إن النمو السكاني فوق كوكبنا لايقتصر على كونه زيادة (عدد) ولكنه أيضا زيادة (كيف) بما يعنيه ذلك من تحميل يصل الى حدود الاجهاد على قدرات الكوكب وامكاناته. هي 7 اتجاهات رئيسية أصبح العلماء الاختصاصيون ومعهم أهل الرأي والفكر المهتمون - بل المهمومون بأحوال عالمنا, شئونه وشجونه, ينظرون اليها بوصفها الاتجاهات الحاكمة التي تشكل مسار الحياة فوق كوكب الأرض, وهي تتسم بطابع استراتيجي بمعنى أنها ليست بالاتجاهات المؤقتة أو المرحلية كما أنها تتسم بطابع العولمة أو هو الطابع الكوكبي وقد نعتذر للقارئ الكريم عن مثل هذه المصطلحات التي مازالت قلقة بحكم كونها مستجدة الى أدبيات لغتنا العربية, وهذا الطابع العولمي أو الكوكبي يجعل كل واحد من هذه الاتجاهات السبعة الأساسية في حال من التجاوز لحدود الزمان والمكان بمعنى أنه - كما ألمحنا - لايختص بمرحلة أو حقبة بعينها في مسار حياة البشر ولا هو يقف عند حدود قطر بعينه ولا حتى منطقة اقليمية بذاتها, بل هو تيار عابر لحدود الأوطان بل والقارات ومن ثم يحق لنا أن نطل على كل تيار في هذ ه المنظومة السباعية من منظور شامل يتخذ من الكرة الأرضية موضوعا له ومناطا لاهتمامه ومحورا لتفكيره في توصيف الظواهر وتشخيص المشاكل ومن ثم في التماس الحلول. بدايات الوعي الايكولوجي على أن كلا من هذه الاتجاهات السبعة يتصل بقضية البيئة. الايكولوجيا التي ظلت طويلا مسألة تقع على الهامش من اهتمام الجماعة البشرية, ثم بدأت تشق طريقها لكي تحتل موقع الاهتمام المحوري الذي تشغله الآن في بؤرة شعور الجماعة البشرية وقد يرجع ذلك الى عقد مؤتمر ستوكهولم الرائد الشهير في عام 1972 وكان الأول من نوعه - فيما نظن - من حيث طرح ) الشأن البيئي. على بساط البحث الدولي) ويرجع الفضل - في عالمنا العربي الى أستاذنا الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين عليه رحمة الله إذ كان في طليعة من استرعوا اهتمام قارئيه في الوطن العربي الى مشاكل البيئة وقضاياها وإن كان فضل السبق على الاطلاق في طرح المشكلة البيئية على الاهتمام العام يرجع أول ما يرجع الى باحثة أمريكية كانت متخصصة في علوم الاحياء (البيولوجيا) وهي الأستاذة راشيل كارسون (1907 - 1964) التي أصدرت كتابها الرائد بعنوان (الربيع الصامت. عام 1962 تحذر فيه من أخطار التجارب النووية على بيئة الأرض وصحة الانسان وسائر مخلوقات الله الحية من النبات والحيوان - وبالمناسبة فثمة ترجمة عربية طليَّة ودقيقة لهذا الكتاب الذي أصبح في حكم النيوكلاسيكيات - أو هي الكتب - الأمهات المعاصرة - أصدرها الدكتور أحمد مستجير أستاذ العلوم الزراعية المصري الكبير. التيارات - التحديات السبعة ونعود الى علامات الطريق السبع التي تشكل التحديات الرئيسية التي علينا أن نعرض لها - أمانة مع النفس ومع قومنا بوصفها أكثر التحديات شراسة التي تواجهنا - وتواجه الانسانية بعامة مع سنوات هذا القرن الحادي والعشرين. وهذه التحديات السبعة هي على وجه الاجمال: زيادة السكان, ظاهرة الاحترار أو ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض, انخفاض مناسيب الموارد المائية, انكماش مساحات الأرض الزراعية من حيث نسبة المساحة المزروعة بالمحاصيل الى الفرد الواحد, انهيار محاصيل أو أرصدة الثروة السمكية, تقلص مساحات الغابات بفعل الازالة أو الاجتثاث, ثم انقراض أنواع من الحيوان وفصائل من النبات. والى التفصيل ولنتناول باختصار مكثف - غير مبتسر فيما نرجو - كلا من هذه التيارات السبعة: (1) زيادة السكان: في شهر أكتوبر الماضي بلغ العالم - باسم الله ما شاء الله رقم 6 مليار نسمة يعيشون فوق كوكب الأرض. زاد سكان الكوكب بين عامي 1950 و 2000 الحالي بمقدار (6.3) مليارات انسان ورغم محاولات الضبط والتنظيم الديمجرافي (السكاني) فإن الاسقاطات الرياضية المحسوبة في هذا المجال تتوقع أن يصل سكان كوكبنا في عام 2050 الى 9.8 مليارات نسمة. والمشكلة أن هذه الزيادة سوف تحدث في البلدان النامية ومنها بلدان متخلفة وفقيرة ومنها ما لا يكاد يستطيع الوفاء بسد الاحتياجات الأساسية لسكانه الآن فما بالك بزيادة في هذا الحجم المتوقع, اللهم إلا أن نتدارك كوكبنا وسكانه رحمة السماء. وبالمناسبة أيضا فإن الزيادات التي كانت قد طرأت على سكان العالم في الماضي, وقع كثير منها في أقطار غنية من حيث الموارد ومرتفعة المستوى من حيث المعيشة, ومتقدمة من حيث القدرات التقنية والمالية والعلمية. لكن المشكلة أيضا أنه فيما تحدث هذه الزيادات في عددنا, لا تواكبها زيادات مكافئة في مواردنا وامكاناتنا بحيث يتسنى تلبية مطالب واحتياجات هذا العدد المتنامي من البشر, دع عنك أن هذه المطالب والاحتياجات في حد ذاتها متنامية هي الأخرى من حيث الكم والنوع على السواء. فما كان يحتاجه الافريقي أو الآسيوي في عام 1950 كان يتمحور - كما نتصور - حول حبوب التغذية وملابس الوقاية من الحر أو القّر وحد انساني من رعاية الصحة أو الترفيه, هذا الانسان, يامولانا, بات في تطلعاته وأيضا من حقه كبني آدم أن يرنو الى اقتناء تلفاز إن لم نقل حاسوب الكتروني وإن لم نقل سروال من الجينز وأن يتطلع الى ما تحتشد به الاعلانات البراقة من نوعيات لم نكن نسمع بها من صنوف الأكل أو اللبس أو أساليب الحياة وهي نفس الأساليب, وليس غيرها, التي تنجم عنها بالضرورة نوعيات مستجدة من أمراض المعدة أو الحساسية وما في حكمها وهو ما يرتب بالتالي ضرورة تقديم وتطوير خدمات صحية, غير مسبوقة, وخدمات اجتماعية مستجدة هذه الأساليب الحياتية الجديدة تؤدي الى سلوكيات وافدة نتيجة الافراط في السهر وفي تعاطي المخدرات والمنبهات بل والمضادات الحيوية والامعان في الترفيه وتصدع مؤسسة الأسرة وارتفاع معدلات الطلاق..الخ. والحاصل أن النمو السكاني فوق كوكبنا لايقتصر على كونه زيادة (عدد. ولكنه أيضا زيادة) كيف. بما يعنيه ذلك من تحميل يصل الى حدود الاجهاد على قدرات الكوكب وامكاناته على السواء. (2) ظاهرة الاحترار: وهي التساخن التي لم تعد مقصورة على رصد العلماء وملاحظات الاخصاصيين بل أصبحت ملموسة في الشارع اللامختص وفي تيار الحياة اليومية البسيط العريض في أقطار شتى من عالمنا. وعندما بدأت بوادر الثورة الصناعية - ثورة البخار والماكينة منذ نحو 200 سنة من عصرنا الحديث كانت تركيزات ثاني أكسيد الكربون بكل خطورتها على الصحة والجو تقدر بنحو 280 من الجزيئات في المليون. طبعا هذه تقديرات لاحقة فلم يكن أحد أيامها يرصد أو يقيس أو يشعر أن ثمة مشكلة متربصة بالبشر وكوكبهم ولكن عندما جاء عام 1959 بدأ العمل بقياسات تفصيلية بعد أن توصل العلماء الى استخدام آلات مستحدثة للقياس فإذا بهم يكتشفون ارتفاع معدل تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الجو الى 316 في المليون أي بزيادة نسبتها 13 في المائة عبر 200 سنة, وهي نسبة زادت في أقل من 4 عقود من زماننا الراهن الى 17 في المائة حسب قياسات عام 1998. جرين هاوس ومكمن الخطورة أن هذه الزيادات التي نراها مطردة تؤدي الى ارتفاع درجة حرارة الأرض والى حدوث ظاهرة الاحتباس الحراري أو ظاهرة الدفيئة أو الصوبات أو التصوب كما يطلق عليها في سياقات أخرى (جرين هاوس في الانجليزية) , وهو ما يؤثر على صحة الانسان وصحة النبات وأحوال نضج محاصيل هي من الزم ما يكون لحياة ولرفاه البشر, ناهيك عن مشكلة ارتفاع درجة حرارة سطح البحر وتأثيرات ذلك على الشعاب المرجانية (تفيد بعض التقارير العلمية بأن 70 في المائة من الشعاب المرجانية في المحيط الهندي تآكلت وتلاشت خلال آخر عامين من ختام القرن العشرين) وبديهي أن الاهتمام بشعاب المرجان لايرجع الى مجرد الرغبة في اهداء هذه المادة النفيسة كي يزدان بها جيد الغواني الناعمات الغيد, إن الشُعَب المرجانية - كما أبدعتها عبقرية الخلق - وكما يوضح البروفيسور (بول ابشتن. في دراسة نشرتها كلية الطب في جامعة هارفارد عام 1998 - تؤدي في البحر دور الغابات المطيرة بالنسبة للأرض أو البر. هي حاضنات الحياة البحرية بكل كائناتها ومخلوقاتها, ولا يقتصر دورها - كما تشير دراسة هارفارد المذكورة - على أنها حضانات لتفريخ ونشوء الكثير من الأنواع والفصائل البحري ولكنها تؤدي دورها أيضا في حماية خطوط السواحل وتخومها من غوائل العواصف واجتياح الأعاصير (ولقد ننبه في هذا السياق بالذات الى ضرورة أن تتكاتف دول البحر الأحمر العربية في مجال حماية الشعب المرجانية في بحرنا وخاصة في ضوء ما تردد عن نشاط اسرائيلي تخريبي في هذا المجال, وقد يصدق أمر هذه الحماية الايكولوجية وضروراتها على منطقة الخليج) . وفي اطار ظاهرة التساخن الكوكبي هذه أفاد فريق علمي بريطاني - أمريكي زار أفراده مناطق القطب الجنوبي المغطاة بالثلوج بأن شبه جزيرة أنتاركتيكا وتسمى أحيانا في أدبيات الدولة باسم القارة المتجمدة الجنوبية أصبحت ثلوجها في حال من التراجع والانحسار بفعل الذوبان الناجم عن ظاهرة الاحترار. (3) شحة الموارد المائية: وهنا أيضا بدأ الانسان يدفع ثمن تقدمه العلمي. لقد اكتشف آلات ومضخات في غاية الكفاءة تجلب المياه امتصاصا من الأعماق, وعندما انتشر هذا الأسلوب من استخلاص المياه من خزاناتها الجيولوجية, بدأ العلماء يخشون من خلل الشحة أو الندرة أو التصوب والنفاد لأن عمليات الاستخلاص الميكانيكي تفوق أحيانا عمليات اعادة الشحن والتزويد الطبيعي لمياه الأعماق في جوف الأرض وهي عملية مستمدة من منسوب الأمطار ومن ذوبان الثلوج ومن رشح المجاري المائية في أحواض الأنهار. والعلماء الاختصاصيون يحسبون كميات المياه من حيث استخدامها في اتباع كميات من محاصيل الحبوب والحسبة تقول في جوهرها بأن كل ألف طن من المياه ينتج طنا واحدا من الحبوب. وطبعا كلما زاد حجم السكان وارتفع بالتالي مقدار أطنان المطلوب من حبوب الغذاء, زادت بصورة رهيبة كميات المياه المطلوبة بالحاح لانتاج هذه الحبوب وهو ما جعل الأستاذة ساندرا بوستل الباحثة في المشروع العالمي للسياسات المائية تحذر من أن أسوأ شحة في الموارد المائية سوف تشهدها كل من الصين والهند في ضوء حجم السكان المهول في كل منهما, ولما كان التقدم الاقتصادي ينطوي بدوره على التوسع في استخدام المياه للأغراض الحضرية والصناعية, فإن الأمر قد يقتضي من بلد مثل الصين أن يخشى على موارده المائية أن تؤول الى نفاد ومن ثم قد يلجأ الى استيراد الحبوب على نطاق كثيف مما قد يفضي بدوره الى زعزعة الاستقرار ورفع الأسعار في أسواق وبورصات الحبوب العالمية. أرأيت الى أن المسألة لم تعد تتعلق بسياسات قطر أو نظام, ولكن النظرة اتسعت, أو ينبغي لها أن تتسع, عندهم وعندنا في الوطن العربي الطيب لكي يشمل المتغيرات والتيارات التي تضم العالم كله, مصائره ومصالحه, وبمناسبة التيارات, يتواصل الحديث عن الأربعة المتبقية منها وأولها ظاهرة انكماش المساحات المزروعة في مناطق شتى من العالم وخاصة في سنوات العقدين القادمين فإلى الجزء الثاني إن شاء الله.