مفهوم الخواء او الفراغ قديم, ومفهوم يعني تصور وجود منطقة فارغة, وذلك يعني وجود منطقة مستهدفة من جانب الدولة المنفذة للسياسة الخارجية المستلهمة لمفهوم الفراغ, وتتبنى هذا المفهوم في الوقت الحاضر اوساط حكومية وأوساط غير حكومية لها وزنها في الغرب وخصوصا في سياق العالم النامي، تضمنت التأثيرات المتبادلة طيلة قرون بين مختلف التيارات الفكرية والعقائدية في شتى مجالات الحياة في الغرب مضامين عقائدية واقتصادية واستراتيجية وسياسية, وقد ادت هذه التأثيرات الى شيوع هذا المفهوم والى تبنيه, ولكل هذه الاوساط اثرها في حياة شعوب العالم اجمع, بما في ذلك شعوب العالم النامي, ولمفهوم الفراغ شأنه شأن مفاهيم اخرى, ابعاده المتداخلة. يتضمن هذا الفراغ ابعاد الفراغ السياسي والثقافي والاقتصادي والسكاني والعسكري والنفسي ومن الجلي ان هذه الابعاد هي الابعاد او الجوانب الرئيسية لحياة الدولة والشعب, ويندرج في مفهوم الفراغ السكاني مفهوم عدم وجود شعب من الشعوب ومفهوم وجود ارض بلا شعب, ويندرج في مفهوم الفراغ السياسي والفراغ الثقافي والفراغ الاقتصادي والعسكري, عدم وجود قوة سياسية وقوة ثقافية وقوة اقتصادية وعسكرية لها الوزن او الثقل السياسي والثقافي والاقتصادي والعسكري في دولة او منطقة الذي يجعل دولا اخرى او مناطق اخرى تراعي هذا الوزن وتحترم الدولة والمنطقة ذات الوزن هذا وترتدع عن التدخل في شئونها وتحرص على مراعاة واعتبار تلك الدولة او المنطقة على عدم الانغواء بتحقيق مفهوم الفراغ حيالها. وتوجد اسباب مختلفة لتبني دولة لسياسة خارجية تستلهم مفهوم الفراغ ومن هذه الاسباب الحافز الاقتصادي والاستراتيجي لدى الدولة اذ عن طريق تنفيذ هذه السياسة تسعى الدولة الى النهوض بمصالحها الاقتصادية والاستراتيجية على الساحة الخارجية ومن هذه الاسباب ايضا التركة الثقافية التاريخية القيمية, اذ يمكن لهذه السياسة المنفذة ان تكون صدى لتركة ثقافية قيمية معينة او ان تكون انعكاسا لتلك التركة او ان تكون اداة لتحقيق رؤية ورؤيا تلك التركة, ومفاهيم من قبيل (رسالة الرجل الابيض) و(عبء الرجل الابيض الحضاري) و(رسالة الرجل الابيض التحضيرية) و(نقل الحضارة الغربية الى العالم الوثني) وغيرها من المفاهيم, تندرج في اطار التركات الثقافية التاريخية والسياسية والتي أرادت تلك السياسات الخارجية ان تخدمها, كما ان تلك المفاهيم استعملت لتبرير مضامين السياسة الخارجية لتلك الدول. ومن تلك الاسباب ايضا طبيعة ديناميكا العلاقات بين الاشياء وفي هذا السياق بين البلدان المختلفة وتتمثل هذه الطبيعة في ميل الدولة الى ملء الفراغ القائم. يبدو ان الفراغ لا يحتمل على الساحة الدولية وان الفراغ يستدعى ويجتذب قوى الى ملئه وبتالي حتى لا تنجذب قوى الى ملء فراغ من الفراغات يتعين على الدولة ان تمنع نشوء فراغ في محيطها وبقيام دولة بملء فراغها في الميدان السياسي والاقتصادي والعسكري والثقافي تجنب الدولة نفسها اغراء قويا, ـ بما في ذلك دول ـ باقتحامها. ودول العالم الثالث دول تعاني من الفقر والتخلف والضعف العسكري والتكنولوجي ومن عدم الكفاية في التنمية وبالتالي فانها دول تستهدفها الدول التي تتبع سياسة خارجية تقوم على اساس مفهوم الفراغ. وقيام دولة بتنفيذ سياسة تستلهم مفهوم الفراغ حيال دولة اخرى يتوقف على تصور الدولة الاولى لقوة الدولة الثانية ولقدرة الدولة الثانية على التصدي لتنفيذ هذه السياسة. وتصورات الدولة الاولى لقوة الدولة الثانية تستند, مما تستند اليه, الى القوة الاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية الفعلية لتلك الدولة. وضعف بنية الدولة والافتقار الى التنظيم وانتشار الفساد والجهل في صفوف الشعب والامية والمرض والفقر وتدني الدخول وارتفاع نسبة البطالة وعدم التماسك الاجتماعي وانعدام المرجع الاجتماعي والقيمي الاعلى.. كل هذه صفات تشكل دلائل على وجود الفراغ وهي تشكل اساسا مناسبا لان تتبع دولة سياسة تستلهم سياسة الفراغ حيال دولة تتصف بالصفات المذكورة اعلاه. وبالتالي حتى لا يكون بلد مستهدفا او حتى لا تجد دولة اغراء بمحاولة السيطرة عليه يجب على شعب ذلك البلد ان يكون متماسكا اجتماعيا وقيميا, وان يكون قويا علميا وتكنولوجيا, والا يعاني افراده من الفاقة وان تكون نسبة العاملين منه عالية وان يكون دخله مرتفعا وان يكون واعيا ثقافيا وألا يكون مستهترا بحاضره ومستقبله وبمصيره. وايضا مما يحدد مدى سهولة او صعوبة تعرض شعب للسيطرة الاجنبية, طبيعة تجربته التاريخية, الشعب الذي له ماضي من الخضوع للقوى الاجنبية يكون من الاسهل على تلك القوى ان تسيطر عليه, بينما يصعب على القوى الاجنبية السيطرة على الشعب الذي له ماض الاستقلال والآنفة, والذي يبدي افراده حرصا على الاحتفاظ بتميزهم وبشخصيتهم وبادراتهم لشئون انفسهم.