كانت السياسة ذات يوم, خبز الجميع وقوتهم اليومي, بل كانت وقودهم الذي يتدفأون به في شتاء الواقع العربي الذي كان ومازال باردا, وقد مر زمان على الناس كان فيه الزعيم السياسي قنديلا وزيتا وسفينة نجاة, وكان مذيع نشرة الاخبار احد مهندسي الحلم العربي, ومن هنا تعلقت الجماهير بصوت عبدالناصر وقارىء بياناته عبر اذاعة (صوت العرب) المذيع الشهير احمد سعيد. لكن وبعد اربع حروب تخللتها سنوات استنزاف مرعبة, اضافة لهزائم كثيرة وعشرات الانكسارات والانهيارات النفسية, اصبح الزعيم السياسي احد اكبر الكذبات في تاريخنا العربي, واصبحت السياسة (أفيون) الشعوب التي تتعاطاها رسميا عبر نشرات الاخبار, ومن اراد العافية صم اذنيه عنها وابتعد! لذلك فان نشرة الاخبار الرئيسية كما تسميها اذاعاتنا وتلفزيوناتنا هي اسوأ برنامج يعرضه الاعلام العربي من وجهة نظر الشباب الذين جاءوا بعد زلازل 67 و 73 ومسيرة سلام الشجعان الذي بدأ بزيارة القدس وكامب ديفيد و.. ولو قمنا باحصائية لعرفنا تحديدا من هم الذين مازالوا يمضغون اخبار الانظمة العربية ويلوكونها بأطقم اسنانهم الاصطناعية, ومن هم الذين يحولون المؤشرات بمجرد سماعهم الشارة الموسيقية لنشرة الاخبار! ولقد أثرت القطيعة التي حدثت بين السياسة وجماهير الناس على مزاجهم العام وتفضيلاتهم وذوقهم, وولدت قطيعة اخرى باتجاه الاذاعة, هذا الجهاز الذي كان رفيق الليالي وانيس الجميع في كل المساءات والنهارات العربية المختلفة التي ولت. لقد كنا صغارا في الاعدادية عندما تعلقنا بالمذياع كثيرا, كان ذلك في رمضان من عام مختلف تماما هو 1973 وكان ثمة مشروع تهاوى يعاد بناؤه من جديد وفي نقل حي من ارض المعركة كانت العروق العربية تحيا ثانية بعد ان يبسها انكسار عام 1967, ولذلك فقد تعلقنا كثيرا بالراديو وكانت كل البيوت تصدح بأناشيد انتصارات العبور عام 1973, اتذكر ذلك جيدا خاصة وان التلفزيون لم يكن له هذا الحضور الفضائي الفارغ, يومها كنا صغارا لكننا ككل الصغار في المناخ العربي ابتلينا بداء خطير تعافت منه الامة اخيرا (للأسف) فتحولنا الى اصحاء بدرجة مرضى من طراز رفيع.. ذلك الداء هو زراعة الاحلام الكبرى في ارض اكتشفنا متأخرين بأن مناخها غير صالح للزراعة! وبرغم الذاكرة الحميمة التي تربطنا بالاذاعة الا ان القطيعة مازالت مستمرة على مايبدو, وربما نحتاج الى حلم بحجم احلام الستينيات واذاعة بطعم (صوت العرب) او بأي طعم مغاير يحرك هذا الداخل الذي جف تماما ومازال ثابتا بشموخ, فالنخلة تموت واقفة دائما. اليوم كل الاذاعات التي تحاول ان تسترد نفوذها لا تتطرق لمهمة ترميم جدران الحلم الذي تهاوى, كل ما تحاوله ان تستعيد مكانتها ومستمعيها عبر برامج شعبية وغنائية مفتوحة على الهواء طيلة الوقت لكن بدون نتيجة, ومع يقيني التام بأن هذه الاذاعات وبشيء من التخطيط والحذر والعمل الحرفي التنافسي وفق رؤية ومنهج واضحين وبمجموعة من المؤمنين بعدالة الحلم العربي وجمالية الانسان العربي وجدارته, تستطيع ان ( تتورط) ـ اذا صح التعبير ـ وبشكل جميل في عزف سيمفونية ذلك الحلم, ليس كما عزفته مجموعة من الفنانين ذات يوم فيما عرف بأوبريت (الحلم العربي) ولكن كما عزفناه يوما عندما كنا على مقاعد الدراسة: عين على السبورة وخريطة الوطن العربي واخرى على الغد.