(أوروبا ليست الولايات الاوروبية المتحدة.. ولكنها في الطريق) هذه العبارة التي قالها لي صديقي ميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الاسبوع الماضي تكتسي اهمية بالغة هذه الايام مع وصول الدور للرئاسة الفرنسية. فباريس تعتبر نفسها منذ الخمسينيات ام الاتحاد الاوروبي. نشأ الاتحاد في الرحم الفرنسي جنينا مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حين اتفق الجنرال شارل ديجول رئيس فرنسا عام 1958 مع نظيره المستشار الالماني كونراد اديناور وشهد عام 1961 على ايديهما كذلك نشأة السوق الاوروبية المشتركة وكانت تضم 6 دول فقط وكانت المملكة البريطانية متمسكة بموقعها كجزيرة منعزلة عن البناء الاوروبي وشديدة الاتصال وراء المحيط الاطلسي اي بالولايات المتحدة الامريكية... ثم جاء الى الحكم عام 1974 كل من الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار دستان والمستشار الالماني هيلموت شميت وتواصلت بين الرجلين صداقة حميمة سجلها الرئيس الفرنسي بأحرف من نور في مذكراته بعنوان (السلطة والحياة) , واتسع الاتحاد الى 9 دول. وفي مطلع الثمانينيات وصل الى رئاسة فرنسا الزعيم الاشتراكي فرانسوا ميتران والى موقع المستشارية الالمانية زميله هيلموت كول, وتوطدت الصداقة كذلك بين القائدين واتسع الاتحاد الى 15 دولة وانضمت بريطانيا المترددة الى الاتحاد, واصبحت اوروبا بلا منازع القوة الاقتصادية والعسكرية الثانية والقوة الثقافية الاولى في العالم بعد او مع الولايات المتحدة الامريكية وفرضت على موازين القوى الدولية وضعا جديدا لعله اكثر عدلا وأقل تأزما من احادية القطب. واليوم يصل الدور على فرنسا لرئاسة الاتحاد ليصبح الرئيس جاك شيراك بالضرورة ثاني اقوى رجل في العالم بعد الرئيس كلينتون وبكل المقاييس وكذلك فإن الاقدار لعبت دورها لاعطاء بعد رمزي لهذه الرئاسة الفرنسية حين تمكن الفريق الفرنسي لكرة القدم من الفوز بالكأس الاوروبية بعد هزيمة الفريق الايطالي... مما دعا الرئيس شيراك الى مداعبة رومانو برودي الايطالي الامين العام للاتحاد قائلا: (لقد هزمناكم في كرة القدم فاعتبروا ذلك هدية من اوروبا لرئيس اوروبا الجديد) . على الصعيد الاوروبي تسعى فرنسا الى انشاء دستور موحد يساعد على التوحيد المؤسساتي والقانوني لدول الاتحاد, كما تسعى الى تجسيد قوة دفاع وتدخل اوروبية تكون عملية وقت الحاجة اليها, وكذلك تريد باريس بإلحاح بلورة سياسة خارجية مشتركة تجعل الاتحاد الاوروبي يتكلم بلسان واحد على مسرح الاحداث الدولية دون نشاز او تخبط. فقد اعطت الولايات المتحدة الامريكية بسوء معالجتها للمسألة البلقانية درسا لأوروبا ودفعتها لاحكام مواقفها تجاه الازمات العالمية لتضمن مصالحها وامنها بنفسها دون حاجة ملحة الى قوة حلف شمال الاطلسي. اما على الصعيد المتوسطي, فإن لفرنسا علاقات حميمة ـ تاريخية وثقافية واقتصادية ـ مع الساحل الجنوبي للبحر المتوسط وتحتل فرنسا الجزء الاهم من الساحل الشمالي وهي الحاضنة الطبيعية لحركة الهجرة المغاربية بالأمس واليوم وغدا. وبموافقة كل دول الاتحاد الاوروبي تنشط فرنسا لقيادة السياسة الاوروبية تجاه المغرب العربي فهي تعرف هذه الدول العربية الاسلامية وتعاملت معها عبر قرون التاريخ, وتنوي زعامة الاتحاد الاوروبي التعامل مع دول المغرب العربي. وفي اعتقادي سوف تسري الحرارة في بنود اتفاقيات الشراكة الموقعة بين الاتحاد الاوروبي وكل من المملكة المغربية وتونس والجزائر, كما ستنفتح اوروبا اكثر على ليبيا بسبب التحولات التي طرأت على علاقة ليبيا بالعالم بعد بدء محاكمة المواطنين الليبيين في هولندا. ولعل من مصلحة المغرب العربي ان ينسق جهود دوله ازاء الشراكة الاوروبية حتى لا يتقدم بدول غير متضامنة وغير متفقة على الاهداف ولا على الوسائل, مثلما هي الحال اليوم مع الاسف في غياب تفعيل حقيقي لجهاز الاتحاد المغاربي. اما على الصعيد الدولي.. فستكون رئاسة فرنسا تحت رقابة امريكية مستمرة, لأن واشنطن تعرف نزعة فرنسا الديجولية نحو الاستقلال والهوية والتأثير. وتعرف ايضا بأن رئيس الاتحاد الاوروبي الحالي هو جاك شيراك وريث السياسة الديجولية التي تنادي بالثقة والاعتزاز والعنفوان وعدم الخضوع في الدفاع للقوة الاطلسية. عن هذه النقطة الاخيرة يقول لي الصديق ميشال جوبير: (لكن واشنطن كذلك تعرف اننا في فرنسا مولعون بالخطب الرنانة والتصريحات الطنانة... اكثر من عكوفنا على العمل الجذري العميق... وهذا سيبعث على اطمئنان امريكي برئاسة فرنسا للاتحاد...!) استاذ في كلية الاعلام ـ جامعة قطر