انعقدت بلومي عاصمة الطوجر, ما بين 10و20 يوليو الحالي القمة السادسة والثلاثون لمنظمة الوحدة الافريقية التي تأسست في سنة 1963 بموجب ميثاق اديس ابابا. وقد كرست بذلك هذه المنظمة احترامها لدورية انعقاد قمتها. لكن هذا اللقاء تميز بحضور عدد قليل نسبيا من رؤساء الدول والحكومات. حيث لم يتعد هذا العدد ثلاثين من بين 53 عضوا تضمهم المنظمة. وقد يعود ذلك الى اقتناع العديد منهم بعدم جدوى وفعالية الاجراءات التي تقررها مثل هذه القمة, وكذلك الى انتقادات متبادلة حول التدخل في الصراعات التي تعرفها القارة. وعلى شاكلة القمم السابقة فقد زخر جدول الاعمال الذي تم وضعه من طرف اجتماع وزراء الخارجية الذي سبق القمة جملة من القضايا ذات الطابع السياسي والاقتصادي والاجتماعي تعكس في مجملها ضخامة المشكلات التي تواجهها القارة السمراء والتي تعتبر من افقر القارات بصفة اجمالية. لقد انتهت القمة باصدار قرار حول الاتحاد الافريقي, وبتصريح لومي الذي عرض تصورات القادة الافارقة للتحديات التي تواجهها القارة. ففيما يتعلق بمشروع الاتحاد الافريقي, لم تتبن القمة بشكل كامل الاقتراح الذي تقدم به الزعيم الليبي معمر القذافي, الذي يئس من تطبيق تصوراته الوحدوية في العالم العربي, فنقلها الى افريقيا التي عبرت عن تضامنها معه خلال ازمة لوكيربي فالقرار الذي كان قد اتخذه القادة الافارقة لفك الحظر المضروب من طرف مجلس الامن, قد ساهم بشكل ملموس في التسوية التي قادت الى محكمة المتهمين الليبيين في هولندا. وقد تبلور الاقتراح الليبي خلال قمة سرت الطارئة لمنظمة الوحدة الافريقية التي انعقدت في سبتمير 1999. ومنذ ذلك الوقت واجه ردود فعل متنوعة. فهناك اطراف انتقدته باعتباره غارقا في الخيال لا يأخذ بعين الاعتبار حقائق افريقيا, ولا مظاهر التنافر التي تواجهها حتى على مستوى داخل كل دولة على حدة ويعتبر هذا الاتجاه ان محاكاة اوروبا, امر لا يمكن ان تحققه الدول الافريقية. وهناك اتجاه ثان عبر عن تخوفاته من ان تكون هذه الافكار مجرد تغطية للتغلغل الليبي في افريقيا. وبالتالي تتخوف هذه الاوساط من ان يكون ذلك عاملا يضيف من اللا استقرار الذي تعرفه القارة, وقد تبنت هذا الطرح الدول الاكثر تأثيرا في المنظمة كما هو الامر بالنسبة لجنوب افريقيا ونيجيريا والجزائر. في حين إن الدول التي ساندت الطرح الليبي كدول الساحل مثل النيجر وتشاد وبوركينا فاسو... غالبا ما تستفيد من المساعدات الليبية, ومن الارتباطات الواسعة التي تجمع الطرفين. واذا كانت القمة قد قررت الانتقال الى مشروع الاتحاد الافريقي, فإن ذلك لا يمثل تحولا جوهريا. فالاجهزة المنصوص عليها لم تغير جوهريا من طبيعة اتخاذ القرارات السائدة حاليا. وفي هذا الصدد فقد نص المشروع الجديد على تحويل مؤتمر القمة الى جهاز يتخذ المبادرات والتشريعات اللازمة, في حين فقد حول مؤتمر وزراء الخارجية الى جهاز تنفيذي يتولى تنفيذ ما تقرره القمم. وعلى شاكلة ما هو موجود في الاتحاد الاوروبي, فقد تم التنصيص على انشاء برلمان افريقي وبنك مركزي, علاوة على مؤسسات اضافية تساعد على تحقيق الاندماج الاقتصادي بين الدول الافريقية وسيبقى مقر الاتحاد في اديس ابابا ليعوض بذلك ما كان يسمى بمنظمة الوحدة الافريقية. غير ان هذا المشروع لن يرى النور الا بعد التصويت عليه من طرف ثلثي الاعضاء خلال مؤتمر استثنائي سينعقد بليبيا في مارس المقبل. وفي الواقع, فإن هذا المشروع الطموح, رغم انه لم يغير جوهريا من سيادة الدول الاعضاء, ليس سهل التحقيق. فهناك وعي كبير في افريقيا بالمعوقات والعراقيل التي تمنع انتقال افريقيا الى اتحاد فعلي. ولا يتعلق الامر فقط بحواجز سياسية, بل ان غياب البنيات الاساسية التي تساعد على تواصل مختلف جهات وابناء القارة يشكل عائقا جوهريا في تجاوز حالة التشرذم التي تعيشها القارة. يضاف الى ذلك جملة المشاكل التي تعاني منها القارة, والتي تلمسها التصريح السياسي للقمة, وهو الذي سمي بتصريح لومي. على هذا المستوى, فقد استأثرت الصراعات التي تعصف بالقارة الافريقية باهتمام القمة. فإذا كانت الدبلوماسية الافريقية بمساندة الولايات المتحدة والمجموعة الاوروبية قد استطاعت ان تجد تسوية للنزاع بين اريتريا واثيوبيا من خلال اقرار وقف اطلاق النار, والعمل على نشر قوات اممية ما زالت لم تتشكل لاحترام ذلك فما زالت الاوضاع متردية في الصومال وسيراليون والكونغو وليبريا. وفي الوقت الذي تستمر الصراعات في هذه المناطق بكل ما ترتبه من مآس انسانية, فإنه يبدو واضحا ان هناك رهانات دولية, واسسا اقتصادية تجعل الكثير من الدول وخاصة العظمى منها لا تعمل جديا على مواجهة تلك الصراعات. بل يبدو واضحا ان الخبرات التي تختزنهاالقارة, ولا سيما منها المعادن الثمينة كالماس تعتبر من العوامل التي تؤجج الصراعات في القارة, وتعدد من المتدخلين فيها. وقد تلمس ذلك هذا التصريح الذي انتقد تلكؤ الدول الكبرى في مساندة القارة السمراء على الخروج من هذه الوضعية. وفي الواقع فإن اغلب هذه الصراعات تطرح في عمقها اشكالية الديمقراطية المعوقة في افريقيا. وقد سبق للقمة السابقة ان دعت الى مقاطعة كافة الانظمة التي تستولي على السلطة بأساليب غير ديمقراطية. غير ان الامر ليس بهذه البساطة, فأزمة الديمقراطية مطروحة على عدة مستويات من ابرزها غياب احترام حقوق الانسان, بل اكثر من ذلك تدهورها باستمرار بفعل تزايد عدد اللاجئين نتيجة الحروب, واستفحال المجاعة بسبب الجفاف الذي يضرب الكثير من الدول الافريقية. لذلك فإنه بالرغم من وجود الميثاق الافريقي لحقوق الافراد والشعوب, فإن الآليات المكلفة باحترام مقتضياته تظل مرة اخرى بدون فعالية. لذلك فإن تقدم الديمقراطية في هذه القارة لا يرتبط فقط بقرارات ناجمة عن منظمة قارية, بل يتطلب علاوة على ذلك اجراءات عملية على مستوى كل دولة. وهو شرط لا مناص منه لتجاوز الاختناقات التي يواجهها مسلسل الانتقال الديمقراطي في هذه القارة. ويرتبط بذلك اساسا اخراج القارة من وضعية التهميش والتخلف الذي تعاني منه في المجالين الاجتماعي والاقتصادي. من هذا المنظور, اولت القمة الافريقية من جديد عناية فائقة لهذه المعضلات. والتي يمكن اختزالها في المديونية ووباء الايدز الذي يهدد القارة بالاحتضار. ففيما يخص مشكلة المديونية, اذا كانت القمة قد ثمنت الاجراءات التي تمت لصالح البلدان الاكثر فقرا من طرف مجموعة الثماني, اي الدول الاكثر غنى, فإنها سجلت في الوقت نفسه محدودية تلك الترتيبات على مساعدة الاقتصاديات الافريقية على الاقلاع. فما زالت خدمة الدين تستهلك نسبة كبيرة من ميزانية الاقطار الافريقية, الامر الذي يعيق امكانية الانصراف الى التجهيز ومحاربة الاختلالات الاجتماعية المتنامية. واسوأ من ذلك, فإن هذه المديونية ما فتئت تسجل تضخما بفعل عجز الدول عن اداء مستحقاتها, ومن ثم اعادة جدولتها وكذلك بفعل ارتفاع الدولار. وللدفاع عن موقف افريقيا القاضي بضرورة مساهمة الدول الغنية بشكل اكثر فعالية في تخفيض هذه المديونية فقد كلف المؤتمر لجنة تضم رؤساء جنوب افريقيا ونيجيريا والجزائر بالترافع عن هذا التصور امام مؤتمر طوكيو لمجموعة الثماني الذي سينعقد في 18 يوليو الحالي, واذا كانت بعض الدول الكبرى ذات التقاليد الاجتماعية كفرنسا والمانيا اكثر استعدادا لمعالجة مشكلة المديونية بشكل سياسي, فإن الولايات المتحدة لا تحبذ مثل هذه الحلول, اعتبارا الى ان تسوية هذه المعضلة ينبغي ان تتم وفقا لاعتبارات اقتصادية محضة. تزامن انعقاد القمة الافريقية مع المؤتمر العالمي لمحاربة الايدز الذي احتضنته مدينة دوربان بجنوب افريقيا بحضور اكثر من 12 ألف مندوب يمثلون كافة الاطراف المعنية بهذا الوباء. واذا كان هذا المرض يشكل هاجسا عالميا, فإنه في افريقيا بات يشكل وباء يهدد جزءا من القارة بالانقراض, اذا لم تتخذ اجراءات حاسمة للحد من انتشاره. فالارقام مفزعة ومن ثم لم يعد المرض ظاهرة اجتماعية بل تحول الى قضية سياسية تتطلب مشاركة عالمية للتصدي لها. لقد ادرك القادة الافارقة عجز القارة على تحمل اعباء الوباء لوحدها. فسياسات الوقاية, والاستفادة من الادوية ولا سيما ما يعرف بالدواء الثلاثي تبقى جد مكلفة, ولا يمكن للمواطن الافريقي المصاب الارتقاء اليها. ومن ثم لم يجد القادة الافارقة مناصا من دق ناقوس الخطر الذي بات يهدد فعليا قارة بكاملها بالاحتضار. فاستمرار انتشار المرض بوتيرته من شأنه ان يزيد من استبعاد القارة من قطار العولمة. وقد اصبح من الضروري ان تساهم الدول المصنعة في دعم صندوق الايدز الذي استحدثه البنك الدولي, وكذلك الضغط على المختبرات العالمية لتخفيض اسعار الادوية حتى يتمكن الافارقة من الحصول عليها. ولا شك في ان اللجنة المكلفة بالترافع امام قمة طوكيو ستطرح هذه المقترحات علما ان قضية الايدز تندرج ضمن جدول اعمال هذه القمة. بصفة عامة, فإن لومي قد تلمست كافة المعضلات التي تواجه القارة, وتعيق تنميتها ولحاقها بتيار العولمة. لكن اغلب القرارات تبقى مرتبطة بمدى استجابة المعنيين بها, كما هو الامر في حالة الصراعات, وكذلك دور الدول المتقدمة في المساهمة فعليا في جهود انقاذ قارة بأكملها. استاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الخامس ـ المغرب