منذ ان طرحت الحركة الصهيونية مشروعها السياسي الهادف لاقامة دولة صهيونية في فلسطين, طرحت معه مضمون المشروعات الاستيطانية الاخرى في امريكا واستراليا وافريقيا, حيث تم ارسال قاعدة رئيسية في النسق المفاهيمي للصهيونية . بشأن اعتبار ارض فلسطين ومواردها غير مملوكة لأحد ويحق استيطانها من قبلهم حيث كانوا من آلاف السنين!! ويرد ذلك واضحا في (يوميات هيرتزل الكاملة) حيث يستشرف احداث المستقبل في فلسطين وسكانها في الآتي: احتلال اراضي فلسطين والاستيلاء عليها بسرعة وبصورة متزامنة (كما بكبسة زر كهربائي) وذلك بالقيام بالشراء في مختلف اراضي فلسطين عن طريق سماسرة وعملاء يوجههم عملاء مؤسسة مركزية (مفوضية مشتريات الاملاك) , والعمل على حصر ملكية الاراضي المشتراة باليهود وعدم انتقالها لغير اليهود. ويقول د. يوسف صايغ في بحثه المنشور بمجلة الدراسات الفلسطينية العدد 36 لعام 1998: (البعد الاقتصادي للصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني) عقب مؤتمر بازل اي في اكتوبر 1898 كتب صهيوني بارز هو ديفيس تريستش الى هيرتزل مكتوبا يطالب فيه بأن يتضمن برنامج بازل الكلمات (فلسطين الكبرى) او (فلسطين والاراضي المجاورة) , والا فإن الامريكيون هراء فأنت لا تستطيع ان تجد متسعا لعشرة ملايين من اليهود في ارض اتساعها 25 الف كم2. وكان قد سبق ذلك ان قام المؤتمر اليهودي الامريكي في نهاية عام 1919 بالطلب الى مؤتمر السلام ان يصرح (ان شروطا سياسية وادارية واقتصادية يجب ان تتوافر في فلسطين من شأنها ان تؤكد تحت وصاية بريطانيا العظمى نيابة عما سيشكل كعصبة امم تطوير (تحويل) فلسطين الى كومنولث يهودي) . وقد عبر الدكتور ايدر, رئيس المفوضية الصهيونية في فلسطين عام 1921 عن ذلك المخطط قائلا (لا يمكن ان يكون هناك الا وطن قومي واحد في فلسطين, وهو يهودي ولا مساواة في الشراكة بين اليهود والعرب وانما تفوق يهودي حالما تتزايد اعداد الفرق (اليهودية) بما يكفي) . وفي مايو عام 1942 تم اقرار البرنامج الصهيوني في فندق بلتمور في مدينة نيويورك حيث وضعت سياسة الحركة الصهيونية وتم اعتمادها لاحقا في نوفمبر 1942. وكان الجنرال باترك هيرلي الممثل الشخصي للرئيس الامريكي روزفلت قد قدم تقريرا عن المؤتمرجاء فيه (ان المنظمة الصهيونية ابدت التزامها ببرنامج موسع من اجل: 1- دولة يهودية ذات سيادة في فلسطين تضم فلسطين وفي النهاية (شرق) الاردن على الارجح. 2- تحويل (نقل) السكان العرب في اخر الامر من فلسطين الى العراق. 3- القيادة اليهودية للشرق الاوسط بأكمله في مجالات التنمية الاقتصادية والتحكم (السيطرة) . ويقول د. يوسف صايغ في بحثه المشار اليه آنفا (ان المقصود هو التنمية الاقتصادية للشرق الاوسط والتحكم فيها) . إذن مفهوم السيطرة والتحكم نابعان من طبيعة الصهيونية الاستيطانية ومشروعها الاستعماري, وكان طبيعيا ان يؤثر ذلك على المشروع الاقتصادي الذي كان تعبيرا عن اقتصاد الاستيطان والمقصود به التعامل من قبل حركة الاستعمار الاستيطاني مع الارض والموارد المراد استعمارها واستيطانها على انها ملكية صاحب لها, وهذا ما تم في فلسطين (الارض والموارد) وكان ذلك واضحا بنجاح في الموجة الثانية من الهجرة الصهيونية الى فلسطين (1904 ـ 1914) حيث كان 77% من مستوطني تلك الموجة تحت سن 25 عاما, جاء محملا بالافكار الاشتراكية والايديولوجية الصهيونية وكان ذلك خلف اقامة المستوطنات الزراعية الجماعية على الارض الفلسطينية, بعد انتزاعها بطرق شتى, كما كان ذلك خلف تأسيس النقابة العامة للعمال اليهود في ارض اسرائيل (الهستدروت) وبعد اشهر من ذلك كان تأسيس منظمة الدفاع (الهاجاناه) كمنظمة عسكرية وتحت اشراف (الهستدروت), الذي لم يتأسس كمنظمة نقابية تدافع عن حقوق العمال امام صاحب العمل, وانما تأسست بغرض بناء اقتصاد عالمي استيطاني وارساء دعائم (الوجه اليهودي) فكانت المستوطنات الزراعية والصناعية الخفيفة وبنك العمال ومنشآت التشييد والبناء وشركات المواصلات والتأمين والخدمات الصحية وكانت الهاجاناه المنظمة العسكرية, ذلك هو اقتصاد الاستيطان. وفي الوقت الذي تشكل فيه الاقتصاد العالمي الاستيطاني عبر موجات الهجرة اليهودية ـ الصهيونية التي جاءت من شرق اوروبا متسلحة بالفكرة الاشتراكية والعقيدة الصهيونية, كانت المدن الفلسطينية (يافا, حيفا, صفد) تشهد نموا مطردا للرأسمالية اليهودية في فلسطين وكان ذلك متلازما مع موجة الهجرة الرابعة لليهود الصهاينة والتي جاءت بين عامي (1924 و1928) من دول الشرق الاوسط وبولندا, وقد عرف عن معظمهم عدم الرغبة في العمل الزراعي, لذا كان استقرارهم المفضل في المدن وعبر سكن التجمعات الفقيرة, وهذه البيئة التي تشكلت هي التي اعطت الفرصة لظهور الحركة الصهيونية التصحيحية بقيادة جابوتنسكي, والمؤمنة بشعار قيام الدولة اليهودية فورا على ان تضم فلسطين الخاضعة للانتداب بالاضافة للضفة نهر الاردن الشرقية. وفي المؤتمر الصهيوني المنعقد في عام 1929, كان ممثلا للحركة الصهيونية التصحيحية في المؤتمر الصهيوني 21 عضوا من مجموع 52, وفي عام 1935 قرر التصحيحيون الانسحاب من المنظمة الصهيونية واعلان تأسيس المنظمة الصهيونية الجديدة, وتلازم معها تأسيس مؤسسة عسكرية موازية للهاجاناه تعرف باسم ايتسل (المنظمة العسكرية القومية), وفي خط مواز, تم تأسيس الاتحاد الوطني للعمال كمؤسسة عمالية مستقلة عن الهستدروت, واتسعت مساحة الرأسمالية اليهودية في الموجة الخامسة الاتية في اوروبا ونجحت في الحصول على امتيازات تأسيس شركات احتكارية لانتاج الكهرباء والمياه, وتم توظيف رؤوس اموال يهودية في قطاعات اخرى مثل النسيج والمعادن والصناعات الكيميائية وتصدير الحمضيات والصناعة الخفيفة. وكانت الباحثة تمار جوجانسكي في بحثها المنشور عام 1987 وفي طبعته الثانية عن موضوع (تطور الرأسمالية في فلسطين) قد اشارت الى انه بدءا من النصف الثاني من القرن 19 ومع (اشتداد التنافس بين الدول الامبريالية الكبرى على تقسيم واعادة تقسيم العالم, تحولت الامبراطورية العثمانية الى حلبة صراع هامة بين بريطانيا وفرنسا والمانيا وايطاليا والنمسا, المجر وروسيا القيصرية, وفي اربعينيات القرن 19 اقامت هذه الدول قنصليات لها في القدس, تمتعت بامتيازات فرضت على السلطنة العثمانية, وكانت مهمة القنصليات التمهيد للسيطرة على فلسطين, وذلك عن طريق الحصول على امتيازات وشراء اراضي وتشجيع هجرة رعايا دولها, واقامة مؤسسات وغير ذلك. وحصرت الباحثة تسرب الصهيونية الى فلسطين بوسائل متعددة منها الشركات الاستعمارية اليهودية (كالاليانس, والجمعية الانجلو, يهودية, الجوينت, ومشروع روتشيلد, وجمعية الاستيطان اليهودي, واللجنة اليهودية الامريكية). وقد انشغلت الحركة الصهيونية كثيرا بالقضايا الاقتصادية, ويتبين ذلك من اقرارها في المؤتمر الاول خطة هيرمان شبيرا لاقامة صندوق لشراء الاراضي. وفي المؤتمر الخامس عام 1901 تقرر انشاء الصندوق, كما انشأت الحركة الصهيونية في فلسطين, البنك الاستعماري اليهودي (يكت) واقامة شركة تطوير الاراضي. وفي عهد الانتداب البريطاني في فلسطين اصبح دور رأس المال الاجنبي العام واليهودي الخاص بمثابة رأسمال الدولة المزمعة, حيث كانت مهمة المؤسسات والشركات الصهيونية هي فتح الطريق امام المستوطنين الصهاينة على ارض فلسطين والاستعداد لمرحلة اعلان الدولة بكل ما يعنيه ذلك من بناء مؤسسات وطرق وجيش ومخابرات.. الخ, وهكذا تملك رأس المال الاجنبي المصانع الكبيرة التي كانت من وظيفتها انتاج المواد الخام المحلية (البوتاس) او المستورد (النفط) اما المصانع الصغيرة والمتوسطة فكانت عبارة عن ورش حرفية لانتاج سلع استهلاكية مصنعة للسوق المحلي, كما انتشرت في تلك المرحلة المصارف وبلغ عددها في اواسط الثلاثينيات 89 مصرفا (61 مصرفا تجاريا 52 مصرف رهونات 7 جمعيات تعاونية للتمويل). وهكذا كان نمو الرأسمالية اليهودية الصهيونية في فلسطين قد بدأ وكبر في عصر الانتداب البريطاني لفلسطين وذلك عبر حصوله على امتيازات الاحتكار ومساعدته من قبل حكومة الانتداب ببناء البنية الاساسية الممهدة لرأس المال اليهودي مثل ميناء حيفا واقامة شبكة طرق وخط انابيب النفط من الموصل الى حيفا ومطار اللد الدولي, وحانت الفرصة اكثر اتساعا للرأسمالية الصهيونية عندما تم اغلاق باب المنافسة في وجه البضائع الاجنبية وتكشف ذلك من فرق الارقام حيث مثلت الصناعة اليهودية عام 1936 نحو 26% من الناتج الكلي للاقتصاد الصهيوني, اما في عام 1945 ومن جراء الحرب وإغلاق المنافسة وصلت الى 41.3% وهكذا تضاعف السكان الصهاينة في فترة الانتداب كل 8 سنوات وتضاعف الناتج القومي الاجمالي كل 5 سنوات. ان فهم الطبيعة الخاصة للاقتصاد الاسرائيلي بعد قيام الدولة يعتمد على فهم السياق التاريخي كحركة عدة عوامل ساعدت وترابطت وتواصلت في نشأة الاقتصاد الاسرائيلي, وبرزت جميعها قبل الدولة واستمرت معها وكان العامل الاول فيها هو الاعتماد على حركة الاستعمار العالمي والتوافق معه حسب المراحل التاريخية لذا كانت العلاقات الاسرائيلية الفرنسية البريطانية في فترة العدوان الثلاثي على مصر والعلاقات الامريكية الاسرائيلية بعد ذلك وبالذات بعدما خسرت بريطانيا وفرنسا نفوذهما في الشرق الاوسط وعبر تلك العلاقات الاستراتيجية اصبح المشروع الصهيوني على ارض فلسطين وفي المنطقة بمثابة الجزء من الكل, اي جزء من استراتيجية الاستعمار العالمي في المنطقة, وقد ساهمت تلك العلاقة في الدفع القوي للاقتصاد الاسرائيلي وتأمين استمراره وبالذات في المراحل الصعبة التي مر بها في بداية تشكيلاته وقطاعاته حتى عرفت الدولة الاسرائيلية بدولة المساعدات, حيث قامت المساعدات الخارجية بدور كبير جدا في تثبيت الدولة الاسرائيلية على ارض فلسطين وفي تطوير اقتصادها ورفع كفاءته. وهنا يأتي دور العامل الثاني المهم في دعم الاقتصاد الاسرائيلي وهو الاعتماد على المساعدات الخارجية حيث تشير الاحصاءات التي جاءت في مرجع هام وحديث للباحث احمد السيد النجار تحت عنوان (بناء دولة) دور المساعدات الخارجية لاسرائيل 1948 ـ 1996 والصادر عن مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام الى ان ما تلقته اسرائيل من الولايات المتحدة الامريكية عام 1952 يوازي 93% من قيمة المساعدات الامريكية الرسمية المرسلة الى بلدان الشرق الاوسط, ورغم تذبذب المعونة والمساعدة الامريكية حسبما حالة العلاقة بين امريكا واسرائيل إلا ان تولي جونسون رئاسة الولايات المتحدة الامريكية رفع المساعدات لاسرائيل من 40 مليون دولار عام 1964 الى 71 مليون دولار عام 1965 وإلى 127 مليون دولار عام 1966, اي قبل عدوان 1967 بعام, واعتبارا من 1971 قفزت المساعدات الامريكية لاسرائيل قفزات هائلة وصلت الى 601 مليون دولار عام 1971 وفي عام 1974 اي بعد حرب اكتوبر 1973 قدمت امريكا مساعدة استثنائية لاسرائيل بلغت قيمتها 2570 مليون دولار وفي عام 1979 بلغت المساعدات 4815 مليون دولار ثمنا لاتفاق السلام مع مصر وخلال الفترة من 1981 حتى 1985 كانت المساعدات الامريكية لاسرائيل تمثل 25% من المساعدات الامريكية لدول العالم تقريبا, وفي عام 1986 تلقت اسرائيل المساعدات الامريكية التي وصلت الى 3 مليارات من الدولارات (1.8 مساعدات عسكرية + 1.2 مساعدات اقتصادية) بالاضافة الى منحة طارئة لا ترد بلغت قيمتها 1500 مليون دولار, وفي عام 1991 تلقت اسرائيل المساعدة المعتادة 3 مليارات دولار فضلا عن تقديم ضمانات الحكومة الامريكية لقروض مصرفية لاسرائيل من البنوك الامريكية بقيمة 10 مليارات دولار وبناء عليه, بلغ مجموع المساعدات الامريكية لاسرائيل من عام 1949 حتى 1996 نحو 66588 مليون دولار منها 2105 مليون دولار قروض و23013 مليون دولار هبات و11413 مليون دولار قروض عسكرية 29380 مليون دولار هبات عسكرية, اضافة الى مساعدات خاصة لاستيعاب اليهود السوفييت وصلت الى 678 مليون دولار من 1973 حتى 1992. وفي المرتبة الثانية بعد المساعدات الامريكية تأتي المساعدات الالمانية لاسرائيل حيث شكلت المساعدات الالمانية لاسرائيل تعويضا عن الهوكولوست (المحرقة النازية لليهود) ما يعادل 30% من الموارد الاسرائيلية وقد بلغت قيمة التعويضات التي تلقتها اسرائيل من المانيا حتى عام 1996 نحو 60 مليار دولار حسبما صرح وزير الخارجية الالماني كلاوس كينكل ومن المعروف ان التعويضات سوف تستمر حتى عام 2030 حيث تكون قد وصلت الى 870 مليار دولار. وفي المرتبة الثالثة تأتي المساعدات اليهودية (الجباية) التي وصلت من الجاليات اليهودية في انحاء العالم الى اسرائيل والتي وصلت عام 1996 الى ما يقدر بنحو 19.4 مليار دولار, كما ان هناك اصولا اجنبية في اسرائيل وصلت الى نحو 23.4 مليار دولار. هكذا ساهمت الدول الاستعمارية الكبرى في صنع اسرائيل على ارض فلسطين حيث لم يكن وعد بلفور فقط وانما كانت اموال الاستعمار العالمي ايضا خلف اسرائيل وهكذا اخذ الاقتصاد الاسرائيلي دفعات قوية جدا من تلك المساعدات والتعويضات التي وصلت الى ما يقرب من 225 مليار دولار, هذا بالاضافة لمصادرة الاملاك العربية من بيوت وممتلكات واعتبارها جزءا من الاقتصاد الاسرائيلي وعن ذلك كتب دان بيرس وهو كاتب واستاذ جامعي اسرائيلي ان الممتلكات التي تركها الفلسطينيون كانت من اهم العوامل التي ساهمت في امداد اسرائيل بمقومات الوجود, 350 مستعمرة يهودية من بين 370 مستعمرة تم بناؤها خلال الفترة 1948 ـ 1953 اقيمت على ارض اعتبرت في هذا الوقت (املاك غائبين) وفي العام 1945 كان حوالي ثلث سكان اسرائيل يعيشون على اراض من جملة املاك الغائبين كما ان حوالي ثلث المهاجرين الجدد استقروا في مدن كانت ملكا للعرب, لقد ترك العرب وراءهم مدنا بكاملها مثل يافا وعكا واللد والرملة وبيسان والمجدل: 388 مدينة وقرية, ومعظم احياء 94 مدينة وقرية اخرى احتوت على حوالي ربع المباني في اسرائيل عشرة آلاف دكان ومتجر تركت في ايدي اليهود. وخلال الفترة 1951 ـ 1952 انتجت مزارع الحمضيات العربية 1.5 مليون صندوق, تم تصدير 400 ألف صندوق منها الى الخارج. دخل الصادرات الاسرائيلية من الحمضيات العربية كان حوالي 10% من اجمالي دخل اسرائيل من العملات الصعبة, وفي العام 1949 كان دخل اسرائيل من صادرات مزارع الزيتون العربية يمثل ثالث مصدر للعملة الصعبة بعد الحمضيات والاحجار الكريمة) . كما ذكر جوزف شيشتمان الصهيوني المتشدد والمروج لفكرة خروج الفلسطينيين من ديارهم باختيارهم, ذكر في كتابه المنشور في نيويورك عام 1952 تحت عنوان (مشكلة اللاجئين الفلسطينيين) ما يؤكد الدور الكبير الذي لعبته الممتلكات العربية في توطين مئات الألوف من المستوطنين المهاجرين اليهود: (ان من الصعب المبالغة في الدور الكبير الذي لعبته الممتلكات العربية في توطين مئات الآلاف من المهاجرين اليهود 47 مستعمرة زراعية جديدة انشئت على تلك الارض حتى شهر اكتوبر عام 1949, كان لها الفضل في استيعاب 25255 مهاجرا جديدا مع حلول ربيع 1950, اكثر من مليون دونم من اراضي العرب كان تم تأجيرها للمستعمرات اليهودية والمزارعين لانتاج الحبوب, مساحات كبيرة اخرى من ممتلكات الغائبين تم تأجيرها للمستوطنين القدامى والجدد من اجل انتاج الخضراوات. وفي منطقة الجنوب وحدها تم تأجير 150 ألف دونم من مزارع العنب للتعاونيات اليهودية, كما تم تأجير مساحة مماثلة لجمعية اليهود اليمنيين وجمعية المزارعين ومجلس اعادة توطين وتحسين احوال الجنود ولقد نتج عن ذلك توفير ملايين الدولارات على الحكومة والوكالة اليهودية اذ بينما تراوحت تكاليف التوطين في القرى العربية اقل من 1500 دولار مع نهاية العام 1918 حيث كان هناك حوالي 170 ألف يهودي معظمهم من المهاجرين الجدد وقدامى رجال الجيش, وذلك الى جانب 40 ألف من اليهود القدامى قد تم اسكانهم في البيوت التي استولت عليها الدولة, سبعون ألف دكان وورشة صناعية ومركز تجاري تم ايضا تأجيرها للمهاجرين الجدد) . ولم تكن تلك فقط هي مصادر الدعم الكبير للاقتصاد الاسرائيلي بل ايضا كان احتلال كل سيناء لمدة تزيد على عشر سنوات والضفة والقطاع الى ما يقرب من اكثر من ثلاثين سنة والجولان المحتلة حتى الآن (33 عاما) وكان ذلك يعني ثروات هائلة مضافة للاقتصاد الاسرائيلي. اما ثالث تلك العناصر الدافعة للاقتصاد الاسرائيلي فقد كان الدور الملعوب من قبل الصناعات العسكرية الاسرائيلية في الاقتصاد الاسرائيلي, وقد مرت الصناعات العسكرية الاسرائيلية بثلاث مراحل اساسية من 1948 حتى الآن: 1ـ المرحلة الاولى من 1948 وحتى نهاية 1967. 2ـ المرحلة الثانية من عام 1967 وحتى عام 1984. 3ـ المرحلة الثالثة من عام 1984 وحتى الآن. يهمنا تناول المرحلة الاخيرة منها حيث تشابكت قوى التجمع الصهيوني المدنية والعسكرية وتشابكت قوى الاقتصاد المدني مع العسكري لذا كان من الطبيعي او ان يوصف الاقتصاد الاسرائيلي بأنه اقتصاد حرب دائمة, وكان من الطبيعي ايضا ان توصف اسرائيل بدولة العسكر, حيث يعمل اكثر من 10% من قوة العمل الاسرائيلية في المؤسسة العسكرية وصناعاتها الحربية وهي نسبة لا تتعداها دولة في العالم سوى الولايات المتحدة الامريكية حيث تبلغ 14% ومثلث الميزانية العسكرية نحو ثلث الناتج القومي, كما تحتل اسرائيل منذ عام 1977 المرتبة الثالثة بعد الصين والهند في حجم الانتاج الحربي بين الدول النامية كما تدخل في عداد 24 دولة في العالم بوسعها ان تصنع وتطور معظم احتياجاتها العسكرية واخيرا وليس اخرا القنبلة الذرية, كما اصبحت اسرائيل واحدة من اكبر خمس دول مصدرة للسلاح كما جاء في جريدة معاريف بتاريخ 22 اكتوبر 1999 والمنشورة بمجلة مختارات اسرائيلية الصادرة عن مركز الدراسات الاستراتيجية بالأهرام العدد (60) وتجدر الاشارة الى ان صادرات الصناعة العسكرية الاسرائيلية وصلت في العام 1999 الى 1.3 مليار دولار. وفي دراسة عن (التنظيم الاجتماعي للاقتصاد الاسرائيلي) تحليل مقارن للباحث دانييل مامان والمترجمة في مجلة مختارات اسرائيلية عدد (60) الصادرة عن الاهرام (ففي الثمانينيات كان يعمل في صناعات السلاح حوالي 25% من القوى العاملة في اسرائيل كما مثلت صادرات هذه الصناعات 28% من اجمالي الصادرات الاسرائيلية كما ان اكثر من 50% من العلماء والمهندسين الاسرائيليين يعملون في قطاع الصناعات الحربية وعلى وجه الخصوص مجال الابحاث والتطوير ومعظم شركات الدفاع (المجمع العسكري) اما مملوكة للدولة او جزء من مجموعة اقتصادية كبرى فعلى سبيل المثال تملك الدولة الاسرائيلية صناعات سلاح الطيران الاسرائيلي وصناعة التسليح الاسرائيلي وهيئة تنمية التسليح كما تملك مجموعة كور عددا من الشركات: (تاديران) و(سولتام) و(تليراد) ويشكل انتاج السلاح نسبة مهمة من النشاط الصناعي لمجموعة شركات كور, فعلى سبيل المثال, فإن 50% من العاملين في شركة كور كانوا يعملون في تصنيع الاسلحة ـ حوالي 17 الف عامل وفني ـ وكانت 20% من صادرات شركة كور لها علاقة بصناعة الاسلحة. وهكذا كانت صناعة الاسلحة, وكان المجتمع العسكري الصناعي الاسرائيلي هو بمثابة القاطرة التي سيرت الاقتصاد الاسرائيلي في طريق النمو والازدهار بل والرغبة في السيطرة والتخطيط لها. وينكشف لنا من خلال السياقات السابقة للعوامل الدافعة والمشكلة للاقتصاد الاسرائيلي, ان ثمة ارتباط عضوي بين الاستعمار العالمي وحركته والاستيطان الصهيوني على ارض فلسطين والمساعدات الممنوحة لاسرائيل وعسكرة الدولة الاسرائيلية على ارض فلسطين. لذا كان طبيعيا ان يكون للاقتصاد دور هام في تحديث مفهومه للسلام, كما كان له دور هام في نشوء الصراعات المسلحة بين العرب و(اسرائيل) ولم يكن هذا الدور جديدا على الدولة الاسرائيلية, بل ان هناك اتجاها في الحركة الصهيونية كان يرى ان اسرائيل عليها ان تستخدم الاقتصاد لفرض هيمنتها على المنطقة وكان من ممثلي هذا الاتجاه ناحوم جولدمان وموشي شاريت. واذا كانت ازمات الاقتصاد الاسرائيلي تمثل احد العوامل في فرض الحرب في عام 1956 و1967, فالاقتصاد الاسرائيلي بعدما دخل مرحلة القوة والتصدير الواسع في الالكترونيات والسلاح وبعض الصناعات الاخرى سوف يعمل من اجل الهيمنة على الاسواق العربية حتى يكون ملبيا لمتطلبات التطور المصنوع والمرسوم من قبل الحركة الصهيونية لصالح لعب الدور الاقليمي الاول في الشرق الاوسط. وعلى الرغم مما تمثله اسرائيل من اداة غربية في الشرق الاوسط فانها ترى في مشروعها لتقدم الدولة وازدهارها ونفوذها في الملعب الاقليمي اهمية تشكيل تجمع جيو ـ سياسي, حيث ان اسرائيل حتى ولو استطاعت ان تجمع كل يهود العالم تحت جناحيها والمقدر عددهم بنحو 13.5 مليون نسمة, فانها لن تستطيع ان تبني دولة ـ امة ـ ولن يشكل هذا العدد سوقا للاقتصاد يدفع للهيمنة على الدور الاقليمي الاول في الشرق الاوسط, وهنا كان المشروع الشرق اوسطي هو مدخلها لذلك, وغايتها للاندماج وسبلها للهيمنة. وقد طرح ابا ايبان ذلك في كتابه (صوت اسرائيل) عندما طرح مشروع علاقة مع الدول العربية وكان نموذجه في ذلك علاقة الولايات المتحدة بدول امريكا اللاتينية, اي انه يتمثل في علاقة دولة عظمى مع دول محيطة عاجزة تقوم بدور دولة الخدمات والمهام المساعدة لتفوق وعظمة الدول العظمى والمركزية. وذهب يوري افنيري, وهو من المنادين بما يسمى ـ السلام حسب مفهومه ـ الى ان كتب في مجلة (هعولام هازيه) بتاريخ 23 فبراير 1978 ما نصه: (لن يؤدي السلام الى تقليص قوتنا السياسية, وانما الى بناء دولة عالمية كبرى جديدة نكون فيها شريكا هاما, ودولة كبرى تجمع ما بين قوة العالم العربي الضخمة وقوة العالم اليهودي) .. وفي جريدة دافار بتاريخ 21 نوفمبر 1977 كتب دان بابلي عن اهمية استثمار الثروات الطبيعية والاموال العربية النفطية والخبرات الاسرائيلية, والتي من الممكن ان تصنع ثورة كبرى تحدث تحولات هائلة مشابهة لتلك التي احدثتها الثورة الصناعية في اوروبا ولتلك التي احدثتها الولايات المتحدة الامريكية بقيامها, والتي احدثتها اليابان بثورتها التقنية. كما يطرح بعض الاستراتيجيين الاسرائيليين مفهوم (الامن التعاوني) بين اسرائيل والدول العربية بمضمون يملى, ويضمن ان الاطراف العربية تلتزم بأمن اسرائيل وتفهم اهتماماتها الاستراتيجية, وتساعدها للعب دورها الاقليمي الاول, ويعتمد هذا المفهوم وتلك الرؤية على ان (السلام) في المنطقة لا يستوي الا بتأسيس وتشريع علاقة امنية ـ عسكرية غير متوازنة بين اسرائيل من جهة وكل دولة من الدول العربية من جهة اخرى. وعن ذلك يقول الخبير الاستراتيجي الاسرائيلي وعضو مركز جافي للدراسات الاستراتيجية (ان منطق اللاتكافؤ او اللاتوازن اكثر الحاحية في وضع الشرق الاوسط مما هو عليه في اوروبا, بل على اساس تقليص ما. وبتعبير اخر: يترتب على الربط بين السياسة والامن مخاطر امنية متوازنة لاسرائيل, ولذا فان على هذه المخاطر ان تنعكس في اجراءات ضبط تسلح غير متوازنة) . ويشرح جميل هلال ابعاد التعاون الاقتصادي والعلاقات الغير متكافئة في بحثه المنشور في مجلة الدراسات الفلسطينية (,7 8) 1995 تحت عنوان (صناعة ايديولوجية السلام في اسرائيل) قائلا: (تمنح الدراسات الصادرة عن المراكز الاسرائيلية المتخصصة في شئون العلاقات الاقليمية بعدها الاقتصادي اهمية استثنائية وتتم عملية التسويغ لتلك الاهمية) . وذلك عبر اعتماد افكار من قبيل التعويض الاقتصادي عن التنازلات السياسية, التعاون في الاقتصاد سبيل لعدم التوتر والصراع, السلام يبنيه ويؤسسه الاقتصاد لأنه تعبير عن مصالح مستمرة. كما يطرح بعض التكنوقراط الاسرائيليين (مرشدا) و (موجها) للاجراءات والتدابير المطلوب اعتمادها اسرائيليا في كافة مشاريع التعاون! في كتيب تحت اسم (الدليل) صدر في عام ,1989 جاءت توجيهات مثل: ينبغي ان تكون كلفة (فك العلاقة) بين الاطراف المشاركة عالية تعميقا لمصلحتها في (السلام) , وينبغي الاهتمام بالبعد النفسي للعلاقة, وذلك عبر اختيار الموضوعات التي تتيح لكل طرف الاحساس بأن مشاركته ايجابية ولا تمس كرامته. فالمشاريع التي تقوم على اساس استخدام (العقل الاسرائيلي والعضل العربي) تستدعي المعالجة الحذرة لانها تثير اشكالات نفسية رغم انها قد تكون مشاريع مفيدة لجميع الاطراف. ولا يعني ما سبق سوى ان مفهوم السلام لدى الاسرائيليين لا يعني انهاء حالة الحرب, وانما يعني بناء علاقات اقتصادية متميزة ومفتوحة ومحققة للتفوق والهيمنة الاسرائيلية, ولعل ذلك ما يفسر الربط بين التسويات الحادثة والتطبيع, وهذا ما حدث في كامب ديفيد واوسلو ووادي عربة وسوف يحدث ايضا بشأن الجولان والجنوب اللبناني. كما يتكشف مفهوم السلام هذا من خلال المشروعات الاقتصادية التي طرحتها اسرائيل فيما يسمى (الشرق الاوسط الجديد) على لسان كل من شيمون بيريز ويوسي بيلين, حيث يتم الكشف بعد دراسة تلك التصورات والمشروعات المجسدة للتعاون الاقليمي الصادرة عن مركز آرمان هامر ـ الذي انشىء خصيصا لذلك ـ والصادرة عن البنك الدولي ومؤسسات البحث الاوروبي المتعاونة مع اسرائيل. ان الغرض الاساسي لتلك المشروعات هو العمل على نسج شبكة اقتصادية سياسية تستفيد وتوظف الموقع الجغرافي (لاسرائيل) كموقع قيادة عبر الاتصال والربط والتوظيف لدول المنطقة الشرق اوسطية. * كاتب مصري