لقد رأينا ان وسائل المجتمع الديمقراطي في كبح جماح الاستبداد بداخله تنجح في السيطرة عليه, وربما جعلته في حده الادنى الذي يؤثر على سلامة هذا المجتمع او مصالح افراده. لكن المشكلة التي تواجه علماء الاجتماع وكذلك علماء النفس هي كيف يمكن السيطرة على الاستبداد داخل الفرد نفسه. كيف يمكن منع هذه النزعة من فرض سيطرتها داخل التكوينات الاجتماعية الصغيرة, مثل المنزل, مؤسسات التعليم, السجون, الاحزاب السياسية... الخ. اعتقد ان المسألة هنا اعمق بكثير. فدولة القانون تستطيع في العادة ان تمنع او تحجم على الاقل استبداد الافراد او الجماعات تجاه بعضها البعض, وربما لجأت الى اتخاذ تدابير رادعة لفرض سلطتها وهيبتها. لكن كيف يمكن لهذه الدولة ان تمنع الاستبداد الذي يقع خارج نطاق سيطرتها او اطار فعلها المباشر, كما هو الحال مع الاستبداد الذي يمارس في البيوت من قبل بعض افراد الاسرة ضد بعضها الآخر, او الاستبداد الذي يمارسه بعض ارباب العمل في منشآتهم او ممارسة بعض القيادات السياسية في احزابها ومؤسساتها.. الخ! بعض الدول لجأت وتلجأ الى استخدام وسائل متنوعة لحل هذه المشكلة, بما في ذلك تطوير التشريعات والنظم القانونية, مع ضمان تدخل فاعل للاجهزة القضائية والامنية, لحماية الضحايا وبعضها الآخر يركز جهوده على الجانب التربوي والتعليمي لغرس قيم التسامح ونبذ الحقد والعنصرية مدعومة بترسانة هائلة من القوانين المختلفة والعقوبات الرادعة. لكن يجدر القول ان هذه الاجراءات رغم انها قد تنجح في الكثير من الاحيان في الحد من ظاهرة الاستبداد وتقليصها الى ادنى درجة ممكنة, لكن من المشكوك فيه ان تنجح في اجتثاثها تماما. ان الخلاص من الاستبداد مثله هنا مثل تحقيق العدل او اقامة المساواة او اطلاق الحرية, جميعها احلام بشرية رافقت الانسان منذ امد بعيد, لكنه لم يستطيع في اي يوم (او في اي مكان) ان يصل اليها كما يتخيلها او يريدها مجردة وخالصة. ومن الواضح ان قناعة الكثير من البشر المعاصرين باتت تتجه ليس نحو الخلاص النهائي من الاستبداد وانما ابقاؤه ضمن حدوده الدنيا وتوفير الضمانات والحماية لكل من يطلبها في مواجهته. ان مثل هذه المعالجة يمكنها ان توضح لنا مقدار عمق المشكلة التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية, التي تفتقد بصورة حادة الى اي وسائل عملية لمنع الاستبداد او التخويف من سطوته. بل ان الاستبداد في البيئة العربية لا يستند فحسب الى قيم وعادات موروثة وافكار مجتمعية تبرره, ولا يستند فقط الى مؤسسات واجهزة توفر له الحماية والاستمرارية, ,وانما ايضا وقبل كل شيء هو يستند الى قبول اجتماعي عام. اي ان الاستبداد هنا ليس مجرد اجراء تمارسه هذه السلطة السياسية او تلك, وان كان هذا اشدها واخطرها ولكنه اجراء تمارسه جميع السلطات في المجتمع, على تنوعها, وبصورة تجعل منه احد ثوابتها وقيمها الرئيسية. وهنا تكمن مدى خطورته وصعوبة القضاء عليه في آن واحد. * كاتب بحريني