اذا ما قدر للمفاوضات الحالية الجارية في كامب ديفيد ان تثمر اي اتفاق فسيكون بالتأكيد حلا منقوصا للصراع الفلسطيني الاسرائيلي. وبالنظر لمعطيات الواقع الحالية من غير الممكن للفلسطينيين والاسرائيليين ان يحلوا على نحو شامل القضايا الرئيسية التي ظلت تواجه الطرفين على مدى نصف قرن. (ما اقوله هو حقيقة واضحة لسياسة واقعية) . ومع ذلك فإن توصل الطرفين لاتفاق ليس امرا ممكنا فحسب بل وضروري ايضا. لكن حتى يتأتى لهذا الاتفاق ان يكون قابلا للتطبيق فمن الضروري حينها ان تعترف كل الاطراف على ان ذلك الاتفاق يعتمد على ضرورة تحقيقه وليس على عدالته. هذه الحقيقة الاشكالية تبادرت الى ذهني في خضم حوار بين متصل فلسطيني تحدث على الهاتف مع برنامجي الذي قدم على الهواء مباشرة على شاشة تلفزيون ام بي سي يوم الثلاثاء الماضي الساعة العاشرة مساء وضيف البرنامج هو زعيم يهودي من حركة السلام الآن. ومن المهم الاشارة الى ان ضيف البرنامج هو من بين اهم دعاة السلام العادل وكان من القياديين الذين بذلوا الجهود لايقاف بناء مستوطنة اسرائيلية وحماية حقوق الانسان الفلسطيني. ومع ذلك وعلى الرغم من مؤهلات ضيفي السلمية الا ان المتصل بعد الآخر كانوا يظهرون الى اي مدى تصل حال الانقسامات التي تعيق جهود السلام. وفي هذا الصدد اريد باقتضاب استطلاع الخلاف بخصوص ثلاث قضايا فقط هي اللاجئون والاستيطان والقدس. تبدو مناقشة قضية اللاجئين حتى تلك التي تدور بين اكثر الامريكيين والاسرائيليين عمقا بالنسبة للفلسطينيين ضحلة ومجزأة بل وربما اسوأ من ذلك في كثير من الاحيان. وعلى سبيل المثال اشار ضيفي في ذلك البرنامج التلفزيوني الى ان قضية اللاجئين هي (واحدة من اكثر القضايا تعقيدا) التي تواجه المتفاوضين. لكن احد المتصلين احتج بطريقة مؤدبة ولبقة على ان قول ذلك ما هو الا محاولة لتشويه ما هو مسألة واضحة جدا بالفعل, فهو لديه منزل في فلسطين واجبر على مغادرة منزله والرحيل واتت عائلة يهودية وسكنت في منزله وهو صاحب حق في العودة الى بيته ويريد فعل ذلك. وهذا المنطق ذاته الذي يتوخى العدالة الواضحة ينطبق على مئات الآلاف من الفلسطينيين الآخرين ومع ذلك فإن هذه القضية لن تتم معالجتها بهذه البساطة. وحتى وفق افضل السبل المقترحة (لحل) قضية اللاجئين لن يمكن تحقيق العدالة الصرفة هذه. ولهذا اقترحت صيغ معقدة وهذه الصيغ تتضمن عناصر مثل اعتراف اسرائيلي يتحمل بعض المسئولية عن مشكلة اللاجئين (وفي بعض الاحيان القبول بمبدأ (حق العودة) للاجئين) واتاحة الفرصة لبعض الفلسطينيين (وتصل اعلى الاقتراحات لعدد هؤلاء الى 100 ألف) للعودة كجزء من برنامج لم شمل العائلات بالاضافة الى مجموعة اكبر من هؤلاء يسمح لهم بالعودة الى (الوطن) اي الدولة الفلسطينية الجديدة بقدر ما تسمح مقدرتها الاستيعابية وارساء صندوق تمويل دولي لتأمين درجة من التعويض وفرص اعادة التوطين للملايين المتبقية منهم (وتقترح هنا دول مثل الولايات المتحدة وكندا واستراليا... الخ). مثل هذا النهج قد يحل بعض المشاكل ويوفر للمفاوضين طريقة لردم الفجوات, لكن يجب الا يظن احد بأنه يمكن ان يحل المشكلة فهذا النهج في جوهره ومفهومه يجرد الفلسطينيين من انسانيتهم وينكر عليهم حقوقهم الفردية واضافة لذلك فإن عبارة (التعويض) و(اعادة التوطين) لا تعني في نهاية الامر الا ترحيلا آخر. ومثل هذا النهج ايضا يمكن النظر اليه على انه مهين ومع ذلك فإن الكثيرين في الولايات المتحدة (وربما لأنها مجتمع شديد التحرك مؤلف من المهاجرين واللاجئين) يرونه عادلا وقابلا للتطبيق ايضا والاخطر من ذلك طبعا حقيقة ان الكثير من الاسرائيليين والامريكيين اليهود يعتقدون بأن هذا النهج يمضي بهم بعيدا جدا. لكن ما البديل الذي يمكن ان يكون ممكنا إذن بالنظر الى ان حق الفلسطينيين في العودة اذا ماتم تنفيذه بالكامل (كما تتطلبه العدالة) سيشكل امام اسرائيل تحديا ذاتيا لوجودها. وهكذا وبينما يسعى المفاوضون لاجبار اسرائيل على تقديم اعتراف بحق العودة للفلسطينيين كمبدأ وللاعتراف بجزء من المسئولية في حل الكارثة المطولة والمرعبة التي عاناها اللاجئون فإن تطبيق هذا الحق سيكون وفق كل الاحتمالات تطبيقا منقوصا. وهذا ما سيبقى لدى الفلسطينيين كأفراد الحق الواضح في مواصلة الضغط لتنفيذ مطالبهم العادلة. اما فيما يتعلق بالاستيطان فإن اسرائيل ومنذ 30 عاما وحتى الآن مستمرة في بناء المستوطنات داخل الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. وقد وصفت كل من الامم المتحدة والولايات المتحدة هذه المستوطنات بأنها غير شرعية قبل ان يتحول توصيفها مؤخرا لمجرد كونها (عقبة في وجه السلام) . بالنسبة للنوايا كانت المستوطنات مصممة بحيث تسوي قضية النزاع على الارض من جانب واحد بإرساء اسرائيل لواقع يجعل اعادة الارض امرا صعبا. وفي العقد الاول في الاحتلال كانت تلك المستوطنات تزرع اساسا وفق حزام امني يمتد على طول (الخط الاخضر) والحدود الاردنية. وابتداء من عودة الليكود للحكم اواخر السبعينيات وضعت خطة جديدة (خطة دروبلز) لإقامة المستوطنات في قلب الاراضي الفلسطينية ولوصل هذه المستوطنات بطرق امنية بحيث يتم تقطيع الضفة الغربية وقطاع غزة لاجزاء تجعل من اي وحدة اقليمية لهذه الاراضي مستحيلة. وفي سياق تنفيذ هذه الخطة فقد الآلاف من الفلسطينيين اراضيهم وموارد رزقهم فيما فقد الكثيرون حياتهم ايضا. وحتى بعد توقيع اتفاقيات السلام عام 1993 استمرت خطط بناء المستوطنات والطرق وبسرعة اكبر ايضا. وفي العقد الاخير تضاعفت اعداد المستوطنين واقتربت خريطة خطة دروبلز من الاكتمال. والضفة الغربية تنوء بالمستوطنات الآن. ومدينة القدس محاطة (بسور صين) فعلي من تجمعات المستوطنات الهائلة التي تمتد بعيدا داخل الضفة الغربية كما ان شبكة مكثفة من الطرق السريعة والانفاق والجسور تحيط بالقرى الفلسطينية و تفصلها عن بعضها كما تقطع الضفة الغربية لاجزاء. العدالة تتطلب اما تفكيك هذه المستوطنات او تسليمها للدولة الفلسطينية المستقبلية او للافراد الفلسطينيين الذين بنيت المستوطنات على اراضيهم بشكل غير شرعي. وفيما يصارع المفاوضون مع هذه الحقائق السياسة الصعبة على ارض الواقع فإنهم سيسعون لانجاز حل ربما يكون اكثر مقبولية من الوضع الراهن فيما يبقى بعيدا عن الكمال. وتصر اسرائيل على ان تبقى مسيطرة على التكتلات الرئيسية للمستوطنات فيما تبدو مستعدة مقابل ذلك للتخلي عن بعض الاراضي على طول (الخط الاخضر) لعام 1967 للفلسطينيين وحتى وفق هذه المقايضة فإن قضايا الملكية وخطر ان يتعرض الفلسطينيون للتجزيء بفعل هذه الكتل الاستيطانية ستظل قائمة. وفيما يمكن ان تقع بعض المستوطنات داخل الدولة الفلسطينية او ان يغادرها المستوطنون فإن التعويض الذي تطلبه اسرائيل لمستوطنيها عن هذه المواقع (غيرالشرعية) سيكون من دون شك باهظا. مع ذلك يبدو ان ذلك هو افضل ما بمقدور المتفاوضين فعله ازاء هذه القضية. أما فيما يتعلق بقضية القدس فالحقيقة هي ان القدس مدينة مقسمة رغم المزاعم الاسرائيلية, صحيح هي مدينة محتلة ومحاطة لكنها بعد 33 عاما لا تزال مقسمة. واذا ما وقف المرء على تلة في القدس الشرقية العربية لا يزال ممكنا له رؤية مكان الخطر الاخضر لعام 1967. هذا لأن سلطات الاحتلال لم تنفق على احد جانبيها وهو الجانب العربي الا القليل جدا من المال لصيانة مبانيه كما لم تسمح إلا بأقل القليل من عمليات العمران للفلسطينيين لدرجة اصبح فيها التناقض بين الجانبين صارخا. وفي الحقيقة فإن المباني الجديدة في القدس الشرقية تتكون من بعض مباني الشرطة الاسرائيلية والمستوطنات اليهودية مرتفعة البناء. وفيما وراء ذلك احيطت القدس الشرقية بكتل اسمنتية هائلة من المستوطنات الجديدة التي اريد لها ان تقطع المدينة وتفصلها عن الضفة الغربية. لكن داخل المدينة فما زال مقسما فلا سيارات التاكسي من الجانب الغربي ولا حتى سكانه يذهبون الى الجانب الشرقي العربي. ومؤخرا سخر معلق اسرائيلي من وصفه ساخرا بأنه (اشجع خطة تسوية بشأن القدس) تقدمت بها اسرائيل, الا وهي مبادلة اراض في المدينة (تحتفظ) فيها اسرائيل من جيرة بعض العرب مقابل ضم اسرائيل لمستوطني معالي ادوميم وغيرها من المستوطنات حول المدينة. وقد اصاب المعلق الاسرائيلي حينما اشار الى ان هذا العرض في حقيقته ليس بعرض جدي ابدا باعتبار ان الفلسطينيين يرون ان المستوطنات غير شرعية وان وجود الاسرائيليين في القدس هو احتلال. ولا يذكر في هذه العروض نهائيا وضع المدينة القديمة وهي لب القضية على الرغم من ان بعض الاقتراحات الاسرائيلية تبدو وانها تعطي الفلسطينيين السيطرة على الاماكن الاسلامية والمسيحية المقدسة. ان انهاء عزلة المدينة عن الضفة الغربية امر ذو اهمية كبيرة لأي حل سلمي يهدف الى حل قضية القدس وهذا لا ينطبق على الجانب الديني فحسب بل وعلى اي جانب آخر اذ ان القدس هي مركز الوجود الفلسطيني. واقتطاعها قد شوه اقتصادها وحياتها واضر بباقي الفلسطينيين ايضا. وفي هذا المجال اضافة للقضايا الاخرى الخاصة بالوضع النهائي فإن حلا كاملا قد لا يمكن الوصول اليه لكن المفاوضين سيحاولون العثور على طريقة لتحقيق اكبر قدر من الحقوق والسيادة. ان ما هو واضح من اي تقدير واقعي لما يمكن تحقيقه في المفاوضات الحالية هو ان العدالة الكاملة لن تتحقق. فهل يعني هذا بأن شيئا ما لا يجب عمله وان عدم فعل شيء سيحل اي شيء؟ البعض يقترح بدلا من ذلك العودة لشكل ما من الصراع. لكن كم من الناس سيموتون نتيجة هذا؟ وكم من المعاناة سيخلقها؟ ونهاية الامر وبعد ممارسة العنف ما الذي سيكون مختلفا عما هو عليه اليوم؟ ان حلا كاملا لن يكون ممكنا ـ لكن هذا لا يعني بأن لا نسعى نحو اي حل. وفي ضوء ذلك يتوجب على الولايات المتحدة ان تتحمل المسئولية الواضحة وان تقدم اسرائيل اعترافا واضحا بالحالة. الفلسطينيون ربمالا يحصلون على حقوقهم كاملة ولا يحظون بالعدالة الكاملة. على الرغم من ان المفروض على المفاوضين السعي الدائم لتحقيق اقرب وضع ممكن من هذين الهدفين. ربما يحققون السلام لكنهم سيظلون وللأبد يدينون بهذا السلام لما تنازلوا عنه من حقوق. واسرائيل يجب ان تعترف بهذا وبتواضع وكرم. وغياب العدالة لن يزين ذلك الحل, لكن غيابها قد يجعل من قبوله امرا اسهل.