لا يعرف الانسان العادي معنى الرقابة الا حينما يدخل في صلب العملية نفسها, او يكون قريبا من احد الحقول الرئيسية التي تمارس من خلالها, والاعلام احد هذه الحقول ان لم يكن اهمها. فهذا الانسان في الاغلب يتلقى المعلومة, الخبر, الكتاب, القصة.. الخ, لكن من دون ان يعرف كيف كان نصها الاصلي, وما اذا عدلت او اضيف اليها او حذف منها شيء. قد يعرف الفرق اذا تسنى له ان يشاهد النص الاصلي, وفي الاغلب لا يتسنى له ذلك. ان الفارق بين الاصل وبين ما يسمح له بالتداول, يعني الرقابة. وهي قد تشتد حتى يصبح الفارق كبيرا وملحوظا, كما هو الحال مع بعض اجهزة الرقابة العربية التي تقوم بقطع بعض الصفحات من كتاب او صورة او خبر من جريدة وتركها مشوهة وقد تخف الرقابة حتى يصبح الفارق غير ملحوظ لا يكاد المتلقي يشعر به. انما في كل الاحوال تظل بصمات الرقابة موجودة, ومسيطرة على الجو العام, حتى وان تعددت اشكالها او قلت المساحات التي تطالها يدها. وهذا ما كان الحال عليه حتى الآن على الاقل. اي قبل ان تكشر ثورة التكنولوجيا والمعلومات عن انيابها وتزأر في وجوه الرقباء وتستفز اعصابهم وتتحدى مقصاتهم. ان اصل فكرة الرقابة هو الاعتقاد بأن الانسان, المواطن, غير قادر لوحده على تحديد ما هو الصح وما هو الخطأ, ما هو النافع له وما هو الضار. الاعتقاد بأن الانسان بحاجة دوما الى مساعدة جهة ما (ولكن ليس اي جهة) كي تأخذ بيده وتدله الى طريق السلامة والنجاة. ومن ثم تأتي الرقابة كي تقوم بهذا الواجب وتحدد له ما ينبغي ان يمر وما ينبغي ان يعتقل, وكل ذلك على طبق من فضة واحيانا من ذهب! ولكن كان لابد مع الوقت من طرح الاسئلة التالية: لماذا تقوم الرقابة بكل هذا العمل الجبار والممل وتدفع من جيبها من اجل هذا الانسان المسكين الذي لا يحس وقد لا يقدر ما تفعله من اجله؟ هل هي تفعل ذلك لوجه الله ام لوجهها ام لوجه الشيطان؟ هل من المقدر ان يظل الانسان العربي قاصرا الى أبد الآبدين, ولن يصل يوما ما الى سن الرشد؟ وفي هذه الحالة من يحدد سن الرشد هذا, هل هو الانسان بذاته, ام الرقابة مرة اخرى؟ هذه الاسئلة على الارجح لم تخطر على بال الرقيب, او ربما خطرت له ولكنه كان يتجاهلها. فقد كان لديه متسع من الوقت ومتسع من الصلاحيات والنفوذ. كان ملكا متوجا على مملكة البصر والسمع والتفكير. لكن هذا الملك بدأ يتداعى منذ ان اطلت تباشير عصر الانترنت. وراحت معه تتكشف الصفحات وتفتح الابواب المغلقة على مصراعيها ويتدحرج الكثير من الممنوعات. الانترنت اذا هي في المقام الاول ثورة ضد مملكة الرقابة وملكها الرقيب. ولا ريب ان هذا الملك يلعن الآن حظه العاثر الذي جعله في سباق خاسر مع الزمن. مع هذا ينبغي الاعتراف بأن ثمة مساحات لا بأس بها لا تزال تحت سيطرة الرقيب العربي, خاصة اذا اخذنا بعين الاعتبار ان عدد مستخدمي الانترنت او من يملكون جهاز كمبيوتر لا يزال محدودا في البلدان العربية. كما ان المجالات الواقعة تحت سيطرة متنوعة وتشمل بالاضافة الى الصحف, الكتب والروايات ودواوين الشعر والقواميس.. الخ. اي ان الرقيب سيظل يجد من يدفع له ثمن خدماته, الى فترة قد لا تكون قصيرة. لكن هذا لا ينبغي ان يفرحه كثيرا فالمهم في الامر ان المساحات بين ارجله آخذة بالتقلص باستمرار, والمجالات بدأت تضيق من تحت مقصه. وقد لا يكون ذلك اليوم بعيدا الذي يصحو فيه الرقيب ليجد نفسه وحيدا, ليس معه سوى مقصه العتيد, يجول بين يديه ويهوي به.. ولكن على الطاولة الملساء بعد ان هربت الاوراق والصحف بعيدا عنه. في ذلك اليوم من المؤكد ان تفرح الاوراق والاقلام والافلام ويشعر الناس بقيمتهم وبطعم الحرية والكرامة الآدمية التي طالما شوهتها مقاصة الرقباء ومن في حكمهم على امتداد الوطن العربي. * كاتب من البحرين