مضى اكثر من قرن على تبلور الصهيونية السياسية, ونصف هذه المدة منذ قيام اسرائيل.. ومع ذلك لم ينقطع الجدل بشأن هوية الحركة الصهيونية وكيانها السياسي, ولا سيما حجم الابعاد الدينية فيها. الرؤية صاحبة الصوت الاعلى في هذا الاطار, هي التي تروج لفكرة علمانية المشروع الصهيوني الاستعماري وضعف علاقته بالمنظورات الدينية. وكأي رؤية يقوم انصارها بحشد الحجج والذرائع يذهب اصحاب هذه الفكرة الى ان معظم القيادات الصهيونية المتنفذة كانوا من غير المتدينين. وبين هؤلاء من يغالي في طرحه ومحاولات تعزيزه بالبراهين فيشير بملء الفم الى ان كبار رجالات الدعوة الصهيونية ومنفذيها هم من (الملاحدة) وفي ندوة عقدت مؤخرا بالقاهرة, اثيرت قضية هوية اسرائيل على ضفافها, اصر احد المتحدثين على ان (موشي ديان) الزعيم الصهيوني الاسرائيلي البارز كان يحمل بطاقة هوية مكتوب في خانة الديانة فيها (ملحد!) . لم يقلب احد منا في بطاقة ديان وبقية الجوقة الصهيونية السابقة او المعاصرة او اللاحقة له. لكن الكثيرين تعرفوا على هؤلاء من اقوالهم وافعالهم. واذا كانت الحجة على مدى إلحادية هؤلاء من غير ذلك, تتأتى من استحضار بعض هذه الاقوال والافعال, وهذا هو الاسهل من تفتيش بطاقات الهوية بالطبع فثمة ما يدحض فكرة الإلحاد لديهم. او على الاقل ثمة ما يؤيد وجود الهاجس الديني ـ التوراتي ـ في مقاربتهم للصراع الذي تولد من رحم مشروعهم السياسي. من ذلك مثلا, تصريح موشي ديان (اذا كنا نملك الكتاب, وإذا كنا نعتبر انفسنا شعب التوراة فينبغي ان نملك ارض التوراة بلاد القضاة, ارض اورشليم وصبرون واريحا, واماكن اخرى) .. (جيروزاليم بوست 10/8/1967) وتصريح جولدا مائير وجد هذا البلد تنفيذا لوعد الرب ذاته.. ولهذا لا يصح ان نسأله ايضاحا عن شرعية ذلك الوجود (لوموند 15/10/1971) وينسب الى مناحم بيجين قوله (لقد وعدنا هذه الارض.. ولنا حق فيها) .. (دافار 14/12/1978). وبوسع اي متابع جاد لمصادر شرعية الكيان الصهيوني في العقل القيادي الصهيوني الاسرائيلي, ان يعثر على تراكم كبير لمثل هذه الافكار في سلسلة لا تبدأ بموسى هس (1811 ـ 1875) ولا تنتهي بايهود باراك. ولا فرق في هذا السياق بين من يتدثر من هؤلاء برداء اليمين او الوسط او اليسار. ايضا هناك مدخل آخر, اسهل من الاطلاع على البطاقات الشخصية وهو مطالعة بطاقة الدولة الصهيونية للتعرف على هويتها وهنا لا مجال للتشكيك في اعتبار اسرائيل على رأس الدول الدينية في العالم المعاصر, ان لم يكن على مدار التاريخ. ذلك بأننا اذا نحينا جانبا النصوص الصهيونية المفعمة بالمكنونات التوراتية, على صعوبة هذا الاجراء فإننا لا نملك تجاهل استلهام هذه المكنونات في الوثائق الاساسية لهذه الدولة. ان القوانين المحددة لملكية الارض وقوانين العودة والجنسية وعلاقة اسرائيل بيهود العالم, فضلا عن قضايا حقوقية عدلية اخرى لا حصر لها, لا يمكن ان تفهم او تفسر بمعزل عن المضامين الدينية العنصرية لدولة اسرائيل. اكثر من ذلك كله في دلالته على مسألة الهوية, ان الصهيونية السياسية بدأت في الاصل, قبل هرتزل ومؤتمر بالي بكثير, كمشروع ديني ومن منطلقات دينية وتفسيرات لاهوتية, تولاها زعماء فكريون ورجال حركة سياسية غير يهودية. وليس غير هذه التوليفة السياسية الدينية, يمكنه ان يفسر استقرار الصهاينة الأوائل ومن والاهم في عالم الغرب على فلسطين لتنفيذ مسعاهم الاستعماري. هذا كله لا ينفي ولا يتعارض وفكرة استخدام الابعاد الدينية لأهواء استعمارية استغلالية, ولا مع فكرة ان هذه الابعاد اسطورية ومكذوبة ولا تاريخية. فالمهم فيما يخص قضية الهوية هو تأثير هذه الابعاد على عمليات الحشد والتعبئة وبناء الانصار والتحالفات في الواقع العملي. وكذا تأثيرها على مفهومي الذات والآخر داخل الصهيونية وكيانها السياسي وقبل ذلك وبعده, التداعيات التي تترتب على الغلاف الديني للمشروع الصهيوني تجاه قضايا الصراع صعودا وهبوطا. فبدون هذا الغلاف يصعب على الصهيونية فكرا وحركة ودولة, تأليف اجماع حول قضية القدس.. وبدونه تسقط دعوى نقاء الدولة (اليهودية) المسداة في وجه حق العودة الفلسطيني. نود القول, ان المضمون الديني للصهيونية على زيفه وعدم منطقيته وعنصريته, ما زال يعمل ويسعى بين يدي المشروع الصهيوني. وليس التأييد اللامحدود الذي يلقاه هذا المشروع من قوى غربية بعينها سوى احد تجليات هذا المضمون. وغني عن الذكر, كيف ان بطلان ادعاء صيانة اسرائيل لمصالح الغرب المادية, متعددة العناوين في اكثر من مناسبة بل وثبوت ان هذه الدولة تمثل احيانا عبئا على هذه المصالح, لم تحجب استمرارية تأييد اسرائيل ودعمها من هذه القوى.. وفي كل حال, فإنه من التجاوز وعدم الموضوعية بمكان, الاعتماد على استطلاعات الرأي او حتى على ميول الافراد الدينية, لقياس تأثير الابعاد الدينية على السياسة الاسرائيلية. فمن الصعب تماما في التحليل النهائي الحكم على ضمائر الافراد من افواههم. الافضل والاجدى في تقديرنا ان نتابع هوية الدولة الصهيونية ذاتها من اصولها الفكرية ومواثيقها القانونية وتعاطيها مع قضايا الصراع. وسوف نصدق الزعم بفصل الدين عن الدولة هناك, حين نلمس بالبرهان تجليات عملية حقوقية لهذا الفصل, وهو امر بعيد المنال في تصورنا. كاتب فلسطيني ـ القاهرة