هل تحتمل قضية تاريخية كبرى كقضية الصراع العربي الاسرائيلي كل هذا العبث الذي يحدث في كامب ديفيد؟ وقبل كامب ديفيد هل تستحق قضية الوجود الكبرى للعرب كل هذه اللامبالاة العربية, وكل هذا التخلي؟ ربما كان من الأجدر أن نسأل: ألا زالت القضية تحتفظ بطابعها واسمها العربي؟ ألا زلنا نتذكر شيئا اسمه الصراع العربي الاسرائيلي؟ أم ان الملف الضخم للقضية الأضخم في التاريخ قد تحول للإدارة الأمريكية جملة وتفصيلا وإلى الأبد؟ قضايا التاريخ الكبرى لا يتخلى عنها أصحابها لقاء ملايين ممنوحة من أجل البناء والاعمار, لانك طالما كنت بلا قضية وبلا وطن فخرابك مستمر حتى وان كان دخلك من كازينو واحد 15 مليون دولار شهريا, ونصيبك من المساعدات الأمريكية 100 مليون سنويا. قضايا التاريخ لا تحتمل تبادل المواقف, ولا تبادل الأدوار على الأسرَّة, فعرفات حتى وان نام تحت جلد بيجن فلن يصبح بيجن, وباراك حتى لو ارتدى جلباب السادات فلن يكون سوى صقر اسرائيل الأشد صهيونية من سلفه نتانياهو, إذن لماذا كانت حكاية الأسرَّة المتبادلة في كامب ديفيد؟ لقد تعب كلينتون من حكاية المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية فهدد الوفدين بانهاء القمة اليوم وضرورة التوصل إلى حل.. أي حل, المهم ألا يبدو الرئيس الأمريكي فاشلا أو غير قادر على تحقيق ما سبق أن حققه كارتر عام 1987. فإذا كان كلينتون قد صرخ: (انها لمسألة صعبة جدا) , فلانها كذلك بالفعل, انها أكبر من مجرد جمع مجموعة من الرجال الذين كانوا أعداء فأصبحوا شركاء ومحاولة ازالة الحواجز النفسية بينهم, وجعلهم يجلسون إلى مائدة واحدة, ويتقاسمون المنزل نفسه, ويضحكون ويثرثرون تمهيدا لصفقة سلام تمررها أمريكا الى العالم على انها احدى معجزاتها, وتبيعها للعرب على انها بضاعة أمريكية مضمونة ولذيذة مثل الكاديلاك والكوكاكولا. قضايا التاريخ الكبرى, لا يمكن أن تصبح صفقة تمرر تحت جنح الظلام في منتجع معزول في أطراف العاصمة واشنطن, ذلك ان قضايا التاريخ الكبرى تغيير لمسار التاريخ نفسه, اما بالعبث بخريطة الجغرافيا وفق معادلات السياسة والمصالح, واما بالعبث بجينات سكان الجغرافيا وصناع التاريخ. وطالما ان تغيير الجغرافيا مستحيل, والعبث بهندسة الوراثة لشعب أو أمة بأكملها مستحيل, فإن عبث كامب ديفيد لن يتم تمريره إلى الدماغ العربي, لانه قضية مصير كبرى وليس تذكرة طائرة تباع في أحد كاونترات المطارات الأمريكية بكذا دولار تبرعات.