بفعل الخبرة المتراكمة, باتت لدينا الآن فكرة واضحة عن علاقة الحياة الحزبية الداخلية الإسرائيلية بعملية التسوية, لاسيما على المسار الفلسطيني ثارت المشاكل والإحن داخل هذه الحكومة ومن حولها, وقيل بالتداعي إن مسيرة التسوية عرضة للتهديد نتيجة لعدم الاستقرار الحكومي في تل أبيب. وكي لا يتحول التهديد إلى تعطيل حقيقي, يتذرع المفاوض الإسرائيلي بوهن مركزه في الداخل, ويحمل الجانب الآخر, الفلسطيني بخاصة, مسئولية ذلك التأخير إن حدث, ويدعوه كشريك مهموم باستمرارية (العملية السلمية) إلى المرونة, وهي الاسم الحركي للتنازل. وغالبا ما يتم ذلك بدعم ظاهر من الوسيط الأمريكي غير النزيه. مؤدى هذا السيناريو المكرور هو الربط بين إسرائيل من الداخل وأفق ديمومة التسوية من عدمها, وجعل هذه الديمومة مرهونة بانتقاص الحقوق الفلسطينية وخفض سقفها أولا بأول.. والذي سمح بذلك مجموعة من العوامل. فهناك أولا, غياب مرجعية التفاوض على المسار الفلسطيني بالذات, الذي أحال قضايا هذا المسار إلى دائرة المساومات الحزبية في إسرائيل. فلو كانت المرجعية هي مثلا تطبيق قرارات الأمم المتحدة, لما وجد فرقاء السياسة الإسرائيلية ما يغريهم بالمساومة ويمنيهم بإمكانية ابتزاز الطرف الفلسطيني.. فلماذا يختلفون على أي شيء ويساومون إن كانت الاستحقاقات المطلوبة من الجميع ثابتة لا تتغير بتغير الحكومة المفاوضة؟ وهناك ثانيا, وقوع المفاوض الفلسطيني في أحابيل تكتيك الربط بين نوعية الحزب أو الائتلاف الحاكم في تل أبيب وبين حجم المطالب التي يمكن الحصول عليها. فالاعتقاد السائد بهذا الخصوص أن حكومات حزب العمل ومشايعيه أفضل تعاطيا مع الحقوق الفلسطينية من حكومات الليكود ومؤيديه. ويبدو أن الجانب الإسرائيلي قد بلغه هذا الاعتقاد, فراح يستغله على نحو جيد. ولا يقتصر الاستغلال هنا على شئون التفاوض مع الفلسطينيين, بل يتجاوز إلى الشئون الداخلية الإسرائيلية الصرفة. فلكي يبقي (شاس) على حكومة باراك ويطاوع طرحها التفاوضي, ينبغي على هذه الحكومة الاستجابة لمطالبه المالية والاقتصادية.. وهكذا اختلط حابل المفاوضات بنابل تفصيلات الحياة الداخلية في إسرائيل بشكل هزلي. ما يجعلنا نبرز استثنائية الانشغال الفلسطيني بالداخل الإسرائيلي, هو ما يبديه هذا الطرف من تعويل زائد على تداعيات الحياة الحزبية الإسرائيلية بالنسبة للمسار الفلسطيني مقارنة بالأطراف العربية الأخرى. فهذه الأطراف بدءا من مصر في السبعينيات وصولا إلى الأردن وسوريا ولبنان في التسعينيات من القرن الماضي, رفعت منذ لحظة التفاوض الأولى لواء الشرعية الدولية واستعصمت بها.. فيما كان الطرف الفلسطيني أكثر غموضا وربما تساهلا في هذا الإطار. إذ لم تنص وثائق أوسلو على القرارات الدولية الخاصة بقضية فلسطين كمرجعية واضحة لمسار التفاوض. وهو ما أطلق العنان للمساومات الإسرائيلية بحسب الأهواء الحزبية والميول المتباينة نسبيا بينها. لعل ما يفوت المفاوض الفلسطيني وهو يأخذ بمنهجية الربط بين تطور الحياة الحزبية الإسرائيلية واقترابه أو ابتعاده من الوفاء بحقوقه, ذلك الإجماع الحزبي الإسرائيلي على ثوابت وخطوط حمر بالنسبة للتعامل مع هذه الحقوق. بمعنى أن التوالي الحزبي على سدة الحكم في تل أبيب, ليس له تأثير فارق كبير على ما يمكن أن يمنح للجانب الفلسطيني أو يمنع عنه فيما يتصل بأمهات القضايا موضوع التفاوض (القدس, اللاجئين, المستوطنات, حدود السيادة الفلسطينية, حدود 1967). والواقع أن متابعة تفاعلات الحياة السياسية الاسرائيلية لاتنطوي بحد ذاتها على عيب من زاوية ادارة التفاوض. إذ أنه ليس من الحكمة أن يواجه العرب عموما عدوا مجهولا, وذلك في حالات الحرب أو التفاوض أو اللاحرب واللاسلم, لكن هذا الاتجاه الذي استهدف معرفة اسرائيل من الداخل, عملا بنظرية إعرف عدوك, إنحرف عن أهدافه الى منحى آخر, انحرف الى الاعتماد على مخرجات الداخل الاسرائيلي وإفرازاته وانتظار نتائج هذه المخرجات, وإهمال الفعل والمبادرة الذاتية الى حد ملموس. بصيغة أخرى, كان الاتجاه العربي للاقتراب من تفاعلات الداخل الاسرائيلي اتجاها حميدا لاسيما غداة الهزيمة عام ,1967 فقد اكتشف العرب أنهم بصدد عدو لايعرفون عنه الكثير. لكن هذا الاتجاه أضحى بمرور الوقت قريبا من حالة التورم الخبيث, فبعض العرب انبهروا بدعوى (الديمقراطية الاسرائيلية) على زيفها, وآخرون أخذوا بقوة اسرائيل التقنية وتفوقها وراحوا يروجون لها بين بني قومهم, وثمة من وقعوا في غرام المشروعات الاسرائيلية لهندسة الشرق الأوسط الجديد. هذا علاوة على من حسبوا أن الكيان الصهيوني مؤهل للانفجار من الداخل والزوال من تلقاء ذاته, وكفى الله العرب النضال. على أن أخطر من هذه الهواجس - التي تشي بالتحولات السلبية لاتجاه معرفة اسرائيل من الداخل - وعي الاسرائيليين أنفسهم بالمراهنة العربية على ما يجري في كيانهم الاستيطاني, ثم توظيف هذا الوعي ضد الجانب العربي, ومن آيات ذلك, دفع المفاوضين الاسرائيليين في مناسبات مختلفة بأنهم لايستطيعون تجاوز خطوط بعينها وإلا تعرضوا للهزيمة الحزبية في الداخل. كل ان المفاوضين الاسرائيليين لجأوا الى هذا التكتيك التفاوضي.. من بيجن الى شامير الى رابين الى نتناياهو الى باراك. لقد فعل هؤلاء ذلك وبرروا عدوانيتهم بضرورة مراعاة الجبهة الداخلية في اسرائيل, وهم موقنون بأن مفاوضيهم العرب سيحذرونهم, وربما تمكنوا بهذه الطريقة من زحزحة المواقف العربية الى الخلف. إننا ندعو لاستمرار التعرف على الداخل الاسرائيلي وقراءته بكل دقة.. شريطة أن تكون هذه المعرفة العلمية الموضوعية سلاحا بيد المفاوض العربي لا عليه. وتحدث هذه المنهجية (المعرفة) النافعة بعزل الداخل الاسرائيلي عن المطالب العربية, بالتقيد بالثوابت العربية بغض النظر عمن راح وجاء الى سدة الحكم في تل أبيب. وهذا عين ما فعلته المقاومة اللبنانية بالذات, فلم نسمع يوما بأن هذه المقاومة قد علقت آمالا على التقلبات الحزبية في اسرائيل. وفي أحسن الفروض يظل الداخل الاسرائيلي ورقة من أوراق كثيرة. هذا إن أجاد المفاوض العربي تنويع أوراقه. أما المراهنة على هذا الداخل بغير حساب فهي مقامرة مآلها الخسران المبين. إنها أفضل وصفة للوقوع ضحية مبدأ توزيع الأدوار الذي تعرفه بامتياز الدبلوماسية الصهيونية الاسرائيلية. كاتب فلسطيني ـ القاهرة