في أسفاري إلى بلدان أوروبا, صادفت كثيرا من الشباب العربي, يعملون ويدرسون وكثيرا ما يمتهنون الضحك على عقول الآخرين واستغلال سذاجتهم لجني بعض الأموال منهم, وللأسف فهم لا يفعلون ذلك إلا مع أبناء جلدتهم أي مع العرب الذين يذهبون إلى بلدان أوروبا للسياحة أو لمهمات رسمية لفترة قصيرة, وكلنا صادفنا أمثال هؤلاء. يحزنني في الأمر أن أرى شخصا على درجة من السذاجة بحيث يمكن الآخرين من استغلاله وسرقة أمواله, ويحزنني أن يسرق الأخ أخاه, بينما لا يجرؤ على فعل ذلك مع الأجنبي لانه يعلم ان نهايته ستكون السجن أو الطرد من البلد. ولذلك فإن التثقيف السياحي يكتسب أهمية كبيرة مع موسم السفر والسياحة في هذه الأيام. سلوكيات العربي, أو الصورة النمطية للسائح العربي والخليجي تحديدا ليست على ما يرام, وكلنا يعرف الظروف والملابسات التي قادت لظهور هذه الصورة وترويجها في الاعلام الغربي, واللعب على تناقضاتها لخدمة أهداف كثيرة, لكن في المقابل لم أسمع أو أعثر على محاولة واحدة لوقف هذه الدعاية المضادة والمستمرة عبر عقود من الزمن, حتى تحولت إلى حالة قريبة من المسلمات أو البديهيات عند المجتمع الغربي, وإلى حالة من التسليم والرضى لدى الإنسان العربي الذي كانت وما زالت أقصى ردود أفعاله جملة لا حول ولا قوة إلا بالله! جميل أن يسافر الإنسان مع عائلته أو أصدقائه أو حتى بمفرده, فالسفر فعل إنساني نبيل, ومفعم بالحميمية والمعرفة وحب الاكتشاف, ورغبة التغيير, وتوسيع الرؤى والمدارك, والاقتراب من الآخرين والاستماع إليهم والصبر على الاختلاف معهم, والقدرة على استيعاب هذا الاختلاف, وتوظيفه لصالح المعرفة الإنسانية التي تزيد في اثراء التجربة الإنسانية للفرد والمجتمعات, لكن الأجمل أن نكون مستعدين لممارسة فعل السفر وتجربة الترحال. والاستعداد للسفر والذهاب بعيدا إلى حيث المناخ المختلف والإنسان المغاير لنا في منظومة السلوك والأخلاق والقيم, وكذلك إلى حيث المجتمع المنبني على أسس وقوانين نصطدم بها للوهلة الأولى كما نصطدم بتقنياته وماديات تلك المجتمعات, ان الذهاب إلى هناك يقتضي استعدادا لا يقتصر على ما في الجيب من نقود وبطاقات ائتمان وشيكات سياحية, ولا على ما في الحقائب من ثياب واكسسوارات من أرقى الماركات ولا على ما في جيناتنا من شراهة عجيبة للشراء والتسوق وبصوت وسلوكيات استعراضية عالية الذاتية. وإنما الاستعداد النفسي لتقديم أنفسنا للآخرين هناك بشكل صحيح, وبثقافة ووعي. نحن للأسف لا يعنينا الآخر هناك, نضائل حجمه ونمعن في السخرية من مواقفه تجاهنا, ننظر إليه بفوقية في دواخلنا في الوقت الذي نبدي له احتراما وابتساما ظاهريين, لكننا في كل سلوكياتنا وتحركنا في أكلنا وشربنا ودخولنا إلى الأمكنة, حديثنا عالي الصوت في الميترو والباص والمطعم والطائرة والمطار, تعاملنا مع النقود باستعراض ظاهر, بثيابنا التي نرتديها بمبالغة لا تتناسب مع السفر, تعاملنا مع أبنائنا وسلوكهم في الشارع والمطعم ولوبي الفندق, أصوات التلفزيون العالية في غرف الفندق وشقق البنايات, روائح الطهي الحارة وأشياء كثيرة, رسمت عنا صورة ليست على ما يرام, وبحاجة لتغيير سيستغرق زمنا طويلا, لكن متى يبدأ اعلامنا وأسرنا ونحن في اتجاه التغيير؟ هذا هو السؤال المهم.