قالت المصادر المطلعة والقريبة من مباحثات كامب ديفيد الاخيرة ان ايهود باراك طالب في لقاء خاص وسابق للمفاوضات من السيد ياسر عرفات ان يطلق الفلسطينيون سراح السجناء الاسرائيليين الذين اخذوا عنوة اثناء الاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية, وان هؤلاء الاسرى قبضت عليهم السلطة الفلسطينية وهي تحت الاحتلال ولم يسلموا بعد! اذا كان الامر السابق يظهر للبعض بأنه نكتة سوداء, وطلب خارج عن المعقول, فهو كذلك, اذ كيف يتسنى للفلسطينيين وهم تحت الاحتلال ان يعتقلوا او يأسروا جنديا او مواطنا اسرائيليا والاخير يملك السلطة والسلاح والآخر ارضه محتلة اعزل؟! ولكن الامر قد حدث في مكان آخر, وقريب منا. فمثل هذا الطلب غير العقلاني يطالب به نظام بغداد اخيرا, عندما قدم قائمة تتكون من عدد هو ضعف عدد الاسرى والمفقودين الكويتيين وادعى بأنهم اسرى في الكويت بعد عشر سنوات من الاحتلال والتحرير, ويربط العراق منذ الآن وصاعدا كما قال ان كل محاولات التدخل او التوسط العربي وغير العربي لمعرفة مصير اسرى ومفقودي الكويت بأن يقرنوا بمعرفة مصير اسرى ومفقودي العراق في الكويت الذين تم اسرهم والكويت تحت الاحتلال! ولو كان هذا الطلب جادا لقال اهل القانون انه سقط بالتقادم بسبب مرور عشر سنوات على حدوثه ولأنه هازل مضحك مبك. كم من علامات التعجب يجب ان اضعها في هذا المقال لتعبر عن غرابة منقطعة النظير لما يمكن ان تتمخض عنه مخيلة نظام بغداد, وهي والشهادة للحق واجبة, فهي مخيلة خصبة في ابتكار اللامعقول في دنيا العرب اليوم. انه انهيار المنطق, فيبدو ان بعض ثقافتنا السياسية انهار لديها المنطق الى درجة ان تتوقع ان يصدق من في رأسه بقية عقل ان القائمة الطويلة التي نشرت اخيرا في العراق هي قائمة لأسرى قبضت عليهم الكويت وهي تحت الاحتلال, ليس المهم هنا تسويق الفكرة ولا التساؤل ان كانت منطقية ام لا, المهم الاتيان بفكرة تناقض حقيقة وجود الاسرى من الكويت في العراق, بعد ان ثبت بما لا يدع مجالا للشك ومن خلال الوثائق العراقية وجودهم. وحتى لا يستمر هذا الطلب العادل دون تشويش عند البسطاء ومن ليس له اطلاع كاف بالحقائق, فلا بأس من اطلاق كذبة كبيرة تساوي المطالبة الشرعية بالمفقودين وتعطل ـ في رأي بغداد ـ المجتمع الدولي لفترة وجيزة عن متابعة مصيرهم, وتخلق في الوقت نفسه لدى العامة انطباعا بامكانية ان تنقلب الكذبة الى حقيقة, بعضهم لن يتساءل حول ما اذا كان يوجد بالفعل (اسرى عراقيون) في الكويت ام لا, وان كان الافتراض (غير الحقيقي) الذي بدأنا به من مطالبة باراك بأسرى اسرائيليين لدى الفلسطينيين وهم تحت الاحتلال, هو افتراض مستهجن, وبالغ التشوش ومريض في المنطق, فإن ذلك ينطبق على الاعلان المقبل من بغداد. الا انه يفوقه في عدد من النواحي, فإن الرقم الذي اذاعته بغداد يكاد ان يكون ضعف العدد الحقيقي والمؤكد في الوثائق لدى الصليب الاحمر الدولي ومؤسسات الامم المتحدة لاسرى ومفقودي الكويت, ولكن لماذا ضعف العدد تقريبا؟ فهل يصح ان تكون هناك كذبة صغيرة, اذا كان ولابد من كذبة فلتكن كبيرة وتضاعف العدد الذي يطالب به الكويتيون ومؤسسات الامم المتحدة؟! ويفوقه ايضا في الزمن فلقد اخذت البيروقراطية العراقية ولدقة معهودة فيها بالتأتي والحساب والمراجعة والتأكد من عدد المفقودين العراقيين, فأخذت من الوقت فقط عشر سنوات للوصول الى الرقم المعلن, وهي دقة تحسد عليها, لأنها حريصة كل الحرص على مواطنيها الذين أسروا في ساحات الحرب او الذين فقدوا بدليل الدقة في الحساب في عدد المسجونين في السجون في العراق وكذلك الدقة في اعلام اسر من يعدم من العراقيين, كي تأخذ اسرهم عمل اللازم لدفنهم! لقد كانت الظروف التي احاطت باعتقال الكويتيين وغيرهم في الكويت اثناء الاحتلال معروفة ومفسرة, وهي نابعة من الوثائق العراقية وكثير منها موجود في مركز البحوث الكويتية ولدى لجنة الاسرى, ومنها وثائق لدى الصليب الاحمر الدولي, فما الظروف التي احاطت (بالاسرى العراقيين في الكويت) وقد كان لديهم السلاح ويتحكمون في رقاب العباد؟! ليس المطلوب هنا هو دحض ما ذهب اليه النظام العراقي في بالون الاختبار الاخير, فذلك امر تعود العارفون عليه, وهو سلسلة من الادعاءات الملفقة تظهر وتختفي, ولكن المهم ان يرى العقلاء مرة بعد مرة اي نظام يريدون تأهيله ويعتقدون انه تعلم درسا مما سبق من مآس ومحن ألمت ليس بشعب العراق, بل بمجمل العالم العربي ولا يزال يعاني من نتائجها. هذا النوع من الانظمة الشمولية ذات الصياغة الدعائية على طريقة جوبلز الذي نقل عنه العبارة المشهورة (اكذب اكذب اكذب حتى يصدقك الآخرون) تتحول العبارة الى (اكذب اكذب حتى تصدق نفسك). لا يوجد عاقل ولا اقول عربيا او مسلما فقط, دون ان يشعر بالألم والحسرة لما وصل اليه وضع الشعب العراقي الاعزل الا من امل في الخلاص, فهذا الشعب الذي عانى ولا يزال يعاني من اضطهاد مزدوج, علينا ان نتفهم وضعه بعمق وانسانية بعيدة عن الشعارات والعواطف التي لا تتعدى الحناجر, نعم هو شعب مغلوب على امره, يستحق كل اشكال الاعانة والدعم والمناصرة, ومنها الاعانة المعنوية بكشف لا لبس فيه للمتسببين من وضعه هناك في هذه الزاوية الحرجة واللاانسانية وتحميلهم المسئولية التاريخية على ذلك, وهؤلاء هم آخر من يذرف الدمع عليه وعلى مأساته ونكبته, ولمن لا يعرفهم فهم الذين قاموا في سنة 87و88 بإبادة مئة وثمانين ألف كردي عراقي مسلم واعزل في عملية عسكرية سميت الانفال, وهم الذين ضربوا مدينة حلبجة بالاسلحة الكيماوية, وهم الذين قتلوا اكثر من خمسة آلاف كردي عراقي في تلك العملية بتلك الاسلحة الفتاكة والمحرمة دوليا, دون وازع من ضمير, وهم الذين ضيعوا اثار خمسة آلاف مواطن عراقي من الفيلة., وهم الذين اجبروا ما يوازي ثلاثة ملايين عراقي من خيرة العراقيين على النزوح في ارض الله الواسعة, وصولا الى شمال اوروبا وجنوب استراليا, يموت مبدعوهم دون ان يضمنوا قبرا في الوطن, هذا غير عشرات الآلاف الذين لا يعرف حتى الآن مصيرهم في ارض العراق, بعد هذا كله هناك ألف ومائتا عراقي (اسرى) في الكويت تطالب بهم بغداد؟ الوعي الجديد بأهمية الانسان الفرد في العراق, واهمية ان يبحث عن مصيره تقودنا اولا الى مصير الملايين في العراق امسوا ضحية عناد سياسي وايضا غير منطقي بحرمانهم من الاستفادة بقرارات انسانية سنتها الامم المتحدة مثل القرار الخاص بالنفط مقابل الغذاء, وقد راكم خمسة بلايين دولار في البنوك الدولية دون الاستفادة منه لرفع بعض المعاناة عن هذا الشعب الصابر, كما يقودنا بالطبع الى مصير ثلاثة ملايين مشرد بعضهم في المنافي وبعضهم يبحث عن ملجأ يقبله في آخر الدنيا هربا من واقع مؤلم ومصير محتوم, وهو وعي جديد يستحق ان يعاد فيه النظر لوقف التعذيب والاعتقال التعسفي والاعدامات والاخفاء قبل المطالبة بالأسرى! في الغالب الاعم ان ما دعا الحكم العراقي ان يخرج قصة الاسرى العراقيين المختلفة في الكويت في هذا الوقت بالذات, هو ردة فعله غير منطقية ايضا على متابعة نشطة في الاشهر الاخيرة من منظمات الامم المتحدة حول مصير الاسرى الذين اختطفوا من الكويت سنة الغزو, وجعل الافصاح عن مصيرهم احدى ركائز اظهار النيات وبيانها للتجمع الدولي. في تاريخ الحكم العراقي الكثير من الشواهد لمثل ردود الفعل هذه القاسية والبعيدة عن التوازن والقريبة الى ردود الفعل الطفولي, وهي طبيعة ملازمة للحكم الدكتاتوري المركزي, ويذكر البعض منا بعض ردود الفعل الكاريكاتورية, منها وشم الجباه وقطع الآذان او الطلب من اعضاء الحزب الا يزيد وزنهم على وزن معين, او ما حدث اخيرا من الطلب للنساء البقاء في بيوتهن, حتى لا تصرف المرأة مرتبها على ما تتزين به النساء! وعندما ندرس القوانين العراقية التي صدرت ابان فترة الحكم العراقي الحالي سوف يصدم الدارس بمدى التناقضات الحادة وغير المنطقية في تبني قانون ثم هجره الى قانون آخر مضاد, مثل منع تعدد الزوجات ثم اطلاقه وغيره من القوانين المتناقضة والمتعارضة. واذا كانت القوانين او القرارات السياسية هي رغبة لشخص او اشخاص وذلك حسب الاهداف السياسية الآنية, فليس من الغريب والامر كذلك ان يعرف العالم بعد عشر سنوات ان هناك اكثر من الف عراقي (اسرى) في الكويت تم اسرهم والقوات العراقية تحتل الكويت بأسرها, فذلك واحدة من غرائب الادعاء سوف تسمع اغرب منها. ونحن مقدمون على اغسطس شهر الجريمة الكبرى.