اثارني تساؤل طرحه احد اساتذة التربية بجامعة كاليفورنيا, في كتاب له حقق شهرة واسعة وباع اكثر من مليون نسخة في طبعته الانجليزية, يتساءل البروفيسور (ليو) في كتابه (الحب): كيف يستطيع الواحد منا ان يكون (هو) انسانا متميزا عن الجميع? حيث لا يشبهه احد على الاطلاق؟ هذا السؤال قد يمر عليه البعض دون مبالاة, لكنه قد يؤرق البعض حقاً, ومنهم هذا الاستاذ. وبينما يهتم الناس كثيرا بطعامهم وملابسهم وسياراتهم فانهم يسقطون تماماً التفكير في الارتقاء بأنفسهم نحو الافضل, انهم يسقطون تساؤلا مهما كالذي طرحه استاذ التربية, ولا يحاولون حتى دفع انفسهم لمعرفته, او اقناع الآخرين باكتشافه ورعايته, ومع ذلك يدَّعي اغلبنا بأننا نسعى لأفضل المستويات واحسن العلاقات وبأننا نستحق الاحسن. التربية في مجتمعنا (سواء في الاسرة او في المدرسة) لا تعين الفرد على اكتشاف فرديته وذاته المتفردة, ولا تدّله على كيفية تنميتها وتطويرها ذلك ان هذا النمو والتطوير هو ما يجعلنا نستحق الافضل ونتفوق في اي شيء, للاسف فإن العمليات التربوية والتعليمية المتتابعة على مدى اجيال تحاول جاهدة ان تجدف في الاتجاه المعاكس, انها تجعل كل فرد منا مشابها لغيره, واذا لم يصبح نسخة كربونية عن الآخرين فهو سيىء وانطوائي او مغرور او خبيث او شاذ عن المجتمع, ويجب ان نحذر منه ونرتاب فيه او نبتعد عنه او لا نعيره اهتمامنا. في المدرسة, وكلنا مررنا بهذه التجربة, وفي حصة الرسم مثلاً تأتي المدرسة لتعلم تلاميذها ان يرسموا الاشجار مثلا, وتقوم برسم شجرة على السبورة, وتطلب منهم ان يرسموا او يلونوا كما فعلت امامهم, وبالفعل يبدأ التلاميذ بعد حالة من الهمس والضحك (وربما يضحكون على رسم المعلمة) في الرسم تماماً كما رسمت المعلمة, لكن تلميذا او اثنين, تعلموا كيف يعبرون عن انفسهم بشكل صحيح, يقولون في داخلهم: (هذه المعلمة القصيرة, ربما لم تر في حياتها شجرة على الاطلاق!) لأنهم باختصار يختزنون في ذاكرتهم صوراً واضحة المعالم لأشجار كثيرة, تسلقوها ربما, وداروا حولها واحتضنوها وسقطوا من فوقها, وهي لا تشبه هذا الشيء العجيب الذي رسمته المعلمة!! وحينما يبدأون في رسم اشجارهم الجميلة بألوانهم المختلفة ويذهبون بلوحاتهم الى المعلمة تنظر اليهم شذراً ثم تقول بامتعاض: ما هذه الشخبطة؟ الم تروا ما رسمته امامكم؟!! هؤلاء هم الافضل من بين كل التلاميذ الذين رسموا اشجاراً تشبه شجرة المعلمة بالضبط. اننا نعيش بالفعل في وسط مجتمع وثقافة لا يقاس فيها الانسان بمن هو, وبما هو عليه تفكيرا وثقافة وتميزا, وانما بالذي يمتلكه وبقدرته على ان يصبح مثل الآخرين تماماً, فإذا كان كذلك وامتلك الكثير فهو شخص عظيم, والا فهو تافه لا يستحق الالتفات. هذه الثقافة التربوية تحتاج إلى مراجعة جذرية, وهؤلاء الذين يحاولون ان يكونوا هم انفسم وليسوا مجرد نسخ ما عليهم سوى التمسك بأشجارهم الخاصة التي يعرفونها بثقة وثبات والا يتنازلوا عنها لأنهم نسيج متفرد, وهم متفردون وليسوا نسخا بما يملكون في ذواتهم الا في جيوبهم او ارصدتهم البنكية, هؤلاء سيصحبون لا شيء بمجرد ان يتحولوا الى اشخاص آخرين يشبهون غيرهم. عائشة ابراهيم سلطان