقلص بحيث لا يعود فى إمكان الارض الزراعية ان تطعم حائزيها. ولما كان الفلاحون الفقراء فى معظم الأقطار النامية ويسمونهم مزارعو الكفاف عاجزين بحكم التعريف عن تمويل فواتير استيراد المكملات الغذائية, فإن النتيجة كما يحذر الخبراء وأيديهم على قلوبهم قد تترجم نفسها إلى مجاعات حقيقة تتفشى غائلتها الرهيبة بين صفوف الناس وهو ما أصبح يشاهد ويعاين بين حين وآخر فى بلدان مثل أثيوبيا فى الفترات الأخيرة. الرحمة من السماء اللهم الا أن تتدارك البشر رحمة السماء. وهى رحمة موصولة بالاسباب بمعنى الاجتهاد العلمى وبمعنى الأخذ بأساليب الترشيد والتخطيط وحسن التدبير. ومن ذلك مثلا ما استطاعت البشرية لتضمد اجتهادات علمائها وخبرائها أن تنجزه فى نصف القرن الأخير وهو التوسع الرأسى فى مجال الزراعة أو بمعنى أخر النجاح فى زيادة انتاجية الوحدة من الأرض المزروعة بنسبة 170 فى المائة فى مدى 50 سنة بفضل انتهاج أساليب العلم الزراعى الحديث. لكن تظل المشكلة قائمة ماثلة لأن التوسع الرأسى له سقفه الذى لن يتجاوزه وله أيضا جدلياته بمعنى آثاره الجانبية السلبية فى معظمها وفى مقدمتها أن ثمن النجاح الذى تحقق جاء على حساب التوسع فى استخدام المخصبات الكيماوية والمبيدات الكيماوية أيضا لمقاومة الآفات التى تجتاح الزراعة. وكلها مواد يؤدى تراكمها الى الاضرار فى التحليل الأخير بالبيئة الحية وبصحة الإنسان. العامل الخامس وهو علاقة الإنسان بالبحر: والحديث هنا عن مسطحات من المياه التى تغطى كرة الأرض اليابسة من البحر والمحيطات. الا ترى حكمة القرآن العظيم وهو يسترعى انتباه البشر وقد نزل اساسا فى بيئة صحراوية غير بحرية إلى ما فى البحر من ثروة غذائية وهو يخصص الحديث بالتراث عن اللحم الطرى مشيرا الى ان البحر المحيط هو مصدر البروتين الحيوانى اللازم, بل الحيوى لنماء الانسان .. وبهذا ظلت البحار والمحيطات تتكفل ـ اكثر الله ـ خيرها بالأمن الغذائى لأقوام وشعوب وحضارات شتى عبر الزمان والمكان. تطوير أساليب الصيد ثم ان البشرية استطاعت بفضل تطوير أساليب الصيد وخاصة فى النصف الثانى من القرن العشرين وبالتحديد الفترة ,1950 ,1997 ان تزيد محصول رزقها من الثروة السمكية المجلوبة من البحر بمعدل 5 أضعاف وهى زيادة مدهشة مرموقة بكل المقاييس من 19 مليون طن إلى 90 مليون طن. لكن المشكلة كما يحذر الخبراء أن هذه الزيادة وصلت بالثروة السمكية الكوكبية كما قد تسميها الى حدود الاجهاد الذى يشارف على الاستنفاد أو النضوب. ولما كان اختصاصيو البيولوجيا الاحياء البحرية يعتقدون أن حدود الثورة السمكية, المصادة من أعماق المياه المحيطة بكوكبنا لن تزيد عن طاقة 95 مليون طن, فالمعنى أن نصيب الفرد من البروتين الحيوانى سيقل باستمرار (مع اطراد زيادة السكان) والمعنى أيضا ان يعود سكان الكوكب للاعتماد أو التعويل على المصادر الزراعية البرية وليس البحرية لسد احتياجاتهم من الغذاء ومصادر البر الزراعية حالها كما شرحنا.. فأين المفر؟ وحكاية الغابات التحدى السادس يتمثل فى حال الغابات المنبثقة هنا وهناك على سطح الكرة الأرضية, وهو حال لا يسر على التحقيق عدوا ولا حبيبا. ولا تقل مالنا ومال الغابات ونحن محرومون فى معظم العالم العربى منها ربما باستثناء أقطار من بنى قومنا مثل السودان أو لبنان.. ان المسألة لا تكمن فى الموارد الخشبية من الغابات وهى فى أساسها أمر حيوى لا لصنع الكراسى أو المخادع.. ولكن أيضا لصنع الورق الذى نكتب عيه ونقرأ فيه.. وبمعنى آخر لاستمرار الحضارة بالدرجة الأولى. لكن قضية الغابات أوسع وأعمق من ذلك بكثير ولا بأس أن نعيد فى هذا السياق ما قد نظرنا إليه ولا شك فى أحاديث سبقت من زمن وهو: ان الغابات فى أمازون البرازيل ومافى حكمها هي فى رأينا بمثابة بوليصة قسيمة التأمين على سلامة دورة المياه فوق كوكب الأرض. ومن ثم فالحفاظ على هذه الثروة من الغطاء النباتى الذى يفرش اصقاعا شاسعة من الكواكب ليس مجرد ترف علمى ولا هو مشكلة وطنية أو اقليمية ولا حتى قومية أو قارية بل هو قضية تهم البشرية بأسرها, يستوى فى ذلك اجيال الحاضر والمستقبل. والمشكلة من جديد هو اطراد الانكماش والتقلص فى نصيب الفرد البشرى من مساحة الغابات حيث تتوقع الاسقاطات الرياضية ان يشهد النصف الأول من القرن الحادى والعشرين انكماش هذا النصيب من 56 فى المائة من الهكتار الى 38 فى المائة فقط حسب تقدير معهد الموارد العالمى فى واشنطن (فى دراسة تحمل عنوان له دلالته وهو (غابات خط الدفاع الأخير). مرة أخرى نحيل إلى منطق (جدل السلوك والظواهر) كما نسميه ومعناه إن الإنسان إذ طمح إلى التنمية.. فهو يبدأ مشروعات الزراعة ليطور حياته ويزيد موارده.. أمامه اراض شاسعة من الغابات فإذا به يعمد إلى اجتثاثها فيما يهيئ بدلا منها رقعا مزروعة بالمحاصيل وكلما ارتفع مستواه المعيشى إذا به يحتاج إلى مزيد من الوقود الذى يجلبه من أخشاب الغابة التى يزيل أشجارها, وكلما ارتفع شأن البشر فى مضمار الحضارة احتاجوا إلى اطنان الورق الذى يصنعونه من لحاء الأشجار.. وهكذا يصبح الشيء لزوم الشيء.. ويقضى النجاح إلى الفشل, والايجاب الى السلب والانجاز إلى آثار بالغة الضرر وتكون النتيجة هى اختلال المنظومة الايكولوجية النسق البيئى الذى ابدعته حكمة الخلق حيث كل شيء بقدر وفوق كل نظام محسوب وهذا يقودنا الى التحدى السابع الأخير فى هذا الحديث وهو: انقراض وزوال انواع حيوانية ونباتية من فوق كوكبا لأرض. ان العلماء يقدرون عدد أنواع الطيور لتجد 8615 نوعا معروفا ولكن يتعرض للانقراض منها نسبة 11 فى المائة أما عدد الأنواع من حيوانات الثدييات فيقدر بنحو 4355 فصيلة ولكن يتعرض للانقراض منها نسبة 25 فى المائة فيما يتعرض للانقراض نسبة 34 فى المائة من الأنواع السمكية.. وكله, كله على حساب كوكب الأرض ومصلحة البشر. فتش عن حرارة الكوكب ويرجع الأسباب فى ذلك إلى تدمير الموائل الطبيعية التى تسكنها وتأوى إليها هذه الأنواع من الأحياء, وإلى ما أدت إليه أنشطة البشر الصناعية والحضرية على مدى قرون من تغيير فى درجة حرارة الأرض ومن اصابة البعض من تلك الموائل الطبيعية بأدواء التلوث , ناهيك عن نزعات النشاط الإنسانى, وهو بالأدق اللاإنسانى من صرع الحيوانات ومطاردتها فى انحاء شتى من العالم أما لجلب الجلود أو لثروة العاج فى انيابها واما لمجرد متعة الطراد والصيد وتعليق رؤوس الحيوانات المصروعة فى صالونات الاستقبال على نحو ما دأب عليه مثلا لوردات الانجليز فى حقبة استعمار بلادهم لأصقاع شاسعة فى أفريقيا والهند وجنوب شرقى اسيا. هكذا يرسم المختصون فى مجال البيئة وفى رصد أحوال العالم صورة ليست بالواعدة بل هى حافلة بالتحديات الصعبة أمام البشرية فوق كوكب الأرض. ولكن لأن الله سبحانه يخلق الداء ويخلق الدواء تماما كما خلق العقل القادر على الفحص والاجتهاد ورشد التفكير, فإن على البشرية أن تمعن التفكير فى مشاكلها وأن تتحول من التشخيص إلى البحث عن حلول. وهذا مناط حديث قادم بإذن الله.