أكثر ما يعذبني في حبك.. أنني لا أستطيع أن أحبك أكثر.. وأكثر ما يضايقني في حواسي الخمس أنها بقيت خمسا.. لا أكثر.. إن امرأة استثنائية مثلك تحتاج إلى أحاسيس استثنائية.. وأشواق استثنائية.. ودموع استثنائية.. تحتاج الى كتب لها وحدها.. وموت خاص بها.. وزمن بملايين الغرف تسكن فيه وحدها.. أكثر ما يعذبني في اللغة.. أنها لا تكفيك.. وأكثر ما يضايقني في الكتابة أنها لا تكتبك.. أنت امرأة لا تكتب.. مع ثمان وعشرين حرفا لا تكفيني لتغطية بوصة واحدة من مساحات أنوثتك.. ولا تكفيني لإقامة صلاة شكر واحدة.. إن ما يحزنني في علاقتي معك أنك امرأة متعددة.. واللغة واحدة.. فماذا تقترحين أن أفعل كي أتصالح مع لغتي.. وأزيل هذه الغربة بين الخزف وبين الأصابع.. بين سطوحك المصقولة.. وعرباتي المدفونة في الثلج.. بين محيط خصرك وطموح مراكبي.. لاكتشاف كروية الأرض.. في القطار المسافر بين (نيس) و (باريس).. ثم في الطائرة المحلقة بين مطار (شارل ديجول) في (باريس) ومطار (هيثرو) في (لندن).. ثم في (التاكسي) الانجليزي التقليدي المنطلق على مهل من مطار (هيثرو) الى فندق (كلاريدج) كتب نزار قباني هذه القصيدة التي نشرها بعنوان (حب استثنائي لامرأة استثنائية) والتي وضعها على صدر ديوانه: (كل عام وأنت حبيبتي). كنت في انتظاره لتناول القهوة في صالون الفندق الشهير الذي يعتبره الإنجليز آخر رموز إمبراطوريتهم التي كانت لاتغرب عنها الشمس.. وخلال خمسة فناجين من القهوة متعددة الجنسيات - فرنسية وايطالية وأمريكية وسويسرية وعربية - قرأت القصيدة.. وتأملت كيف ولدت على فراش من ورق أبيض أنيق أخذه من فندقه الذي كان ينزل فيه في باريس.. وكأنه مستشفى ولادة متنقلة تنقذه لو جاءت له حالة مخاض شعري مفاجئ.. وعرفت أن بطلة هذه القصيدة هي امرأة جاوزت الثمانين وقع في هواها من أول لحظة رآها في قصرها المعزول المسمى (ياكيمور) في مدينة (كان).. ولم يكن من الصعب أن أعرف أن هذه المرأة هي (إيفيت أدريان لابروس) التي نعرفها باسم (البيجوم).. أو (أم حبيبة).. أو (ماتا سلامات).. أو (أم السلام). قلت لنزار قباني: هل سحر هذه المرأة طاغيا الى حد أن تلهمك بقصيدة لم تمنحها لامرأة تصغرها بستين سنة؟ قال: لقد أسقطت عنها تجاعيد الزمن وأعفيتها من حفرياته وخطوطه وركبت معها آلة الزمن بعد أن خلعت عني ملابس (الكجوال) التي استقبلتني بها وألبستني ثياب وشخصية (البيجوم أغاخان).. قبل عشرات السنين.. إنها لم تكن هي المرأة التي قدمت لي (البان كيك) المحشو بقواقع البحر مع الخضار المسلوق على البخار.. وإنما كانت المرأة الساحرة التي نافست البيجوم أغاخان على السقوط في هواها.. هو بالمال وأنا بالشعر.. هو زعيم طائفة الاسماعيلية.. وأنا زعيم طائفة العشاق.. الصوفية.. والحسية.. ولكن.. كان لكل منا نظرته الخاصة اليها.. أنا نظرت اليها كامرأة.. وهو نظر اليها كقديسة. وسألته: وهي كيف نظرت الى نفسها؟.. فقال: أعجبها دور القديسة.. ولذلك فقد عاشت في قلوب العشاق.. وحصلت على وسام الرومانسية من الطبقة الأولى.. ولكن.. لم يمنعني ذلك من أن أتخيلها كشاعر على هواي الخاص.. دون أن أخبرها بما فعلت.. فأنا لا أتحدث إليها الآن.. ولكن أتحدث اليها قبل نصف قرن على الأقل. إن البيجوم (نزار خان) يعيد صياغتها بالشعر بعد أن أعاد البيجوم (أغاخان) صياغتها بالعشق.. يهمس لها: (ربما كنت راضية عني.. لأني جعلتك كالأميرات في كتب الأطفال.. ورسمتك كالملائكة على سقوف الكنائس.. ولكني لست راضيا عن نفسي.. فقد كان بامكاني أن أرسمك بطريقة أفضل وأوزع الورد والذهب حول خصرك.. بشكل أفضل.. ولكن الوقت فاجأني.. وأنا معلق بين النعاس.. وبين الحليب.. وبين النعاس.. وبين البحر وبين أظافر الشهوة ولحم البحر.. بين الخطوط المنحنية والخطوط المستقيمة.. ربما كنت قانعة مثل كل النساء.. بأية قصيدة حب تقال لك.. أما أنا فغير قانع بقناعتك.. فهناك مئات من الكلمات تطلب مقابلتي.. ولا أقابلها.. وهناك مئات من القصائد.. تجلس ساعات في غرفة الانتظار فاعتذر لها.. إنني لا أبحث عن قصيدة ما.. ولكني أبحث عن قصيدتك أنت). وكدت أن لا أصدقه وهو يقول أنه لم يعرف عن هذه المرأة الأسطورة سوى ما هو شائع.. أنها أحبت رجلا أكبر منها بحوالي أربعين سنة وأنها أخلصت له الى حد الذوبان والغاء الحياة.. وأنها كانت تضع كل يوم وردة حمراء على مقبرته التي اختارها بنفسه قبل وفاته في جنوب أسوان.. إن الشاعر لايحتاج لملفات المعلومات والمخابرات ليعرف كل شئ عن الذين يحرضون قصائده على اللعب بأوراقه الملونة.. تكفي مشاعره.. تكفي فراسته التي تخترق الروح.. وترسمها.. وتحصد خلاياها.. أما تقارير الاعلام والمعلومات فهي مثل الجسد مصيرها التحلل والضياع والفناء. في اليوم نفسه أرسلت لنزار قباني كتابا عن (سندريلا القرن العشرين.. البيجوم أم حبيبة) وزوجها السلطان (محمد شاه) أو البيجوم (أغاخان) الثالث زعيم الطائفة الاسماعيلية.. أردت أن أقول له: إنك أيها الشاعر على حق.. لقد قلت شعرا ما رسمته الأقدار نثرا.. إن النفس العظيمة يمكنها أن تكتشف غموض الآخرين دون حاجة لأجهزة تجسس.. دون حاجة لعيون المخبرين والبصاصين.. دون حاجة للأقمار الصناعية. لقد ولد محمد شاه في الثاني من نوفمبر عام 1877.. تزعم الطائفة الاسماعيلية وهي أحد الطوائف الشيعية.. ويصل عدد أتباع هذه الطائفة الى 25 مليون شخص.. وهم يقدسون زعيمهم الروحي ويتبعون تعاليمه بغير تحريف.. أو تجديف.. وكانوا يزنونه ذهبا.. والآن يضيفون الماس للذهب.. لذلك فهو الأكثر ثراء على وجه الأرض دون مناجم فحم أو آبار بترول أو شركات (مايكروسوفت).. دون رشاوي أو نهب أو عمولات توضع اسمه في حسابات سويسرا السرية.. فشعبه يدفع له بكامل رضائه.. إن القدسية (الدينية) توفر ما لا توفره الديكتاتورية (السياسية) أحيانا. وقد قاد محمد شاه حركة المقاومة الاسلامية ضد البريطانيين في الهند.. وطنه.. وهو ما أهله لأن يلعب دورا في عصبة الأمم.. المنظمة الدولية التي تكونت بعد الحرب العالمية الأولى.. ولأن يلعب دورا في تحديد مستقبل الهند في مؤتمر (المائدة المستديرة) الذي عقد في عام 1930 في لندن بحضور ممثلي الطوائف والمذاهب المختلفة في بلاده.. ولكن.. كان كفاحه الاجتماعي أشد ضراوة من كفاحه السياسي.. فهو الذي كشف للعالم مأساة المنبوذين في الهند.. الذين تقدم نساؤهم للدعارة المقدسة تحت مسمى (خادمات الرب).. انهن من الطبقات الدنيا.. يضعن عقودا من الخرز الأحمر مع ميداليات من الفضة.. ويقدمن بعد البلوغ قربانا للرب في معابد الهندوس.. ثم يجدن أنفسهن عاهرات لزوار المعبد والمترددين عليه مقابل كسرة خبز.. أو قطعة ثوب.. وأحيانا يكون ذلك بلا مقابل.. كما نشرت مجلة (نيوزويك) مؤخرا.. ولدوره في مواجهة هذه الظاهرة - منحته جامعة (كمبريدج) الدكتوراه الفخرية في عام 1911.. وكان قد حصل منها على ليسانس (الحقوق).. وهو ما شجعه على الانضمام لنقابة المحامين المصريين فيما بعد. أما هي.. فابنه سائق (ترام).. و (خياطة).. اسمها (ماري بويه).. ولدت في 15 فبراير عام 1906.. وبعد عام ونصف العام انتقلت اسرتها الى مدينة (كان) على الشاطئ الفيروزي في شقة متواضعة في الشوارع الخلفية لتتمكن أمها من كسب مزيد من النقود من مهنة (الخياطة).. في ذلك الوقت كان الأثرياء الذين يقصدون جنوب فرنسا لايميلون للملابس الجاهزة حتى ولو كانت من تصميم أرقى بيوت الأزياء في باريس.. إن التكرار والاعلان عن الثوب يفقده تميزه.. وقد كانت (ماري بويه) تمنحهم بموهبتها التميز والخصوصية.. وكانوا يمنحونها ما يكفي اسرتها من المال.. وإن كانوا يستحوذون عليها طوال الوقت.. فلم تكن تعرف ما تعاني منه ابنتها.. وكان كل همها أن تعلم (ايفيت) مهنتها.. لتساعد نفسها على مواجهة الحياه.. وكان كل طموح (ايفيت) أن تكون عارضة أزياء. كانت (ايفيت) رشيقة.. طويلة.. طولها امتد ليصل الى 180 سنتيمترا.. وهو طول مثالي لفتاة تحلم بأن تكون عارضة أزياء.. ولكن طولها لم يكن في طفولتها نعمة.. كان مثار سخرية زميلاتها في المدرسة.. وهو ما جعلها تنعزل عنهن.. وتتوارى وراء الجدران المتواضعة.. وقد ظلت حتى وفاتها تلجأ للعزلة كلما شعرت بقسوة الحياة أو بقسوة من حولها.. ولم تعرف (ايفيت) قيمة رشاقتها ونعمة طولها إلا عندما انتخبت ملكة جمال فرنسا في عام 1930.. وكان عمرها 24 سنة.. إن الجمال سلطة وقوة.. تفتح أمامها الأبواب العالية المغلقة.. وهكذا.. راح أثرياء العالم يدعونها في حفلاتهم الخاصة.. وفي بيت (كريم ثابت) بالقاهرة كان هناك أغاخان.. الذي راح يتابعها طوال السهرة بعينيه.. وراح يسأل عنها كل نساء الحفل.. ولم تتردد النساء في أن يكشفن من باب الغيرة أصلها المتواضع.. لكن.. السلطان الاسماعيلي رقم (48) لم يكن يعنيه سوى أن يعرفها.. ويأخذ موعدا معها.. لقد بهره جمالها.. وسقط في هواها.. وجمده في مكانه سحرها.. كما أنه كان يتفاءل بالقاهرة التي بنى أجداده فيها الأزهر الشريف.. كما أن الانجليز عرضوا عليه أن يكون سلطانا على مصر - وهو الهندي المولد الايراني الجنسية - في وقت كانت بينهم وبين السلطان أحمد فؤاد أزمة سياسية حادة قبل أن يصبح ملكا على البلاد.. وقد رفض أغاخان العرض.. وقال: إن الخلود في مصر ليس أن تحكمها وإنما أن يكون لك مقاما وضريحا فيها. في أول لقاء جاء وهو يحمل حقيبة جلدية في حجم حقائب السفر.. كان في داخلها مليون فرنك فرنسي.. كانت هدية الخطوبة.. أما هدية الزواج فكانت حقيبة مثلها.. ولكن في داخلها مجوهرات وحلي وذهب وماس.. كان في داخلها كنز (علي بابا).. ولم تكن في حاجة لكلمة السر.. كلمة (افتح ياسمسم).. كانت كلمة السر ابتسامتها.. ولم تقاوم (ايفيت) بريق الثروة ولا بريق القداسة.. وكانت زوجته الثالثة والأخيرة بعد زوجته الايطالية (التي أنجب منها ابنه الأكبر علي) وزوجته الفرنسية (التي أنجب منها ابنه الثاني صدر الدين). لقد أخذت الدنيا والآخرة في لحظة واحدة.. أخذت الثروة والصوفية معا.. وهو ما لم يعجب نزار قباني الذي يقول في قصيدته التي تقمص فيها دور البيجوم أغاخان: ( أكثر ما يعذبني في تاريخي معك.. أنني عاملتك على طريقة بيديا الفيلسوف (مؤلف كتاب كليلة ودمنة).. ولم أعاملك على طريقة رامبو (شاعر يتوارث الفرنسيون أشعاره).. وزوربا.. وفان جوخ.. وديك الجن.. وسائر المجانين.. عاملتك كأستاذ جامعي.. يخاف على طالبته الجميلة حتى لا يخسر شرفه الأكاديمي.. لهذا أشعر برغبة طاغية في الاعتذار اليك.. عن جميع أشعار التصوف التي أسمعتك إياها.. يوم كنت تأتين الي مليئة كالسنبلة.. وطازجة كالسمكة الخارجة من البحر). لقد نفى نزار قباني تاريخها الرومانسي.. العاطفي.. ونظر اليها نظرة رجل عادي لامرأة عادية.. وإن وصفها كامرأة استثنائية.. انني عاتب على جسدي.. لأنه لم يستطع ارتداءك بشكل أفضل.. وعاتب على مسامات جلدي.. لأنها لم تستطع أن تمتصك بشكل أفضل.. وعاتب على فمي.. لأنه لم يلتقط حبات اللؤلؤ المتناثرة على امتداد شواطئك بشكل أفضل.. وعاتب على خيالي.. لأنه لم يتخيل كيف يمكن أن تنفجر البروق.. وأقواس قزح). إن نزار قباني أراد أن يعيد صياغة حياتها على هواه كشاعر.. أراد أن يرسم لها صورة غير صورتها.. صورة رفضتها.. فقد تركت الحياة وتفرغت لذكرى زوجها الذي عاشت معه سنوات طوال.. لم تفكر في رجل آخر غيره رغم أنها كانت محتفظة بجمالها وسحرها يوم رحل عنها.. فضلت الاعتزال بعيدا عن عيون الفضوليين.. وراحت ترسم وتنحت وتعزف الموسيقى وتصور الطبيعة الخلابة في سفراتها.. وتوزع الخير على بقاع الأرض.. ولو كانت هذه المرأة قد وافقت على الصورة التي رسمها لها نزار قباني في ما بعد لما كانت قد تحولت الى أسطورة عشق رومانسية خالدة.. كانت ستصبح مجرد امرأة جميلة.. ورثت مالا عن زوجها الذي كان يكبرها كثيرا.. وراحت تبعثره على حياتها التي عاشتها بالطول والعرض.. لكن.. من حق الشاعر أن يرى الواقع ويتخيله كما يشاء.. حتى لو بقى هذا الواقع عنيدا.. لايغير. قبل وفاته في يونيو 1957 بشهور قليلة (وكان قد تجاوز الثمانين) راح يفتش على أجمل مكان يمكن أن يدفن فيه.. واختار له (كمال الملاخ) ربوة الجبل المطل على غرب نيل أسوان.. هناك الدفء كله مع شموخ الارتفاع).. وتولى تصميم المقبرة مهندس متخصص في العمارة الاسلامية هو محمد الشافعي.. استوحاها من جامع الجيوشي الفاطمي الطراز والقائم على ربة جبل المقطم شرق القاهرة.. ولكن.. قبل أن يكتمل بناء الضريح مات أغاخان فجأة في سويسرا.. فدفن مؤقتا في فيلته المسماة (نور الصباح) والمقامة على الطراز الهندي بالقرب من الضريح.. وعندما اكتمل الضريح نقل الجثمان اليه.. لكن قبل الضريح وبعده كانت هناك وردة حمراء من (أم حبيبة) اليه.. فيها كل نعومة القلب الوحيد الذي يحتفظ بكل الخيال في العشق.. ويحتفظ بالأنفاس.. والذكريات.. والملامح.. والتفاصيل الصغيرة.. لقد أصبحت - رغم أنف الشاعر الكبير - أسطورة. ولذلك ففي آخر القصيدة اعتذار من الشاعر ومن سوء خياله: (اعترف لك ياسيدتي.. أنك كنت امرأة استثنائية.. وان غبائي استثنائيا.. فاسمحي لي أن أتلو أمامك فعل الندامة.. عن كل مواقف الحكمة التي صدرت عني.. فقد تأكد لي.. بعدما خسرت السباق.. وخسرت نقودي وخيولي.. إن الحكمة هي أسوأ طبق نقدمه لامرأة نحبها).