لم تكن عبارة (الغنية بالثروات) التي لازمت الحديث عن الموقع الاستراتيجي للمنطقة العربية ومواردها, لتشمل المياه, فهذه المنطقة تصنف جغرافيا ضمن المناطق الجافة.. بل ان غلبة الصحراء على المنطقة, وهي بما عرف عنها من انخفاض نسبة الامطار, وقلة المياه الجوفية, تجعل مشكلة المياه مشكلة قائمة كبيرة, ومع تكرار نوبات الجفاف في المنطقة العربية, يبدو ان مشكلة المياه ستصبح تعقيدا, بل (أزمة) لها انعكاساتها البالغة الاثر على الامن العربي.. ومن ثم فإن احد اهم التحديات التي سوف تواجه العرب, تكمن في القدرة على الموازنة بين الموارد المائية المتاحة, والاحتياجات الحالية والمستقبلية المتنامية. رغم ذلك او بالرغم من ارتباط المياه بدور الدولة, فإن المورد المائي لا يظهر في الاستراتيجيات السياسية للاقطار العربية وهو (مورد يستحق بالتأكيد المعالجة في الخطط والاستراتيجيات بعيدة المدى) بشكل يتوازى مع مدى خطورته للأمن وضمانات المستقبل.. خاصة وان تجدد مورد المياه بقوى الطبيعة اصبح معرضا للتدهور بسبب اثار التنمية والتحديث, سواء اكان ذلك بسبب تلكؤ التنمية, ام المغالاة في التحديث. بل ان الاهمية المشار إليها تتزايد في سياق النشاط المحموم الذي تقوده, منذ اواخر عقد الثمانينيات الفائت بعض مراكز الابحاث ومعاهد الدراسات الدولية (غير المحايدة) في تنظيم المؤتمرات ونشر الدراسات التي تحذر من دخول المنطقة في ازمة حادة للمياه خلال السنوات القليلة المقبلة. ومع تعاظم دور المياه الى الحد الذي اصبحت فيه تشكل (رهان المستقبل) ومع امكانية ان يصبح تحقيق الامن المائي هو (هم) المرحلة المقبلة.. فإن فهم الجوانب المختلفة لازمة المياه ـ المقبلة ـ في المنطقة العربية لا يستقيم دونما ادراك ان البلدان العربية تواجه نقصا قدره (44%) من احتياجاتها المائية هذا في ظل تحكم ثماني دول غير عربية بأكثر من (66%) من المياه العربية حيث تنبع هذه النسبة من المياه من منابع تقع ـ خارج الوطن العربي ـ في تلك الدول وهي: تركيا واثيوبيا واوغندا وزائير والسنغال وكينيا وغنيا.. ناهيك عن اسرائيل, التي تسيطر على جزء مهم من الموارد المائية في فلسطين وجنوب لبنان وهضبة الجولان. فإذا ما اضفنا الى ذلك ان كل الحقائق تشير الى ان المنطقة العربية لم تواجه اي ازمة للمياه قبل ظهور اسرائيل واستيلائها على الارض ومنابع المياه لبناء المزيد من المستوطنات لاستيعاب المزيد من اليهود (الجدد) واضفنا اليه ايضا مدى عمق الاتصالات بين اسرائيل وبين دول الجوار للوطن العربي وبالذات دول الجوار (الاستراتيجي) طبقا لوصية نبي اسرائيل المسلح (بن جوريون) لضرب الامن العربي في مقتل الامن المائي.. يمكن القول بأن (أزمة المياه) وتداعياتها المتوقعة على خطوط التماس بين المنطقة العربية ومنطقة (الشرق الاوسط) في شكل صراع على مواردها او ما يطلق عليه بعضهم اسم (حرب المياه) انما هي جزء لا يتجزأ من ازمة المنطقة في الصراع بين (العرب.. واسرائيل) . ومن الامور المثيرة للجدل في الحديث عن ازمة المياه العربية اولوية العوامل الاقتصادية او العوامل السياسية وايهما المتغير المستقل وايهما التابع. ونستطيع ان نتبين حقيقة الابعاد الاقتصادية لأزمة المياه ـ العربية ـ وذلك من خلال التعرض للنقطتين التاليتين: أولا.. ان الدائرة المشار اليها تتضمن احواض عدة انهار هي: النيل والاردن والفرات ودجلة وتوجد بالاضافة الى ذلك احواض جوفية كبيرة جدا في شمال افريقيا وشبه الجزيرة العربية تحتوي على كميات ضخمة من المياه التي تعبر الحدود الدولية.. ثانيا.. وكما جاء في تقرير للبنك الدولي,نشر في اوائل اكتوبر 1993 فإن امدادات المياه القابلة للتعويض في المنطقة سوف تتراجع اذ بعد ان كان المعدل للفرد (3430) مترا مكعبا عام 1960, سيصبح (667) مترا مكعبا سنة 2025. وهكذا تكشف النقطتان السابقتان عن ان المشاركة في موارد المياه بين دول المنطقة في اطار النقص الحاد في كميات المياه المطلوب توافرها بالنسبة لكل منها ستكون اصعب التحديات واكثرها تأثيرا على مستقبل المنطقة نظرا الى ان مشكلات عدة تتعلق بالمياه لا تتحكم فيها سوى معاهدات قليلة.. بل ان الملاحظة الجديرة بالانتباه هنا ان دول المنطقة مجتمعة لا ترتبط رسميا الا بمعاهدة رئيسية كبيرة واحدة فقط, هي المعاهدة الخاصة بتقاسيم مياه النيل, بالرغم من ان في العالم كله (286) معاهدة من هذا النوع. واذا كان من الصحيح ان الابعاد الاقتصادية والسياسية لازمة المياه العربية تتداخل, خاصة في ظل عدم وجود اطار قانوني واضح يتيح للاطراف المتنازعة فرصة الاحتكام اليه الا انه من الصحيح ايضا ان من ابرز سمات ازمة المياه هذه استخدامها كسلاح سياسي وورقة ضغط لحل مشكلات اخرى. وفي هذا المجال, يمكن التمييز بين ثلاث حالات: اولا, حالة الاستيلاء.. وهي تتجسد بصورة واضحة في استيلاء اسرائيل على كميات متزايدة من الانهار العربية المجاورة لها. ثانيا, حالة القسر والاجبار.. وهي الحالة التي تمثلها بوضوح حالة نهر الفرات. فمن الثالث عشر من يناير 1990, اعلنت الحكومة التركية قطع منسوب نهر الفرات لمدة شهر, بهدف الاسراع في توصيل الماء الى سد اتاتورك الكبير في اطار مشروع ري جنوب شرق الاناضول (يعرف اختصارا باسم (GAP) . ثالثا, حالة المساومة والتهديد.. وهي الحالة التي يمثلها نهر النيل اذ يبدو هنا الترجمة العملية لاستخدام اثيوبيا لمياه النيل كسلاح ضغط سياسي على مصر والسودان للجوء الى الاساليب السلمية والدبلوماسية لتحسين العلاقات مع البلدين. وهكذا وفي هذا السياق, يبدو بوضوح ان نقص المياه الذي يزداد سوءا بعامل التغييرات المناخية التي وسعت من القحط الدوري وان عامل الادارة غير الكفء للمياه ليسا فقط العاملين وراء ازمة المياه العربية بل ان الاوضاع السياسية والاقليمية ايضا انما تساهم هي الاخرى في تفاقم ازمة المياه. وبالتالي فإنه انطلاقا من تداخل الابعاد الاقتصادية والسياسية لازمة المياه على خطوط التماس بين المنطقة العربية ومنطقة (الشرق الاوسط) وفي ظل غياب اطار قانوني واضح يتيح للاطراف المتنازعة فرصة الاحتكام لمبادىء القانون الدولي, تتزايد خطورة هذه الازمة. لذا. فإن التعرض لكيفية مواجهة الازمة هذه لابد ان يأخذ في اعتباره عاملين اساسيين هما: اولا: ان استراتيجية المواجهة تتوقف على طبيعة السيناريو المحتمل لهذه الازمة, والذي يمكن حصره في بديلين: احدهما: ذو طبيعة (صراعية) بمعنى ان هناك احتمالا لحرب يمكن ان تنشأ بأدواتها المختلفة ـ حول نقطة المياه في المنطقة.. والآخر ذو طبيعة (تعاونية) بمعنى قيام مشروعات مشتركة لمواجهة الخطر المقبل, والذي ينسحب على (كافة البلدان العربية) بدرجات متفاوتة. ثانيا: ان لهذه الاستراتيجية عناصر وركائز اساسية سواء على المستوى (الشعبي ـ المؤسسي) او على مستوى التعامل (الفردي ـ الجماعي) . ولعل نقطة تقاطع هذين العاملين يمثلها الاقتراح المقدم الى مجلس جامعة الدول العربية للبت فيه والذي يتمثل في انشاء لجنة عليا للمياه ومركز للدراسات والامن المائي العربي. وفي اعتقادنا ان انشاء هذا المركز وتلك اللجنة انما يمثل الاساس (العلمي والعملي) في تواجد استراتيجية مائية عربية موحدة تصون حقوق العرب في مواردهم المائية تجاه مخاطر التهديد الخارجي ووضع سياسة رشيدة للاستخدام الامثل للمياه العربية. * باحثة مصرية