لكن يحدث من وقت لآخر ما يرد على تلك النظرات التشاؤمية, وما حدث من تغيير في (الوضع القائم) في المكسيك الذي استمر لواحد وسبعين عاما دليل على أن كل شيء قابل للتغير, وانه لا أمان لسلطة ولا لزمان, وكل شيء زائل مهما طال الزمن, ومهما حاول البعض التمسك بخيوط سراب واهية, بشرط أن يكون هناك من يبحث عن هذا التغيير, لأن التغيير من حال إلى حال في السياسة لا يتم بإعلان الرغبة في التغيير, بل بالعمل ما حدث في المكسيك لم يكن مجرد تغيير في الأسماء, ولا تغيير في الأشخاص, بل تغيير في الحال العام لتلك الأمة التي عانت طوال قرون من آثار بقايا الاستعمار المتمثل في طبقة حاكمة, كانت ولا تزال, نصف وطنية نصف أجنبية. معظم الطبقة السياسية والعليا التي حكمت دول أمريكا اللاتينية بعد الاستقلال تنحدر من أصول أوروبية, والقليل منها من ينحدر من أصول تنتمي إلى السكان الأصليين, بل أن معظم كبار ملاك الأراضي في الوقت الحاضر ينتمون إلى الإقطاع الأوروبي, الذين ملكوا الأرض كهبة منحها لهم الاستعمار قبيل رحيله ليكون أداته. كانت السياسة جزءا من تلك الهبة الاستعمارية في كل أمريكا اللاتينية وليس في المكسيك وحدها, حيث لا يوجد بين الرؤساء ورؤساء الحكومات أو الوزراء في معظم قارة أمريكا اللاتينية الشاسعة من لهم ملامح تنتمي إلى الهنود الحمر سكان البلاد الأصليين, بل أنه في كثير من الأحيان ما يتمرد الهنود الحمر وينجحون في تمردهم, ولكن تبقى ثوراتهم عند مجرد التمرد, لأنه عند تولي السلطة الحقيقية تظهر قوة الجيش الباطشة لتعيد الأمور إلى نصابها, ولعل آخر مثال على ذلك ما حدث العام الماضي في الإكوادور ضد الرئيس اللبناني الأصل جميل معوض, لتنتهي السلطة إلى الجيش الذي سلمها لسليل (الكيوريو) , أي الذين تجري في عروقهم دماء من أصول أسبانية. ينطبق هذا أيضا على كبار موظفي الدولة, ومؤسساتها المختلفة, معظمهم ينتمون إلى تلك الطبقة, من هنا كان الحزب الثوري الدستوري المكسيكي ممثلا لتلك الطبقة التي حكمت بأساليب الاستعمار رغم رحيله, وبقيت محافظة على مميزاتها الطبقية والمادية, رافضة أي نوع من التنازل عن تلك الامتيازات, ولو لمجرد تقديم مسكن يخفف من حدة الفقر الذي يمتد إلى ما يزيد على نصف شعب المكسيك طبقا لإحصائيات دولية, في دولة ثرية بموادها الخام وعلى رأسها البترول التي تعتبر من كبار مصدريه. لذلك لنا أن نتخيل أن ينهزم الحزب الذي حكم البلاد لأكثر من سبعة عقود متتالية, فان هذا يعتبر حدثا غير عادي, على الرغم من أن حزب الحكومة القادم يميني النزعة, ومرشحه للرئاسة يتمتع بسمات أوروبية لا تخفى على احد, بل أن لقبه (فوكس) أمريكي شمالي, ولم يكن بعيدا عن تطلعات الرأسمال الأمريكي في البلاد, فقد كان رئيسا لمجلس إدارة شركة (كوكاكولا) المكسيك, التي تعتبر رمز الشركات المتعددة الجنسية المسيطرة في زمن (العولمة الاقتصادية) . رغم ذلك يعتبر محترفو السياسة في المكسيك, من المعارضين بالطبع, تلك الهزيمة حدثا غير عادي, وعلامة على أن لكل (سلطة نهاية) , بل هذه الهزيمة بداية لإرساء قواعد الديمقراطية الأساسية القائمة على تبادل السلطة. إلا أن من يقفون على الجانب الآخر يرون فيما حدث كارثة, وبدءوا في البحث عن مسئول عن تلك الكارثة التي أفقدتهم السلطة التي تربعوا على عرشها لأكثر من سبعة عقود. من هنا يمكن القول أن النصر السياسي الذي حققه الرئيس المقبل فيثنتي فوكس, بفضل تخلي اليسار عن حرفيته الأيدلوجية, واتخاذه موقفا برجماتيا بانحيازه له, لأنهم رأوا فيه رأس الجسر نحو تبادل السلطة بين جميع الأحزاب, لأن حزب الرئيس فيثنتي فوكس كان يملك كل مقومات النجاح التي كان يفتقد إليها مرشح اليسار, هذا النصر يعتبر بداية طريق طويل وصعب نحو التغيير الحقيقي. الحديث ينصب هنا على الناحية السياسية, لأن الاقتصاد المكسيكي تخطى أزمته التي كادت تطيح بكل ما حققه من إنجازات قبل ست سنوات, حيث تعتبر المكسيك حاليا من اكثر الدول تحقيقا لنمو اقتصادي يتفوق كثيرا على معدلات النمو التي تحققها البلدان المتقدمة, وهذا ناتج عن حرية تبادل التجارة مع الولايات المتحدة وكندا بتطبيق اتفاقية (نافتا) , وأيضا حرية التجارة مع أوروبا من خلال تنفيذ اتفاقية الحدود المفتوحة التي تم توقيعها مع نهاية العام الماضي. يضاف إلى هذا الإصلاحات السياسية التي لعب في وضعها الرئيس ارنستو زيديو الدور الأهم, فقد كان له فخر إعادة الديمقراطية إلى مجراها, وأيضا يتحمل وزر أن تلك الإصلاحات قضت على امتيازات الطبقة السياسية التي ينتمي إليها, لأنه لولا تشكيل هيئة مستقلة للأشراف على الانتخابات, ما كان يمكن لأحد أن يقف في وجه عمليات التزوير الجماعية التي اعتاد على ممارستها الحزب الحاكم. العقبة الحقيقية التي تقف في وجه تنفيذ إصلاحات سياسية حقيقية تضمن تداول السلطة, وتقف في وجه من يحاولون العودة إلى الماضي, هذه العقبة تعود إلى أن المكسيك كدولة يشملها الفساد من أعلى القمة وحتى آخر موظف في آخر قرية صغيرة مجهولة, كل شيء يباع ويشترى بالمال, والفساد متغلغل حتى في البوليس الذي يفترض أنه حارس أمن المواطنين, والجيش الذي يفترض أنه حارس أمن الوطن. افتقاد الأمن بلغ حدا لم يبلغه في مكان آخر سوى في كولومبيا القريبة, التي تعتبر جزءا حقيقيا من مشكلة المكسيك على الرغم من عدم وجود حدود مشتركة معها, لأن وجود المكسيك في الطريق ما بين حقول إنتاج المخدرات في كولومبيا وأسواق استهلاكها في الولايات المتحدة جعلها محطة إجبارية لنقل الإنتاج الكولومبي إلى أسواقه الأمريكية, خاصة أن معظم عمليات التهريب تتم بطائرات خفيفة بحاجة إلى محطات للراحة, أو على أقل تقدير محطات دعم أرضية وجدت في الأراضي المكسيكية الشاسعة مبتغاها. المشكلة في المكسيك لا توجد في مدى إمكانية مكافحة تجارة تهريب المخدرات وما يتعلق بها من عمليات غسيل الأموال التي تتم بمليارات الدولارات, بل المشكلة تكمن في أن السياسة اختلطت بتجارة وتهريب المخدرات وعمليات غسيل الأموال, ولكن هذه المرة بطريقة عكسية. المعروف أن تجار المخدرات يسيطرون عادة على مجريات الأمور السياسية من خلال رشوة الساسة لتحقيق أهدافهم, بل بعضهم كان يعرض على حكومات بلاده عروضا مغرية, وصلت إلى حد استعداد تجار المخدرات لدفع الديون الخارجية لبلاد مثل كولومبيا, لو أن الحكومة رفضت بالمقابل قوانين أمريكية معينة مثل تسليمهم للمحاكمة أمام محاكمات الولايات المتحدة. في المكسيك الأمر عكسي, الساسة هم من يسيطرون على طرق تهريب المخدرات, طبقا لما نشرته عدة صحف يومية وأسبوعية مكسيكية قبل أسبوعين, فإن مجموعات سياسية تنتمي للحزب الحاكم وجهت أنشطتها إلى هذا المجال الحيوي في مجال الاقتصاد الوطني, بهذا تحول رجال السياسة إلى (زعماء مافيات) حتى يمكنهم ممارسة ضوابط صارمة على تلك التجارة التي تغذي فسادهم, و حتى لا تهدد وجودهم كسياسيين. تمكن سياسيو حزب الحكومة من السيطرة على نشاط تهريب المخدرات وعمليات غسيل الأموال من خلال سيطرتهم الفعلية على البوليس والجيش, الذي تبين انه قطع شطرنج نشطة في تلك العمليات التي تشكو منها الولايات المتحدة, والتي اعتبرتها تهديدا مباشرا لأمنها الوطني. وربما لهذا السبب أيضا فإن الرئيس ارنستو زيديو قال أيضا أن المخدرات من عمليات التجارة والتهريب وغسيل الأموال تعتبر تهديدا للأمن الوطني المكسيكي. طبقا لهذا الوضع يعتبر الحزب المهزوم في الانتخابات المكسيكية ركيزة أساسية في كل هذا الفساد, لذلك لن يكون سهلا إبعاده عن هذه الكعكة الثمينة, فالحزب وزعماؤه يعتبرون تلك تجارتهم الرابحة, والتي يمكن أن تمول مزيدا من الفساد يمكنه أن يعيدهم إلى السلطة في الانتخابات المقبلة. لذلك يتوقع المراقبون أن تكون معركة الرئيس المقبل فيثنتي فوكس شرسة, وعليه أن يكون حريصا على جمع شمل المعارضة يمينا ويسارا للفوز فيها, وربما هنا يكمن موقف اليسار البرجماتي من الدعوة خلال الانتخابات لاختيار رئيس يميني محافظ, لأنهم يعلمون انه سيكون بحاجة إليهم. وربما كانت أولى الخطوات أن الرئيس المقبل قرر إعفاء الحرس الوطني والجيش والبوليس من حمايته الشخصية, لأنه لا يأمن جانبهم, لذلك قرر أن يكون أمنه الخاص مسئولية (قوات الطوارئ) التي أنشأها قبل عامين وزير الداخلية السابق ومرشح حزب الحكومة المهزوم (لاباستيسدا) , كجزء من محاولاته لإقناع الشعب المكسيكي بأن شيئا يتغير في حزبه. كاتب مصري مقيم في اسبانيا