وقد استندت العقيدة الامنية في الخمسينيات وبعد قيام الدولة على ثلاثة محاور رئيسية جاءت من مقولات بن جوريون وأوكل اعمالها الى جيش الدفاع الاسرائيلي وهي: التوسع لاحتلال كل فلسطين وما تمكنها قواتها من اراض عربية اخرى لاستيعاب يهود الشتات (الدياسبورا) ، مع بناء المستعمرات في الاراضي التي تحتلها لتكون كحدود دفاعية للدولة وكواقع جديد مفروض. وفرض الاعتراف بالدولة الاسرائيلية على الدول العربية وذلك عن طريق التفوق في كافة المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والصناعية والتكنولوجية والاحتفاظ دوما بشريك استراتيجي من الدول الكبرى. والانتهاء مما يسمى بفلسطين عن طريق التهويد الكامل والسيطرة والترحيل والمستوطنات ويقول بن جوريون في هذا الشأن: (ان الحدود الاسرائيلية هي تلك المناطق التي يمكن لقوة الدفاع الاسرائيلية الوصول اليها. فالجيش هو الاداة الوحيدة التي ترسم حدود البلاد. وظلت المبادىء الحاكمة لنظرية الامن مستمرة مع بعض تعديلات في الخطط والبرامج والنسب حتى تتلاءم مع العصر. وقد مرت اسرائيل منذ اعلان الدولة بحرب 1956, 1967 حرب الاستنزاف وحرب اكتوبر 1973 عندما احتلت بيروت وحرب الخليج (العراقية الكويتية) في 1991 وذلك عندما وصلت الصواريخ العراقية الى قلب تل ابيب. وقد كشفت الحروب الثلاث الاخيرة من حرب اكتوبر حتى الخليج عن عجز الركيزة الاولى للحدود الدفاعية الامنية فلا خط بارليف نفع ولا كل الحدود المتتالية وقفت في مواجهة الاعمال الفدائية والاستشهادية والكاتيوشا من لبنان الى (اسرائيل) على الحدود المشتركة, كما ان قدرات الدول العربية وبالذات بعدما امتلك معظمها من دول المواجهة صواريخ طويلة المدى تهدد قلب (اسرائىل). لكن يجب ألا ننسى ان اسرائيل تمتلك الردع النووي ولو بالشك الا ان ميزان القوى لصالحها مما سوف يفرض واقعه في الحرب والسلم معا. ورغم ان نظرية الامن الاسرائيلية تتعرض لكثير من التحديات على رأسها اتفاقيات السلام المنعقدة مع كل من مصر والاردن وفلسطين حتى تكتمل, وسوريا في الطريق, بالاضافة الى التطبيع مع كثير من البلدان العربية المصاحب لتلك الاتفاقيات والمتغيرات الحادثة على مستوى العالم وبالذات بعد ما حضرت الولايات المتحدة الامريكية بنفسها الى منطقة الخليج. كل ذلك يجعل من دور المؤسسة العسكرية وتحت الاطار العام لنظرية الامن الاسرائيلية وبنسب جديدة متمسكا بثوابت التفوق والدور الاقليمي لكن بنسب تميل لصالح الاقتصاد والتطبيع ولن يتم ذلك الا عن طريق المؤسسة العسكرية نفسها القابضة على مناحي الحياة المختلفة داخل اسرائيل بل ولن يتم ذلك الا عبر عسكرة المجتمع الاسرائيلي رغم ارتداء الزي المدني. والعسكرة هنا لا تعني وجود الجيش, فالعسكرة غرض وروح ونفسية وسياسية ومبدأ يساعد على تأمين قوة الردع في الدولة. وقد عرفها رايت ميلز في كتاب (صفوة القوة) بأنها الحالة التي تسيطر فيها الوسائل على الاهداف لزيادة هيبة ونفوذ العسكر. ولعل ذلك واضحا في اسرائيل عبر معرفتنا بكافة الاجهزة والمؤسسات ومراكز الابحاث التابعة للمؤسسة العسكرية (اركان الوزراء المدنية بوزارة الدفاع ـ رئاسة الاركان ـ الهيئات المدنية للطاقة النووية ـ لجان الامن والدفاع في مجلس الوزراء والكنيست ـ المجمع الصناعي العسكري ـ اجهزة المخابرات والامن ـ معاهدة الدراسات الاستراتيجية ـ العسكريون المتقاعدون في الوظائف المدنية (احزاب, وزراء, صحافة, مؤسسات خاصة, معاهد ومراكز بحث) ونظرة متأملة لمجلس الوزراء والكنيست والاحزاب القائمة والقوائم الانتخابية حتى تتكشف عمق العسكرة في التجمع الصهيوني على ارض فلسطين (دولة لاسرائيل) والاهم من ذلك ان القرار الاسرائيلي يمر بأربع دوائر للقوة كما يدلل على ذلك الباحث عبدالغفار الدويك في دراسته المهمة (العسكريون والدولة ـ دراسة تحليلية في بناء قوة المجتمع الاسرائيلي في الفترة من 1948 ـ 1988) : (دائرة فكرة القرار وتقوم بها هيئة الاركان الاسرائيلية بوزارة الدفاع وتوجد فيها قيادة المؤسسة العسكرية وتتلقى التوجيهات الاستراتيجية من رئيس الوزراء ووزير الدفاع رئيس هيئة الاركان), والدائرة الثانية هي دائرة صنع القرار, وهي مجموعة العناصر المكونة للمؤسسة بكافة اجهزتها والدائرة الثالثة للقوة هي دائرة مناقشة القرار (مجلس الوزراء, الكنيست, الاحزاب الهستدروت, الوكالة اليهودية, الصحافة), واخيرا دائرة اتخاذ القرار الفعلية وتتمثل في مجلس الوزراء المصغر). تلك هي المؤسسة العسكرية الاسرائيلية من بداية تشكيل نواتها من منظمات ارهابية استيطانية الى تغلغلها وفي القلب منها وزارة الدفاع الاسرائيلية داخل التجمع الاسرائيلي وتشكيلها لسيكولوجية العسكرة. بدأت متلازمة مع العنف والتطرف عنف الفكرة وتطرف الوسائل والادوات ووصلت الى الردع بالسلاح النووي والتفوق التكنولوجي. ما هو اذن السلام الذي سوف تجلبه لنا المؤسسة العسكرية الاسرائيلية؟ ونحن نعلم جيدا ان القادرين على اشعال الحرب لهم قدرة على صناعة السلام. لكن لا يجب ان نتغافل عن حقيقة ان الامن يكمن خلف الحالتين فعندما يتعرض الامن القومي لدولة ما لاخطار تنشب الحرب لاصلاح الخلل واستقرار الامن وعندما يتعرض لهزيمة فلن يحدث استقرار للأمن الا بتجدد الحروب او بالتسليم الكامل, اي هزيمة امن قومي لدولة ما. وعندما تأخذ الدولة قرارا بالسلام فخلف ذلك القرار حساباتها الامنية حيث تتحقق نفس اغراض واهداف النظرية الامنية بالسلام. وفي حالة (اسرائيل) فقد كان خلف قراراتها المتعددة بالحرب تصورا لنظرية الامن القومي الاسرائيلي, تناولناها بالتفصيل فيما سبق, وعندما اصدرت قرارها بالدخول في محاور المفاوضات الثنائية والمتعددة كان غرضها الامني ايضا هو الواقف خلف قرارها فهي الآن وبعد ان حجمت القوة العربية عبر التقليص والاشراف والانذار المبكر وعبر الضرب والعدوان والتصفية مثل حالة العراق نجد ان نظرية الامن الاسرائيلية تتحرك في مجال حيوي واسع بالنسبة لها تمتلك فيه التفوق والقدرة على المناورة كما ان اسرائيل وثقت تحالفها مع الولايات المتحدة الامريكية اكثر من اي وقت مضى حتى وصل لدرجة التحالف الاستراتيجي كما انها وثقت تحالفها مع تركيا وفتحت العلاقات على كافة المحاور مع الاردن وهي الآن سائرة في تصفية المشكلة الفلسطينية باعطاء سلطة الحكم الفلسطيني دولة منزوعة السلاح وغير مستقلة في قرارها ومرتبطة امنيا وسياسيا واستراتيجيا باسرائيل ومن قبل ذلك تم تحييد الدور المصري بكامب ديفيد واخراجه عن دائرة الفصل العربي وتقنين جيشه وتسليحه (حسب نصوص الاتفاقية) ماذا بعد كل ذلك؟ اذن اسرائيل تمتلك المجال الحيوي وتمتلك القدرة النووية القادرة على الردع, كما انها تمتلك العلاقات الاستراتيجية مع امريكا وتركيا, وتمتلك الآن اقتصادا قويا يحلم بالسيطرة على الاقتصاديات العربية واخيرا فهذه هي مؤهلات الدور الاقليمي الكبير في منطقة الشرق الاوسط. فهل هذا هو سلام المؤسسة العسكرية؟ نعم. وهل هناك فرق بين حرب المؤسسة العسكرية وسلامها؟ لا. لأن الاهداف واحدة. في الحرب كان التوسع واستيطان الارض والدور الاقليمي والتفوق وفرض الامر الواقع وفي السلام كذلك. وفي الحالتين ليس هناك توازن في المصالح ولا في القوى حتى يستتب السلام والامن.