صعد العلمانيون وخصوصاً الجيش من حربهم المنهجية على الاسلام السياسي, سواء بالتضييق على الاسلاميين ومحاصرتهم بالقوانين التي أدرجت تحت عنوان الحفاظ على المبادئ العلمانية للجمهورية او بحظر الاحزاب السياسية التي تتخذ من الاسلام هوية لها أو بسجن قادة الحركة الاسلامية وحرمانهم من ممارسة النشاط السياسي. وبالرغم من محاولة التيار الاسلامي المعتدل الذي أسسه نجم الدين اربكان منذ أكثر من ثلاثين سنة الالتزام بالدستور العلماني للدولة وممارسة النشاط السياسي وفق القواعد التي سنتها الحكومات التركية المتتالية والتكيف مع مقتضيات السياسة التركية, فان كل ذلك لم يحقق مصالحة بين العلمانية والاسلام بسبب القطيعة السياسية مع الاسلام ومجموعة من المواد الدستورية والاجراءات القانونية التي تمنع ادخال الاسلام في بنية الدولة, رغم ان تركيا بلد اسلامي ويشكل المسلمون فيها نحو 98 بالمئة من مجموع السكان البالغ عددهم نحو 64 مليون نسمة. وبالرغم من أن الاسلوب التدريجي (لاسلمة) المجتمع الذي اتبعه اربكان خلال العقود الثلاثة الماضية عبر أحزاب: النظام الوطني, السلامة الوطني, الرفاه, الفضيلة, ادى الى صعود الاسلام السياسي في تركيا وتأصيله في هوية المجتمع وحياته, الا ان من شأن هذا الاسلوب وضع الاسلام السياسي تحت رحمة المحاكم التركية القادرة على حظر هذه الاحزاب في اللحظة السياسية المطلوبة حتى لو كان بحجة بيان او كلمة مناهضة للاسس العلمانية التي قامت عليها الجمهورية التركية, وقد انتهى الأمر الى وضع قادة الحركة الاسلامية تحت رحمة المدعي العام الذي اعد لكل واحد منهم ملفات قانونية كفيلة بادخالهم السجن فضلاً عن سجن العشرات منهم. ومع ان أربكان اضحى رمزاً لصعود الاسلام السياسي مع تسلمه منصب رئاسة الوزراء في يونيو عام 1996, فان ذلك لم يمنع القوى العلمانية جيشاً واحزاباً من تطويق الحصار على اربكان ودفعه الى الاستقالة من منصبه بعد نحو سنة من تسلمه, ومن ثم حظر حزبه (الرفاه) , وأخيراً تصديق محكمة الاستئناف على قرار محكمة امن الدولة الذي يقضي بسجنه لمدة عام بتهمة مخالفة الاسس العلمانية خلال كلمة في مدينة بينجول (جنوب شرقي البلاد) في 25 فبراير عام 1994. هكذا ببساطة لا تتحمل ديمقراطية تركيا التي تسعى الى الدخول في العضوية الاوروبية وتدعي العلمانية منذ اكثر من ثمانين عاما كلمة واحدة, فقد اضحت المادة 312 من قانون العقوبات في الدستور التركي بمثابة السيف المسلط على عنق الديمقراطية, وتنص هذه المادة على ان حرية التعبير والرأي خارج الأسس الأتاتوركية للدولة يعد جرما بحق القانون, وقد تم سجن العديد من الشخصيات التركية: الاسلامية, الكردية, اليسارية والمعنية بحقوق الانسان, وفقاً لهذه المادة. ورغم المطالبة في البرلمان منذ سنوات بإلغاء هذه المادة او تعديلها, فان ذلك لم يتم بسبب تمسك الجيش بها بغية استخدامها دستورياً ضد المعارضة. في الواقع, الحكم على اربكان بالسجن لمدة سنة, يعكس مدى اصرار القوى العلمانية على الانتقام من رمز الاسلام السياسي حتى النهاية, من خلال وضع نهاية لحياته السياسية وقطع علاقته بالاسلام السياسي. ان القرار بسجن اربكان وحرمانه من النشاط السياسي مدى الحياة, يحمل في طياته السؤال عن مستقبل احزاب الاسلام السياسي على نحو: هل يلقى حزب الفضيلة مصير حزب الرفاه؟ وكيف سيتصرف حزب الفضيلة اذا تم حظره؟. في الواقع, جميع المؤشرات المتوفرة تتجمع في افق السياسة التركية على شكل شواهد سياسية لحظر حزب الفضيلة من قبل المحكمة الدستورية العليا, بتهمة العمل على تغيير النظام الجمهوري العلماني في البلاد وادعاء المدعي العام بان الحزب هو امتداد لحزب الرفاه المحظور, حيث سيواجه الحزب قبل قرار حظره المنتظر مشكلة اخرى تتمثل في احتمال الغاء مؤتمره العام الأخير الذي عقد في مايو الماضي بتهمة تغيير قيادة الحزب لبعض مواد اللائحة الداخلية للحزب قبيل انعقاد المؤتمر بيوم واحد. ويحمل قرار حظر حزب الفضيلة خطورة على المستقبل السياسي للحركة الاسلامية في تركيا, اذ يتضمن القرار ـ حسب مصادر تركية ـ وللمرة الأولى موادا تنص على منع تأسيس احزاب جديدة تكون امتداداً للفضيلة, في الوقت الذي تقول فيه الاوساط التركية ان قيادة حزب الفضيلة كانت تستعد لتأسيس حزب جديد تحت اسم (الاخلاص) في حال حظره, وبالتالي فان حل الفضيلة لا يعني الغاء حزب سياسي معارض فقط, بل التخلص من الارث السياسي لتجربة اربكان, سواء بإلغاء ولاية جميع نواب حزب الفضيلة في البرلمان والبالغ عددهم 110 نواب من اصل 550 نائبا, او دفع الفضيلة الى الانحلال من خلال تقسيمه الى كتل حزبية ضعيفة عاجزة عن الحصول على نسبة 10 بالمئة التي ينص عليها قانون الانتخابات في تركيا, وبالتالي حرمانه من دخول البرلمان, ومثل هذا الامر بات ممكناً في ظل انقسام الفضيلة الى جناحين, الاول: بزعامة رئيس الحزب رجائي كوتان الذي يحظى بدعم اربكان. والثاني: بزعامة عبدالله غيول الذي يمثل تيار التجديد في الحزب ويدعو الى اعادة النظر في سياسة الحزب. في الواقع, يمكن القول ان حصيلة التجربة السياسية للاسلام السياسي في تركيا تشير الى التراجع الكبير بعد الصعود الكبير في منتصف التعسينيات, ورغم اعتقاد بعض الاوساط التركية بان الحركة الاسلامية في تركيا قادرة على مراجعة سياستها من جديد, وربما العمل والتحرك من اجل عدم حظر حزب الفضيلة وحتى يتم تغيير المادة 312 بما يعني اعفاء اربكان من عقوبة السجن, فان لسان حال تركيا يقول: ان تركيا بدأت تنتقل الى مرحلة الانضمام الى العضوية الاوروبية, ولا مكان للاسلام السياسي في ظل تركيا سائرة نحو العضوية الكاملة. * كاتب سوري