قبل هذا اليوم بحوالي عشرين عاما كتب الأستاذ محمد حسنين هيكل كتابه المعروف (السلام المستحيل والديمقراطية الغائبة) وتحت هذا العنوان الكبير للكتاب يوجد عنوان آخر هو: رسائل إلى صديق هناك! وللوهلة الأولى يخطر على بالك سؤال عن هوية الصديق الذي يسكن (هناك) فتحاول أن تعرف, لكن هيكل يقول لك في المقدمة مباشرة: (إنني لا أعرف بالضبط أين تقع (هناك) هذه التي أقصدها, ولا ما هو عنوانها على وجه التحديد, لكني لا أظنها بعيدة, هناك هذه التي أقصدها نقطة ما على خط طويل يمتد بين محيط وخليج) ... إلخ. هيكل كتب (السلام المستحيل) عام 1979, وفيه طرح عدة تساؤلات ليست هامة فقط, بل وخطيرة بأهمية وخطورة الحياة والموت, البقاء أو العدم, إنها أسئلة لأمة بدأت تفقد خياراتها يوم أسلمت مصيرها لمنطق الفرد الحاكم بأمره, الذي مكنه غياب الديمقراطية, والصحافة الحرة, ومنظومة القوانين والمؤسسات, اضافة للصمت وجماعات المصالح وتجار الانفتاح وعشاق الخيانة, أن يقود أمة تعدادها أكثر من 200 مليون إنسان نحو الهاوية!! والمصيبة ان هذه الأمة لم تفعل شيئا سوى ان انساقت وراءه بعقلية القطيع!! وذهب الرئيس الشجاع وجاء بعده كثيرون واصلوا سلام الشجعان وبشجاعة! بينما استسلم الكثيرون لهذا الخيار ممنين النفس بثماره واستثماراته وأرصدته وسمنه وعسله. يوم ذهب السادات لمنتجع كامب ديفيد عام 1978 صرح واعدا العرب بأنه لن يوقع صلحا منفردا مع (اسرائيل) لكنه وخلال أيام صافح ووقع فكانت الجنازة الأولى للقضية العربية وللسلام العادل, وكان البداية الصريحة لما صرنا عليه اليوم. وعاد السادات من هناك باختيارات سياسية جديدة على المنطقة وصارمة أيضا, ولكن الأكثر أهمية - كما يقول هيكل - انها لم تعرض للمناقشة الحقيقية حيث تقال كل الآراء وتعرض كل الحقائق وبعدها يتم الاختيار ومن ثم يصح القول بأن هناك أغلبية وهناك أقلية! وما زالت خياراتنا تختار لنا وتحسم بدلا عنا وما علينا سوى أن نقول: نعم. اليوم الظروف في عالمنا العربي أكثر خطورة من حقبة سلام (السادات - كارتر - بيجن), وهي ظروف غريبة وغامضة, والأسئلة فيها صعبة, والاجابات إذا أردت الحصول عليها فما عليك سوى أن تدوس على أقدام البعض لتدفعهم للكلام, حيث ان الجميع قد استسلم لأمان الصمت, متواريا أو مبتعدا عن أخطار الكلام, والكلمة في مأمن رخيصة, لكنها تحت الحظر غالية ومساوية للحياة ذاتها. الأسئلة مطروحة منذ بدأت الأرجل العربية تضع بصمتها على طريق التطبيع السياسي مع (اسرائيل) : من المستفيد من كل ما يجري في المنطقة؟ أين الحدود الفاصلة والمعقولة بين ما نريده وبين ما يريدونه هم؟ كان المحيط هادرا في يوم من الأيام, وكان الخليج ثائرا, وكانت الأحلام فوارة على امتداد الخط الطويل بينهما, هكذا يقول هيكل - فماذا جرى للمحيط؟ وماذا جرى للخليج؟ وأين ذهبت الأحلام الفوارة؟ ماذا جرى لنا؟! ربما لم يعد ما نقوله اليوم بحجم ما يحدث, ربما يكون ما نكتبه انفعالا أو شبه هذيان لا تسمح به موازين القوة وموازين السياسة وموازين المصالح, وأيضا حقائق الواقع الذي كان لنا دور البطولة في أن يصبح بهذا السوء وبهذا التشاؤم, لكننا يجب أن نقول لنشعر بأننا ما زلنا قادرين على أن نقول (لا) وان لم تكن بقوة الـ (لاءات) التي ذهب متسلحا بها باراك إلى كامب ديفيد الجديدة.