يصر البعض على اخفاء الطابع الطبقي على (الديمقراطية) الامر الذي يفضي الى تغييبها خاصة اذا ما كان هذا البعض في السلطة ذلك ان دكتاتورية طبقة اجتماعية هي ـ في الوقت ذاته ـ ديمقراطية طبقة اخرى. في الوقت الذي يسطح بعض آخر مفهوم الديمقراطية الى مجرد (حكم الشعب بالشعب وللشعب) , حيث يعيدها الى المفهوم الاغريقي القديم, دون ان يعي هذا البعض بأن الديمقراطية الاغريقية حرمت النساء والعبيد من حق التصويت! تجنبا للمتاهات اجدني اكثر ميلا للتعريف الجامع, المانع, البسيط, المختصر, الذي سبق للمفكر المصري المعروف د. فؤاد مرسي ان قدمه حين عرف الديمقراطية بأنها (حرية التعبير, وحرية التغيير) . في الحرية الاولى ثمة حرية الرأي والتعبير, اما حرية التغيير فيمكن اختزالها بمفهوم (تداول السلطة) وعدم ايكال الامر الى كمبيوتر وزارة الداخلية ودأبه على تكريس السلطة) الى الابد! ومع التوجه نحو نظام السوق ومتطلبات العولمة الاقتصادية سوف تسقط الديمقراطية اذ لا يستقيم الانفتاح الاقتصادي الذي سيتعمق ويخرج الى العلن, بدون انفتاح سياسي مواز له. وان كانت الانظمة ستعمد الى تضييق الانفتاح الاخير, الى اقصى مدى ممكن فيما ستعمد القوى السياسية من خارج السلطة الى توسيعه الى اقصى مدى, مما يفتح الباب على مصراعيه لمعركة ضروس بين النظام ومعارضيه. في هذه المعركة سيستقوى النظام العربي بمظاهر التحديث المشوه في القطر المعني, وبشحة الموارد وبتفشي الفساد والبيروقراطية وبضعف الاحزاب السياسية القائمة وبشراسة اجهزة القمع, والعشائرية والجهوية, دون ان يمنع هذا كله من استعانة النظام الحاكم بالاجنبي الذي لا يحلم لنا بالديمقراطية اما اقيلميا فثمة ما يعزز نفور النظام المعني من الديمقراطية حيث لا مصدر إلهام ديمقراطي. وفي الميدان الاقتصادي ـ الاجتماعي, ثمة عائق قوي في وجه الديمقراطية يتمثل في وهن الانتاج الذي ترتب عليه ضعف الطبقات الاجتماعية صاحبة المصلحة في الديمقراطية ونعني بها, تحديدا, الرأسمالية المنتجة, والطبقة العاملة. كل هذه امور تعززها هشاشة سيادة القانون وغياب استقلال القضاء, والثقافة والموروث الديمقراطيين. حيث لطالما خيض الكفاح الوطني في بلداننا على حساب الديمقراطية, وكأنهما نقيضان لا يلتقيان. على ان هذه العقبات الكأداء لا تعني بأن الحالة ميئوس منها, ذلك ان ثمة عوامل يمكن للقوى الساعية الى الديمقراطية ان تستقوي بها, مثل رغبة النظام الحاكم في القطر المعني في الظهور بصورة غير بشعة امام الرأي العام العالمي. فضلا عن شغف النظام المعني بالتطفل على ما يجري داخل اروقة المعارضة حتى لا تفاجئه الاجهزة بالانقلاب. ناهيك عما تحققه (حرية التعبير دون التغيير) من تنفيس للسخط الشعبي المتراكم ضد السلطة, كما ان (حرية التعبير) تغري العاملين تحت الارض بالانخراط في (اللعبة الديمقراطية) ! كما لا يجب التقليل من شأن مؤسسات المجتمع المدني, واسهامها في اشاعة الديمقراطية, ذلك ان مجرد وجود تلك المؤسسات يبشر بظهور المجتمع الديمقراطي. وعند تحقق هذا المجتمع, فإن تلك المؤسسات تحول دون احتكار النخب السياسية للديمقراطية المتحققة بحيث تصبح الديمقراطية قضية الشعب, وملكا له, فيصعب اغتيالها بل تتخصب الارض لتعميقها. بيد أن ثمة شروطا وضمانات لجدوى تلك المؤسسات مثل الارتباط بأجندة الوطن, وليس بأجهزة الممول الاجنبي, واستقواء تلك المؤسسات بالشفافية وبالديمقراطية, في بنائها وادائها مع احتفاظها بمسافة كافية بينها وبين النظام الحاكم وانخراط تلك المؤسسات في العمل السياسي والتبعوي ولأن الديمقراطية تنتزع ولا تمنح, فإن العامل الحاسم فيها يتمثل في الانسان, وعيه, ونضاله اكثرمما يتمثل في الشروط الموضوعية للديمقراطية على اهميتها البالغة. لعل هذا الامر يقنع القوى السياسة بإيلاء الشأن الديمقراطي الاهتمام اللائق به, نضالا وتبشيرا وتربية في آن. ما يقتضي التصدي الجسور لمظاهر الاستبداد والقمع والفساد, بتشكيل جماعات ضغط في كل تجمع جماهيري (حي, قرية, مصنع, جامعة, نقابة, ناد) للتحرك ضد كل عمل غير ديمقراطي او تشتم منه رائحة الفساد, او القمع. ان التشوه الطبقي الاجتماعي الملحوظ يضع على كاهل المثقف مضاعفة الكفاح الديمقراطي والامر نفسه بالنسبة للاحزاب السياسية. * كاتب فلسطيني