لا يشك انسان عاقل في ان اوضاعنا العربية الحالية مهترئة وغير مقبولة وبحاجة الى تغيير وتطوير نحو الافضل, فمواطن الضعف تنخر في شتى اوصال حياتنا, والسلبيات تنفد الى اعماق ممارساتنا, مما يشدنا بقوة الى الخلف ويلجم انطلاقنا في دروب القرن الحادي والعشرين وابحارنا مع تيارات العصر الحديث. ونحن لا نرتاب لحظة في ان خير وسيلة نتبعها للخروج من عنق الزجاجة, والانعتاق من سجن التخلف, تتجلى في السعي الى ارتقاء درجة اعلى من حرية التعبير في شتى انحاء الوطن العربي. ولعلنا نستطيع ان نختزل معظم المشكلات العربية الراهنة التي تجثم على كواهل العرب وتقض مضاجعهم بهذه المشكلة التي تلقي بظلالها الكئيبة وتأثيراتها القاتمة على مجمل اوضاعنا لأن عدم توافر الفرص للتعبير الحر, يعني اشياء كثيرة لا حدود لها مثل الجمود العام والكمون السلبي والعجز عن التغيير والتطوير, وتفاقم الاخطاء, وتراكم الانحرافات, وغياب الحقيقة, وتراجع الابداع الفكري والثقافي وانتعاش الفساد, واضمحلال الصحافة, وهجرة العقول الى الخارج بحثا عن الحرية والعيش الكريم. واذا كان ايجاد حل لهذه المشكلة التي تعصف بالعرب وتقذف بهم الى هاوية التردي والتقوقع, امرا غاية في الصعوبة, فليس معنى هذا اننا يجب ان نكتفي بالبكاء والحسرة وان نبقى مكتوفي الايدي لا نحرك ساكنا. وقبل ان نحاول التفتيش عن حلول, دعنا نفرق بين حرية الرأي وحرية الكلمة وحرية التعبير. فالاولى تعني السماح للفرد بالتفكير واعتناق الاراء والمذاهب, كما يشاء. اما الثانية فتشير الى القدرة على قول الكلمة النقدية, سواء في الصحافة او الكتب, او بالطريقة الشفهية على الالسن. ولكن حرية التعبير ابعد مدى وأخطر تأثيرا, لأنها تشمل ايضا السماح بالاحتجاج والاضراب والتظاهر مما يجعل امرها اكثر صعوبة فهي وان كانت تحقق مصلحة الوطن والامة, إلا انها ليست دائما في صالح النخبة الحاكمة. ولكن هذه المعادلة ليست جامدة او ثابتة, بل انه بالإمكان الالتفاف حولها والتأثير فيها بل وتغييرها. وهذا يقع على عاتق المفكرين والكتاب ورجال القانون الذين يتوجب عليهم صياغة شكل من اشكال حرية التعبير, يكون في مصلحة الشعب والسلطة على حد سواء. وبمعنى آخر, فبدلا من ان يتقاعد الكثيرون من الكتاب ويتحسرون على غياب الحرية ويبكون على اطلالها يجدر بهم ان لا يكفوا عن الكتابة حول الحرية وحدودها ومبادئها وحيثياتها وطرق تطبيقها. واكثر من ذلك فإن من واجبهم ان يقترحوا نموذجا مدروسا لها يتجاوب مع تطلعات الحاكم والمحكوم معا, بدلا من التخاذل واتخاذ المواقف السلبية. ولا شك ان للمختصين القانونيين دورا مهما في هذا المجال, اذ ان عليهم ان يشاركوا في وضع الاسس والتشريعات الخاصة بحرية التعبير, بطرق تجعل السلطة لاتتردد في تبنيها. ونعتقد ان اي انموذج مقبول لهذه الحرية, يجب ان يستهدف خدمة الصالح العام, وان يرمي الى الاصلاح لا الى التحريف واثارة البلابل واشاعة الاضطراب, وان يتم بطريقة سلمية. وفضلا عن ذلك فإن اي نقد للاخطاء, سواء بالكلمة المكتوبة او الشفهية ينبغي ان يكون نقدا واقعيا, وفي محله, وان لا يكال جزافا. وبتعبير اخر, فإن الانموذج المقترح لحرية التعبير, لابد من ان يتضمن قيودا على هذه الحرية, تمنع الاشتطاط والذهاب الى ابعد مما يتطلب اصلاح الامور وتصحيح الاخطاء. فلكل انسان الحق في اعتناق ما يرى من آراء وافكار, سواء في المجال السياسي او الديني او الايديولوجي, كما ان من حقه ان يعبر عن هذه الآراء بطريقة الحوار السلمي. ولكن ليس من حقه اللجوء الى العنف وتهديد الامن. فبمثل هذه المعادلة يمكن للنخبة ان توافق على السماح بتوافر درجة من التعبير الحر الذي يساعد على كشف النقاب عن مكامن الضعف واماطة اللثام عن مواضع الخطأ, مما يفسح المجال امام تصحيح الاوضاع واعادة الامور الى نصابها. وهذا في صالح الشعوب والنخب الحاكمة في آن واحد. * كاتب سوري