ماذا يراد باليمن وقد نجح عبر التوقيع مع السعودية على معاهدة ترسيم الحدود المشتركة, في تخطي العقبة التاريخية الموروثة التي عطلت بلوغ طموحاته اهدافها المشروعة في الأمن والاستقرار والتنمية ووصل ما انقطع مع سابق حضاراته التليدة؟ ثم لماذا في هذا التوقيت. والظرف الذى تغمر فيه الأفراح والتفاؤل بالمستقبل ربوع اليمن ولأي غرض تتعرض وحدة من الدفاع الجوي بمدينة تعز للاعتداء المسلح على مشارف جبل صبر من قبل مجموعة قبلية, مماإضطر القيادة العامة للقوات المسلحة اليمنية إلى دفع دوريات عسكرية ميكانيكية لردع العدوان في مهده والقبض على المعتدين؟ ورب ضارة نافعة.. فقد كان الحادث فرصة مواتية لفرض هيبة السلطة المركزية, إيذانا بإسدال الستار على مهزلة الاختلالات الأمنية المشبوهة التي تراوحت بين اختطاف قبائل معينة للأجانب ثم الافراج عنهم مقابل فدية مالية أو خدمية مثل شق الطرق وبناء المدارس والوحدات الصحية, وربما للافراج عن بعض رجالها المتورطين في جرائم, غير حوادث الاغتيالات السياسية وتفجير المنشآت المدنية المنسوبة للجماعات الارهابية وغيرهم من العملاء المأجورين الذين تحركهم قوى اقليمية وعالمية معادية لليمن. والأدهى والأمر واليمن يتحشد للصحوة والنهوض عبر حشد الامكانات والموارد التي ظلت مهدرة زهاء 66 عاما في متاهات قضية ترسيم الحدود بلا طائل, أن يختلق البعض ممن في قلبه مرض قضايا إنصرافية لتحريف المسيرة عن أهدافها المنشودة, تحت دعاوى عبثية وحجج باطلة وذرائع ماأنزل الله بها من سلطان. والشاهد أن اليمن التي اختصها الرسول عليه الصلاة والسلام دون غيرها من بقاع وشعوب المعمورة بالحكمة والايمان, ها هي تتعرض لموجة غريبة ومتطرفة تدهم معتقداتها الدينية السمحة في السنوات الأخيرة, ومن ذلك موقف بعض الجماعات المتطرفة التي احتشدت حول البرلمان وهي ترفع المصاحف والخناجر احتجاجا على ما اجازه دستور الوحدة اليمنية عام 1990 بدعوى انتفاء إسلاميته, وارتكاب حوادث هدم وتشويه المزارات الدينية مثل مسجد الملكة (أروى بنت أحمد) في مدينة اب وضريح (العيدروس) في عدن. ومن عجب أن يغيب الوعي السياسي المتقد في اليمن بعدما تعرض لهجمة عاتية من الترهيب على يد من يدعون نيابتهم عن الشعب اليمنى في فهم أحوال الاسلام والدفاع عن حياضه, وأن يقيموا الدنيا ولا يقعدوها لمجرد نشر رواية يمنية صدرت منذ نحو 30 عاما ورحيل كاتبها منذ 27 عاما, وخلال هذه الفترة جرى طبع الرواية ست مرات وترجمت للعديد من اللغات وأضيفت للمناهج الدراسية بجامعة صنعاء وتحولت إلى مسلسل اذاعي ناجح دون أن تثير من حولها مثلما تتعرض له الآن من ألوان النقد والهجوم المفاجئ واتهام مؤلفها بالكفر والالحاد, بل إلى حد تقديم سمير اليوسفي رئيس تحرير صحيفة الجمهورية الثقافية التي نشرت الرواية في حلقات الى القضاء والحكم عليه بعقوبة السجن. هنا أدلي بشهادتي على رواية (صنعاء مدينة مفتوحة) موضوع الأزمة المفتعلة ومؤلفها الصديق الأديب الراحل محمد عبدالمولى, فقد كنت من أوائل الذين أهداهم الرواية فور صدورها ممهورة بتوقيعه وبضع كلمات رقيقة تشي بدوري في التوسط لدى القاضي عبدالرحمن الايريانى رئيس المجلس الجمهوري في اليمن انذاك وصديقنا المشترك الكاتب الناصري عز الدين ياسين رحمه الله, وبعدها بأيام سافرنا سويا من تعز برا إلى عدن, وهناك قدر الله سبحانه أن أتخلف لوعكة صحية ألمت بي عن رفقته إلى مصيره المحتوم, عندما جاء يصطحبني من فندق (كريسنت) للحاق برحلة الطائرة التي أقلت الدبلوماسيين الممثلين لليمن الديموقراطي في الخارج, ولم تمض بضع ساعات حتى أذيع خبر سقوطها وموت كل ركابها أو اغتيالهم بمعنى أكثر مطابقة لواقع المؤامرة المدبرة التي استهدفت تصفية فلول المناوئين السياسيين في الجبهة الوطنية التي كان يتزعمها عبدالقوي مكاوي. ومن عجب أنني وغيري كثير ممن اتيحت لهم فرصة قراءة الرواية في حينها وعلى مدى هذه السنوات الطويلة, لم نلا حظ شيئا مما يدعيه عليها اليوم غلاة المتشددين من اساءات إلى الدين أو الذات الالهية, الأمر الذى يؤكد ما ذهب اليه هشام علي بن علي وكيل وزارة الثقافة والسياحة اليمنية ازاء ضرورة اعادة الاعتبار لرئيس تحرير صحيفة الجمهورية الثقافية والقاضي محمد عبدالمولى وروايته, كون من اثار القضية يستهدف على نحو مقصود ومبيت برنامج المصادرة واحراق كل ماهو ثقافى, وقال ان على المتعصبين الاحتكام للحوار بدلا من لغة التكفير. فإذا أضفنا إلى سياق هذه القضية العبثية الإنصرافية, تلك الحملة الصحفية المحمومة التي تناولت قضية السفاح السوداني الذى اعترف بقتل واغتصاب الفتيات في مشرحة كلية الطب, رغم أنها قضية جنائية من الممكن حدوثها في أىة مؤسسة أخرى حسب البيان الصادر عن مجلس جامعة صنعاء , وكذا الترويج لظاهرة اختطاف الفتيات في صنعاء, فالأمر إذن يحتاج إلى وقفة عقلانية في وجه الانتقائية المشبوهة المبينة لأولويات القضايا الوطنية المفترض أن تجمع الشعب اليمني ولا تفرقه, وتحشد جهوده وتوحد ارادته في مواجهة الضغوط الاسرائيلية التي تحاول جذبه الى شراك التطبيع, وغيرها من ضغوط أمريكا التي تسعى لاحتواء اليمن ضمن خطتها الكونية للهيمنة على واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم, وصرفه بالتوازي عن السير قدما في تكريس نهج الصحوة والنهوض! كاتب وصحفي مصري