تبقى هناك تفاصيل مهمة في حياة المجتمع لا نعرف عنها شيئا ولا يمكننا القاء مسئولية الجهل بها على جهة ما, فهذه مهمة جهات علمية وبحثية حكومية أو خاصة تتولى انشاء مراكز أبحاث واستطلاعات للرأي وقياس لتوجهات الأفراد في المجتمع بالتعاون مع أساتذة الجامعات ورجال الصحافة ووسائل الاعلام الأخرى, ومن ثم تسليط الضوء الدقيق الباحث للكثير من الوجوه المغيبة والتفاصيل الدقيقة المجهولة والقضايا الحساسة المسكوت عنها... لعدم وجود جهة اهتمام واختصاص تنبش في دقائق المجتمع والناس وتدرسها وتنشر نتائجها في الصحف خدمة لكثيرين من الكتاب والباحثين ومحبي المعرفة. إننا ومن خلال الصحف وبعض النشرات ومواد الانترنت التي لا تحصى نعرف عدد ساعات العمل الاجمالية للموظف الياباني, وعدد قطع السلاح التي صودرت من طلاب مدارس الولايات المتحدة في نهاية العام 1999. وعدد مستشفيات الكلاب في هولندا, وعدد القطط في أمريكا, وعدد مقابر الكلاب الفاخرة في فرنسا, وفنادق الخمسة نجوم المخصصة لها في هولندا, وعدد الأشخاص الذين سيعيشون وحيدين بلا زواج عام 2020 في بريطانيا, واعداد المنتحرين في سويسرا, وآخر الاحصائيات المثيرة ما أفاد به كبير الجراحين ومساعد وزيرة الصحة في الولايات المتحدة (د. ديفيد ساتشر) من ان أمريكيا من أصل خمسة يعاني من اضطرابات عقلية, وان نصفهم لا يتلقون عناية طبية مطلقا. قد لا يحتاج الكثيرون لهذه المعلومات بأرقامها ودلالاتها لكنها تشكل مؤشرات هامة لآخرين يرصدون الظاهرة الإنسانية في المجتمعات الأخرى ويكتبون.. حولها, كما تفيد الباحثين والصحفيين في أمور عديدة, وحتى ان كانت بلا فائدة فهي تطرح سؤالا كبيرا: لماذا نعرف عن الآخرين كل دقائقهم مهمها وتافهها بينما لا نعرف عن مجتمعنا أهم المعلومات والأرقام, حيث يعتبر الحصول على المعلومات بسهولة مقياسا على مدى تطور المجتمعات في عصر يعرف بعصر المعلومات. إذن فمعاهد الأبحاث والأطباء وأساتذة الجامعات يبذلون جهودا كبيرة لوضع المجتمع بكل ايجابياته وسلبياته تحت مبضع الأرقام والاحصائيات وما على وسائل الاعلام سوى نشر الحقائق حتى وان كانت فاضحة أو مرعبة, فذلك أدعى لتلمس الخلاص بدل السكوت وطمس الحقائق تحت الأسطح الباردة والاكتفاء بالابتسام والتفرج على الواقع على انه أضواء نيون وصراخ فضائيات في الشوارع وشواهق الاسمنت الباذخة ومعدلات دخول عالمية. انه وفي ظل عدم وجود مراكز أبحاث واستطلاعات للرأي فنحن نفتقد دراسات ضرورية ومهمة للكاتب والصحفي وأستاذ الجامعة والباحث أيضا, دراسات تبحث في تفاصيل المجتمع والناس مثل: مستوى ثقافة طلاب الجامعة والثانويات وآراء الناس في برامج الفضائيات أو خدمات بعض المؤسسات, أو تسرب طلاب المدارس وتحركاتهم بعد تركهم للمدرسة. وعن مدمني المخدرات من طلاب الثانوية والجامعة وحتى مدمني السجائر والشيشة والكحول.. نحن لم نقرأ عن استطلاعات رأي دقيقة وعلمية حول اوضاع المرأة وحول التجربة البرلمانية النسائية وامكانية دخولها المعترك السياسي في مجتمع الامارات, ورأي النخب المثقفة والسياسية في ذلك, نعم توجد تحقيقات صحفية متناثرة حاولت ان تمس بعض هذه القضايا, لكن الذي نقصده ليس المس البسيط وانما الدراسات والتحليلات والاحصاءات الدقيقة, وهذه لاتوفرها الا مراكز الابحاث واستطلاعات الرأي التي قد تخلق فرص عمل لمئات من الشباب المواطن اضافة للخدمات الكبيرة التي ستقدمها والتي قد تستمر في مجال الاعمال الخاصة لدراسات الجدوى والدراسات الاقتصادية.. اظنه مشروعاً وطنياً قد يتحمس له رجال الاعمال إذا وجدوا فيه فائدة مادية واظن ان هذه الميزة موجودة اذا أحسن تنظيم وادارة هذه المراكز.