بدأت يوم الثلاثاء 11/7/2000 أعمال قمة كامب ديفيد بين الرئيس الفلسطينى ياسر عرفات ورئيس الوزراء الاسرائيلى ايهود باراك وبرعاية الرئيس الأمريكى بيل كلينتون. ويفترض أن تستمر أعمال هذه القمة الثلاثية حتى مغادرة الرئيس كلينتون إلى قمة الدول الثمانى الصناعية في 19/7/2000 أو ربما بعدها. ويفترض أن يكون هدف المفاوضات التي تتم بين الزعماء الثلاثة في قمة كامب ديفيد هو الوصول إلى حل تاريخى لأصعب الصراعات الاقليمية في القرن العشرين, وهو الصراع الفلسطينى الاسرائيلى, فهل تستطيع قمة كامب ديفيد تحقيق ذلك الهدف, أم أن تعقيد مسائل الوضع النهائي من ناحية, وقصر الفترة الزمنية المتاحة حتى 13 سبتمبر 2000 الذى حددته اتفاقية شرم الشيخ موعدا للحل النهائى والدائم من ناحية أخرى, يحول دون تحقيق ذلك الهدف؟ وقد يساعد في تصور الاجابة عن هذا السؤال بيان حقائق الأوضاع والمواقف على الجانبين الفلسطينى والاسرائيلى. فقد قطع الجانبان شوطا طويلا من التفاوض منذ مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991. وبموجب اتفاقات المرحلة الانتقالية كان يفترض أن تسيطر السلطة الوطنية الفلسطينية على 90% من أراضى الضفة وغزة. غير أن المماطلات الاسرائيلية وعدم الالتزام بتنفيذ استحقاقات المرحلة الانتقالية أدى إلى أن تمثل المناطق الخاضعة للسيطرة التامة أو السيطرة المدنية للسلطة الفلسطينية 40% من أراضى الضفة و65% من أراضى غزة. ومعروف أن اسرائيل رفضت تنفيذ المرحلة الثالثة من اعادة الانتشار والتي حل موعدها في 22/6/,2000 كما رفضت الافراج عن بقية الأسرى والسجناء السياسيين الفلسطينيين طبقا لاتفاق شرم الشيخ. حدث ذلك رغم الالتزام الفلسطينى بالوفاء بالتعهدات الخاصة بالتعاون الامنى مع اسرائيل وهو ما أدى الى أن اصبح الأمن الاسرائيلى الداخلى في أفضل حالاته خلال العامين الاخيرين. كذلك فإن اسرائيل قد استعدت لاحتمال اعلان الدولة الفلسطينية من جانب واحد في 13 سبتمبر المقبل, وذلك باتخاذ كافة الترتيبات العسكرية في الضفة الغربية لمواجهة الفلسطينيين بالقنابل والأعيرة المطاطية والمركبات راجمة الحجارة, كما أعلنت عن نيتها في اعادة احتلال المناطق المحررة أو على الاقل (ضم) الأجزاء التي لا تزال تحت سيطرة اسرائيل اليها, وذلك في تحد صارخ لقرارات الشرعية الدولية وللحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطينى رغم كل الاتفاقيات وكما هى عادة اسرائيل. ومن ناحية أخرى, فإن الفجوة الفاصلة بين الموقف الفلسطينى والمواقف الاسرائيلية واسعة وعميقة بما يلقى ظلالا ثقيلة من الشك على امكانية ردمها في مؤتمر ينعقد لأيام معدودة. فالفلسطينيون مسنودون بقواعد القانون الدولى وبشرعية الحق يطالبون بدولة مستقلة على كامل الارض الفلسطينية التي تم احتلالها في يونيو 1967 في الضفة وغزة. واسرائيل مسنودة بتوازن القوة المختل بشدة لصالحها وخاصة في بعده المادى, وبغطرستها المعتادة ترفض حق الشعب الفلسطينى في اعلان دولته المستقلة بإرادته المنفردة, وترفض أن تكون سيادة هذه الدولة كاملة على الارض الفلسطينية المحتلة حال قيامها نتيجة للتفاوض, وترفض أيضا تقسيم القدس وتتمسك بأن تكون (عاصمة أبدية موحدة لاسرائيل) وترفض حق اللاجئين في العودة وترفض تفكيك مستوطناتها غير الشرعية في الضفة وغزة. إذن لماذا القمة؟ رغم جهود دبلوماسية مكثفة بذلتها وزيرة الخارجية الأمريكية ومساعدها دينيس روس في الزيارتين المتتاليتين اللتين قاما بهما للمنطقة مؤخرا, ظل كل من الطرفين الاسرائيلى والفلسطينى على موقفه, واتضح للوزيرة الأمريكية ان الهوة عميقة بين موقفي الطرفين ولذلك فإن كلا من الطرفين سعى الى تعزيز موقفه تحسبا لنتائج المأزق الذى كانت عملية التسوية قد وصلت اليه. فالرئيس الفلسطينى قام بزيارة لفرنسا ليؤمن تأييد الاتحاد الأوروبى له إذا ما أعلن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. وزار عرفات مصر أكثر من مرة لضمان استمرار التأييد العربى. وانعقد المجلس المركزى لمنظمة فتح وبحث المسألة وقرر تفويض القيادة الفلسطينية في اعلان تجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة في 13 سبتمبر المقبل أو في نوفمبر 2000 في ذكرى اعلان الاستقلال الفلسطينى بواسطة المجلس الوطنى الفلسطيني في الجزائر في نوفمبر 1988. ومن جانبه قام رئيس وزراء اسرائيل بزيارة لفرنسا وبريطانيا لكى يفسد جهود عرفات ويبطل نتائج زيارته وذلك رغم وضوح موقف الاتحاد الاوروبى كما يعبر عنه اعلان برلين 1999. ولجأت اسرائيل كالمعتاد الى لغة التهديد والوعيد والتصعيد الكلامى والعملى, فأعلنت على لسان المستشار القانونى للحكومة أن قرارى مجلس الأمن 242 و338 لا ينطبقان على الاراضى الفلسطينية, وأعلنت على لسان وزير خارجيتها انها ستقوم بضم الاراضى التي لا تزال تحت سيطرتها حال اعلان قيام الدولة الفلسطينية من جانب واحد لأن ذلك الاعلان سيعني لدى ديفيد ليفي انسحاب الطرف الفلسطينى من عملية السلام برمتها, وسلحت المستوطنين, وأرسلت وحدات عسكرية الى الضفة وأعلنت نيتها للرد بالدبابات والطائرات على أى انتفاضة فلسطينية جديدة. وفي الرد على ذلك قال مسئولون بالسلطة الوطنية الفلسطينية ان السلطة عازمة على اعلان الدولة قبل نهاية العام الحالى وأن الشعب الفلسطيني مستعد لمواجهة أية نتائج ناجمة عن فشل عملية التسوية مع اسرائيل. في هذا الاطار كان تقييم رئيس وزراء اسرائيل أن الموقف لم يعد يحتمل استمرار المفاوضات على مستوى الوزراء أو الخبراء وأنه لابد من لقاء قمة لحسم الموقف والوصول الى حل. ويبدو أن الرجل تمكن من بيع هذه الفكرة للرئيس الأمريكى وان الأخير تحمس لها وعرضها على الجانب الفلسطينى الذى رفضها في البداية بحسم على اساس ان التباعد التام في المواقف من القضايا محل التفاوض لا ينبئ بنجاح مثل تلك القمة, وأنه مالم يتم التقريب بين المواقف وتلبية المطالب والحقوق الفلسطينية المشروعة فلن يكون بالامكان الوصول الى حل ولن يكون حضور القمة مفيدا. وبعد أن كانت تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية تشير الى تفهم حقيقة صعوبة توصل القمة الى نتائج في ظل تناقض المواقف بين الطرفين من مسائل الحدود والقدس واللاجئين والمستوطنات, وبعد أن كان التقدير في واشنطن هو أنه ربما يكون من الصعب جمع الزعيمين الفلسطينى والاسرائيلى معا, إذا بالرئيس كلينتون يحزم أمره ويخالف تلك التقديرات والتصورات ويدعو الى القمة. وبلا شك لابد أن يكون الرئيس كلينتون قد استخدم نفوذه وباشر ضغطه حتى يقنع الجانب الفلسطينى بالحضور الى الكامب. وبالطبع فإن الرئيس كلينتون مدرك لضغط الوقت عليه فقد بقى له حوالي ستة شهور في مكتبه بالبيت الأبيض. ولم يتبق على موعد 13 سبتمبر 2000 سوى أقل من شهرين. ومن ثم فهو من ناحية ضغط لعقد هذه القمة عله ينجح في صياغة صفقة ينتهى بها الصراع الفلسطينى الاسرائيلى, ومن ثم يدخل هو بها التاريخ من أوسع أبوابه, كما يحول بتلك الصفقة دون اندلاع العنف ربما بمعدلات غير مسبوقة في منطقة عانت من الاضطراب طويلا ويمثل تعزيز الاستقرار فيها مصلحة استراتيجية امريكية رئيسية. وعلى الجانب الاسرائيلى ورغم المعارضة التي عبرت عنها أحزاب شاس والقومى الدينى واسرائيل بعاليا, وبالطبع الليكود, بل ووزير الخارجية ديفيد ليفي لقمة كامب ديفيد, فإن تلك القمة كانت ول اتزال اختيارا اساسيا لايهود باراك. فإذا نجحت القمة في بيع (عرض باراك) للرئيس الفلسطينى فسيعود باراك مظفرا الى بلاده ومنتشيا بنصر سياسى كبير يعزز فرصه في زعامة اسرائيل لمرحلة غير قصيرة. وإذا ما فشلت القمة فستحمل آلة الدعاية الضخمة في اسرائيل والولايات المتحدة مسئولية ذلك الفشل للرئيس عرفات, بل وقد يشارك الرئيس الأمريكى في القاء اللوم كما فعل عندما فشلت قمة جنيف مع الرئيس السورى الراحل حافظ الأسد في مارس 2000. وإذا نجحت القمة في التوصل إلى اتفاق اطار يضم المبادئ والخطوط العامة الأساسية للتسوية النهائية الفلسطينية الاسرائيلية, فسيكون باراك قد حقق مكسب منع عرفات من اعلان الدولة الفلسطينية المستقلة من جانب واحد. وفي كل الأحوال فإن باراك كان قد نجا في يوليو الجارى من اقتراع بحجب الثقة عن حكومته في الكنيست الاسرائيلى. حقا ان اتئلافه الحكومى الحالى هش وضعيف ولكنه يراهن على العودة بصفقة يحظى فيها بتأييد أغلبية الشعب الاسرائيلى فيتمكن من تجاوز الأحزاب والمناورات الحزبية والسياسية التي اعتاد عليها النظام الاسرائيلى, باللجوء الى الشعب. أما عرفات فإنه في موقف صعب. فهو ان أصر على التمسك بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى كافة فلن تصل القمة الى حل أو الى (نهاية سعيدة) بالمفهوم الاسرائيلى وربما بالمفهوم الامريكى. وهو ان قبل بالعرض الاسرائيلى الذى يتمثل في السماح بقيام دولة فلسطينية مستقلة شكلا منزوعة السلاح, وتنتزع منها مناطق التجمعات الاستيطانية في منطقة القدس الكبرى وفي منطقة شمال غرب الضفة مع تعويض الفلسطينيين بمساحة صغيرة (ثلث أو خمس مساحة مناطق الاستيطان التي تضمها اسرائيل) من اراضى النقب الصحراوية, واقامة عاصمة فلسطينية في القرى المجاورة للقدس, مع السماح لعدد محدود (50ـ100 ألف) من اللاجئين بالعودة من 10ـ20 سنة, مع منع وجود أى جيش أجنبى (غير اسرائيلى) غرب نهر الأردن وتأجير 12% من مساحة الضفة (في منطقة غور الأردن) لاسرائيل لمدة طويلة, فسيكون في نظر شعبه قد (باع القضية) كما لن تغفر له شعوب عربية واسلامية ومسيحية كثيرة (التفريط في القدس) . ولذلك, وفي ظل الصعوبات الضخمة التي تكتنف القمة قد تكون هذه الاخيرة في حاجة الى معجزة لانقاذها من الفشل. وقد يكون المخرج من هذا المأزق في شكل اتفاق اطار, إذ انه قد يصعب تصور صياغة حل تفصيلى لكافة قضايا الوضع النهائى بالغة التعقيد في قمة تعقد لمدة عشرة أيام, فاتفاق الاطار يسمح بالزعم بأن القمة نجحت ويرجىء البت في القضايا المعقدة لشهور ما بعد القمة, ويريح الطرفين ويعطى الفلسطينيين احساسا ربما يكون وهميا بأن حلم الدولة قد أصبح قريب المنال. ولهذا لابد وأن نحذر من الوقوع في فخ ذلك الاحساس الوهمى الذى يمكن أن يكون من أخطر نتائج قمة الكامب. وكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة