لم يكتف باراك بالقول انه ذاهب لواشنطن بلاءاته بل اضاف انه عائد بها ايضا, وهذا التشدد الذي يصل حد الغطرسة لا يمكن اخذه من باب الرد على منتقديه ومعارضيه في صفوف حكومته او في صفوف اليمين الاسرائيلي عموما, كما لا يمكن تفسيره من باب تصعيد الازمة كمقدمة لانفراجها على قاعدة اشتدي ازمة تنفرجي. فالجنرال الذي غادر لباس العسكرية دون ان يغادر عقليتها يراهن على مجموعة من اوراق القوة التي يملكها بين يديه, فهو اولا يذهب الى القمة محققا انتصاره الاول قبل ان يغادر مقر حكومته, وذلك بفرضه عقد القمة على الطرف الفلسطيني الذي كان يعارض عقدها قبل تحقيق انجازات ملموسة في المفاوضات, وفرضها ايضا على الرئيس الامريكي الذي لم يستطع مقاومة الرغبة الاسرائيلية في عقد القمة. وثانيا هو يذهب الى القمة ومعه كل عوامل القوة التي تتفوق بها اسرائيل على الطرف الفلسطيني سواء من حيث امتلاكها لعناصر القوة العسكرية والمادية, او من حيث وجودها الاحتلالي والاستيطاني فوق الارض الفلسطينية. وثالثا يذهب باراك الى القمة مراهنا على ضعف الادارة الامريكية في ايامها الاخيرة وعجزها عن ان تمارس اي نوع من الضغوط عليه, ـ حتى في حال رغبتها ذلك, وهي لن ترغب ـ هذا فضلا عن رهانه على طاقم الادارة الامريكية اليهودي الذي يقود المفاوضات ويشرف عليها بدءا من وزيرة الخارجية وانتهاء (بالساعي) الذي يقدم القهوة والشاي لزبائنه المفاوضين المحترمين, وعلى الثقل الصهيوني في الولايات المتحدة الامريكية, الذي سيكون سلاحا آخر بيد باراك, واخيرا فإن باراك سيستفيد من مشهد الاستقالات الذي ودعه به عدد من وزراء حكومته فسواء كان المشهد حقيقيا ام متفقا عليه, فإنه سيوظفه للدفاع عن لاءاته. على الجانب الآخر يقف الفريق الفلسطيني كالطالب الذي استدعي على عجل لتأدية امتحانه النهائي دون استعداد كاف لهذه اللحظة, مع علمه بصعوبة الامتحان, وضرورة النجاح فيه, او على الاقل عدم الرسوب, فكثير من اوراق القوة لم يراجعها, وكثير من الاسلحة لم يستخدمها, وبين ظهرانيه اصوات نشاز تدعوه للتحلي بالمرونة والواقعية, وعدم استفزاز الادارة الامريكية برفض نصائحها وطلباتهاو وكثير من اخوانه العرب الرسميين ممن يرتجفون عند سماعهم لاسم الولايات المتحدة, تركوه وحيدا دون ان يقدموا له الدعم, واقتصرت ادوارهم على تقديم النصائح المثبطة لعزيمته والتي تجعل منهم عونا عليه بدلا من ان يكونوا عونا له. لكن ذلك لا يعني ان الطرف الفلسطيني لا يملك من عناصر القوة ما يمكنه من الصمود في الدفاع عن خطوطه الحمراء, فهو يتسلح بالقوة المعنوية للحق الذي يملكه, وهي قوة كافية لتصليب موقفه, وهو ايضا يستند الى اجماع شعبي, يتحقق لاول مرة منذ سنوات يدعوه لعدم التنازل او التفريط ويتشوق لاطلاق طاقاته الحبيسة للدفاع عن حقوقه بعد ان قيدت لسنوات, وهي طاقات خبرها العدو ويحسب لها الف حساب, وقد تجسد هذا الاجماع في قرارات المجلس المركزي الاخيرة, وفي الوفد الوطني الكبير المتعدد القوى والشخصيات الذي يرافق الفريق الفلسطيني الى مفاوضات كامب ديفيد, ويتجسد ايضا في التحركات الشعبية الواسعة, التي تشمل ارجاء الوطن ومناطق الشتات, معلنة دعمها لصمود المفاوض الفلسطني وداعية اياه للثبات على الثوابت الوطنية, ومحذرة في الوقت نفسه من تراجعه عن اي من هذه الثوابت, او المساومة عليها, او مقايضة حق بحق, لان في ذلك اخلالا بشروط العقد المبرم بين الشعب وقيادة المنظمة, واخلالا بالتالي بأسس التفويض التي قام عليها تمثيل المنظمة للشعب الفلسطيني. وهكذا يدخل الطرفان الى القمة بأهداف متعارضة الى حد التصادم وبموازين قوى ليست متكافئة ولذلك فإن صراع الارادات سيكون له دور اساسي في المعركة, خاصة بالنسبة للطرف الفلسطيني ذلك ان القمة عقدت اصلا لحشره وكسر ارادته التي تشكل عدته الرئيسية. من هنا تبدو اهمية وعي الطرف الفلسطيني لهذا الهدف الاسرائيلي الامريكي واهمية وعيه ان الحفاظ على قضيته وثوابته يتقدم كثيرا على دوره المطلوب لانجاح القمة, مهما جرى تحذيره من نتائج فشل القمة, فهذه القمة ليست له ولم تكن خياره واستعجالها لم يكن مطلبا له, حتى يكون المسئول عن انجاحها ولو على حسابه. ومن طالب بها بإلحاح, ومن دعا اليها هما المسئولان بالدرجة الاولى عن توفير اسباب النجاح لها, فكل القضايا المطروحة هي بيد اسرائيل, الارض واللاجئون والقدس والاستيطان والطرف الفلسطيني لا يملك شيئا يقدمه غير منح السلام لاسرائيل وثمنه هو كل الاوراق التي تمسك بها اسرائيل, ولا تكون المقايضة عادلة إلا اذا قامت على هذا الاساس, وهذا هو مقياس نجاح القمة من وجهة نظر الشعب الفلسطيني ومؤسساته وقواه الوطنية فاذا كانت اسرائيل معنية بالسلام فهذا هو ثمن السلام, واذا كانت الادارة الامريكية معنية بانجاح قمتها فهذا هو سبيل النجاح. وبالتالي فإن نجاح القمة او فشلها ليس مسئولا عنه الطرف الفلسطيني ولن يحاسب عليه وحتى لو لم يعد الفريق الفلسطيني من هذه القمة بأية مكاسب او انجازات, فإن شعبه لن يحاسبه على ذلك, لكن الحساب سيكون عسيرا اذا عاد منها بخسائر في اية قضية من القضايا الوطنية, ولن اغالي اذا قلت ان الشعب الفلسطيني لا ينتظر من القمة اية انجازات بل ربما كان الانجاز الوحيد الذي ينتظره هو ألا يعود وفده خاسرا, والخسارة هنا ليس لها إلا مفهوم واحد هو ان يتنازل الوفد عن لاءاته او اي منها, او ان يوقع على اتفاق دائم ينهي بموجبه الصراع دون تحقيق حقوقه الوطنية الثابتة, ذلك ان الفريق الفلسطيني يخوض مباراته على ارض خصمه, ويقف ضده فيها فريق الخصم القوي والمستعد للمباراة, والمدعوم بالارض التي تدرب على ملعبها جيدا وبالجمهور الذي يهتف له ليل نهار, وبالحكام المنحازين له كليا, لذلك فإن اقصى ما يطمح اليه الفريق الفلسطيني هو ان تنتهي المباراة في وقتها الاصلي والاضافي دون ان يدخل مرماه اي هدف, حتى لو لم يتمكن هو من تسجيل اهداف ونتيجة التعادل هذه اذا ما تحققت هي بالتأكيد مرضية للغاية بل تعد في ظل الظروف التي تجري فيها المباراة انتصارا كبيرا له وعليه فإن الفريق الفلسطيني مطالب بأن يضع خطة دفاعية محكمة يختار لها افضل لاعبيه ويحشدهم امام مرماه ليسد اليه كل المنافذ. ترى هل ينجح الفريق الفلسطيني في ذلك؟ هذا ما نتمناه على امل ان نكون اكثر استعدادا لمباراة الحسم المقبلة. كاتب فلسطيني