حادث آخر يثبت حاجتنا إلى الإصلاح الشامل في حياتنا الثقافية التي لم تعد تحتمل استمرار اختلال الأوضاع في الكثير من المؤسسات الثقافية, وغياب الرؤية الواعية لدور مصر ودور الثقافة في وقت واحد, والانشغال بالمعارك الوهمية بدلا من اقتحام القضايا الأساسية, وانعكاس ذلك كله على الحياة الثقافية.. لتسود مشاعر الإحباط, ويتراجع دور الثقافة والمثقفين. و (الحادث) المثير هو إعلان جوائز الدولة في الآداب والفنون والعلوم الاجتماعية, وما صاحبها من ضجيج بعد أن تم حجب أكثر من نصف الجوائز.. ومنها جوائز مبارك في الآداب والعلوم الاجتماعية, والتي يفترض أن تحصل عليها شخصيات استقرت مكانتها العلمية أو الأدبية, ونالت تقدير المجتمع لعطائها وإنتاجها المتميز. ومصر بلا شك غنية بهذه الشخصيات في كل المجالات.. فما الذي أدى إلى حجب أرقى جائزة من جوائز الدولة, لتبدو مصر وكأنها أفلست من المبدعين الكبار الذين يستحقون التكريم؟ الجواب ببساطة أن المصيبة تأتي من أمرين: فساد الضمير العلمي, واختلال النظام الذي يحكم عمل العديد من مؤسساتنا الثقافية. فبفضل فساد الضمير العلمي, أصبح عاديا أن يقوم العديد من جهات الترشيح ـ ومن بينها جامعات كبيرة للأسف الشديد ـ بتجاهل كل القواعد لكي تطرح أسماء مسئولين كبار في هذه الجهات أو خارجها, كمرشحين للجوائز, بصرف النظر عن إنتاجهم العلمي وقيمته, وبدون الالتفات إلى أن ذلك يفتح الباب لاستغلال أصحاب المناصب الكبرى لسلطاتهم للحصول على جوائز لا يستحقونها وتكريم ليسوا مؤهلين له. وكم كان بائسا منظرنا الثقافي حين حصل رئيس الوزراء ورئيس مجلس الشعب على الجائزة في أحد الأعوام, وحين اضطر غيرهم من المسئولين للاعتذار عن ترشيح بعض المؤسسات التابعة لهم لنيل الجائزة.. احتراما للنفس من البعض وخشية من ألسنة المثقفين لدى البعض الآخر. وبفضل فساد الضمير العلمي, دخلت السياسة في مجال التقييم. وفي بعض السنوات السابقة تم استبعاد كل من لا ترضى عنهم السلطة, وتم حرمان مبدعين في قامة يوسف إدريس ونعمان عاشور وحجازي وجمال حمدان من الجوائز, لتذهب إلى أنصاف الموهوبين من أنصار السلطة. بل إن تلك الأيام شهدت حصول رجل دين مثل الشيخ النمر على جائزة الدولة في الآداب, ولم يكن قد حصل عليها واحد ممن ذكرناهم. والشيخ النمر ـ رغم مكانته الدينية ـ لم يزعم أن له علاقة بالأدب ولم يمارس يوما الإبداع الأدبي لا قبل الجائزة ولا بعدها. وفي سنوات لاحقة تم تدارك الأمر, وذهبت الجوائز إلى الكثيرين ممن يستحقونها بالفعل, ولكن الأساس ظل فاسدا, وكثير من جهات الترشيح لا تحكمها الموضوعية, والأخطاء والمحسوبية في الترشيح لا توازيها إلا الأخطاء في التصويت والتحكيم, حيث يخضع البعض من الموظفين لرأي السلطة العليا, ويخضع البعض لأهوائهم, وتصبح القدرة على (التربيط) هي العامل الحاسم في الحصول على الجوائز, خاصة بين الكبار من المرشحين الذين يملكون النفوذ ويعرفون مفاتيح اللعبة!! وفي ظل هذه الأوضاع كان طبيعيا أن يتم حجب كبرى الجوائز, ولا يجد الأعضاء حرجا هذا العام في عدم منحها لواحد مثل الدكتور شوقي ضيف رئيس المجمع اللغوي في الأدب, أو مثل عالم الاقتصاد والسياسة الدكتور إسماعيل صبري عبد الله, أو الدكتور أحمد خليفة عالم الاجتماع الشهير.. وكل واحد من هؤلاء مؤسسة كاملة.. أبدعت وأنتجت, وخرجت أجيالا من العلماء والمبدعين في كل المجالات. والغريب أن يظهر وزير الثقافة بعد ذلك ليقول إن الجوائز تم حجبها لأن كل المرشحين رائعون.. وكأن التفوق جريمة يعاقب عليها العلماء والمبدعون!! وقد فسر البعض الأمر بأننا بعد نجيب محفوظ لن نجد بسهولة شخصا يحظى بالإجماع على تقديره, وهكذا الأمر في باقي الفروع. وهو قول مردود عليه بأن الإجماع ليس مطلوبا على أي حال, ووجود نجيب محفوظ لم يمنع وجود عمالقة في الأدب من أجيال مختلفة عاصرته على مدى عمره المديد ـ من يوسف إدريس ونعمان عاشور والشرقاوي رحمهم الله ـ إلى جيل صنع الله إبراهيم, وبهاء طاهر والغيطاني والقعيد, إلى أجيال جديدة تشق طريقها بقوة فنحن نملك ذخيرة من المبدعين في الأدب ترتفع قامتهم للجائزة الكبرى. ونملك كما أسلفنا الكثيرين في الدراسات الاجتماعية. لكن المشكلة أن التصويت يخضع لأسباب غير موضوعية. بدليل أن اللجان منحت جوائز الفنون للعظيمين بيكار وجاذبية سري وهما يستحقانها. بينما حجبت جوائز الأدب والعلوم الاجتماعية لأن المرشحين لهم مواقف واتجاهات لابد أن ينقسم الناس حولها, لكنها ـ لو صحت الأمور ـ لما كانت سببا في حجب الجائزة عنهم. ولكن ماذا نفعل إذا كان التصويت على رجل مثل إسماعيل صبري عبد الله سوف يصطدم بأن البعض لا يتصور أن تذهب جائزة الدولة إلى مفكر يساري مهما كانت قيمته العلمية والأدبية. ولو صحت الأمور وكان تشكيل المجلس الأعلى للفنون والثقافة تشكيلا يعبر عن ضمير المثقفين المصريين, لذهبت الجائزة عن طيب خاطر إلى شوقي ضيف وإسماعيل صبري وأحمد خليفة, ولكان ذلك تكريما لهم وللجائزة نفسها. أما حكاية أن كلهم (رائعون) ولذلك حجبنا الجائزة لأننا لم نستطع اختيار (الأروع) بين الرائعين, فهو كلام أجوف يستخف بعقول الناس, وهو تعبير عن الخلل الجسيم في تكوين المجلس الأعلى للثقافة, والخلل الأشد في عملية التصويت. ولو رجعنا للوراء, حين أنشئت جوائز الدولة لأول مرة, لرأينا على الساحة رجالا في قامة طه حسين والعقاد والحكيم, وكان لابد من اختيار واحد منهم كل عام, وطبيعي أنه كان لكل منهم أنصار في الحياة الثقافية, ومع ذلك فقد تم الأمر بيسر, لأن اختيار واحد لا يعني أن الآخرين سيئون. ولم يحدث أن حجبت الجائزة لأنهم جميعا (رائعون) كما يبرر وزير الثقافة الأمر الآن. إنه الخلل في تكوين الهيئات الثقافية, والفساد في عملية التصويت. ولو صح أن حجب الجوائز الكبرى كان لأن المرشحين كلهم رائعون.. فماذا عن الجوائز التشجيعية؟ لقد تم حجب 19 جائزة من أصل 32 جائزة تشجيعية, وهو أمر لا يمكن أن يكون سببه أن المرشحين كلهم رائعون, ولا يمكن أيضا تفسيره بإفلاس الأجيال الجديدة بقدر ما هو مؤشر على إفلاس النظم المتحكمة في الترشيح والاختيار, و هو أمر ينبغي معالجته على وجه السرعة حتى لا نحرم الموهوبين الحقيقيين من الشباب من تشجيع يستحقونه ومساندة هم بحاجة ماسة لها. وتبقى عدة ملاحظات نتوقف أمامها: الأولى: أن حديثنا عن السلبيات في هذا المجال, لا ينفي أن تغييرا أساسيا قد حدث في السنوات الأخيرة, ولم يعد الأمر يمثل فضيحة كما كان الأمر في بعض اختيارات سابقة, بالعكس.. فبين الفائزين هذا العام أسماء لامعة ومواهب رائعة نالت بعض ما تستحق من تكريم.. والأمثلة كثيرة ومضيئة في مختلف المجالات. ولو تم ما ننادي به من تغيير لتشكيل المجلس الأعلى وتعديل لجهات الترشيح وشروطه, وفرض الأمانة العلمية على جميع المراحل.. لكانت الجوائز ـ كما كانت يوما ـ إعلانا حقيقيا عن جميع مجالات الإبداع الذي قدمته وتقدمه كل الأجيال في مصر, ولكانت الجوائز أيضا دافعا للمزيد من الإبداع حين يكون الموهوبون وحدهم هم أصحاب الحق في التكريم المستحق. الملاحظة الثانية: أن الصحافة مازالت بلا جائزة رسمية, في الوقت الذي حصل فيه الممثلون على فرصتهم من خلال تكريم الفنان المبدع محمود مرسي ومنحه جائزة الدولة في الفنون. وإذا كانت نقابة الصحفيين تسدد بعض النقص من الناحية غير الرسمية بمنحها جوائز تشجيعية سنوية للشباب من الصحفيين في مختلف المجالات, وبابتداعها أخيرا جائزة رمزية لشيوخ الصحافة وروادها ذهبت أولا وكما هو متوقع إلى الأستاذ هيكل.. فإن ذلك كله لا يهدر حق الصحافة في أن تكون لها جوائزها الرسمية, وهو ما يحدث الآن لأسباب تافهة تتعلق بالقانون الخاص لهذه الجوائز الذي يحرم نقابة الصحفيين من حق الترشيح ولا يخصص جوائز لهذا التخصص الذي أصبح يحكم العالم اليوم.. بالصوت والصورة. ومع ذلك, فقد أخذت الصحافة المصرية حقها هذا العام ـ ولو من الأبواب الخلفية ـ فها هو الفنان الجميل بيكار يحصد جائزة مبارك للفنون, ودور بيكار في إثراء الصحافة المصرية بالفن الجميل يحتاج لكتاب خاص, وما فعله صاحب (البورتريهات) الرائعة في إضفاء لمسة الجمال على الصحف والمجلات المصرية كان مهما ومؤثرا, وتلاميذه المنتشرون في مصر والعالم العربي دليل على ريادته وقيمته الفنية التي أصبحت محل إجماع. ثم هاهو الزميل فتحي عبد الفتاح يحصد جائزة الدولة للتفوق في العلوم الاجتماعية بدراساته التي جمعت بين الوعي العلمي واللغة السهلة ومزج الخبرة العلمية بالواقع المصري. وأيضا ذهبت جائزة الدولة للتفوق في الأدب إلى الزميل عبد الله الطوخي صاحب القلب الأبيض والإبداع الجميل في الصحافة والأدب منذ أن قدم لنا نهر النيل وهو ينبض بالحياة والحب على صفحات (صباح الخير) قبل أكثر من أربعين سنة, وحتى عمله الأخير الجميل الذي يقدم فيه سيرته الذاتية وهي تحمل هموم جيل تحمل الكثير في مرحلة هامة وحاسمة من تاريخ مصر والعالم العربي. دعواتنا له بأن يكتمل له الشفاء ليعود لمواصلة مسيرته الجميلة في الصحافة والأدب. ثم ها هي الجائزة التي ذهبت إلى الزميل أحمد النجار على كتابه الهام عن دور المعونة الأمريكية في إنشاء إسرائيل ودعمها واستمرارها, وهو الكتاب الذي نشرته (البيان) على حلقات قبل صدوره. هذا التكريم كان له طعم خاص لأنه يذهب إلى شاب يملك العلم والمثابرة والضمير الوطني والقدرة على مواجهة الباطل مهما كان حجمه ومهما كانت سطوته. وقد كان ومازال مشتبكا في معركة هامة ضد تسلل عملاء التطبيع إلى مراكز البحث المصري وفي مقدمتها مركز الأهرام الذي يشغل فيه موقعا هاما. أخذت الصحافة حقها كما نرى ولكن من الأبواب الخلفية. وربما كان هذا هو الأفضل, ففي ظل الأوضاع المقلوبة التي نعيشها, والخلل في نظم الترشيح والتصويت, فإننا لو أعلنا عن جائزة للصحافة, فالأغلب أنها لن تذهب لمن يستحقها, وستذهب لأصحاب السطوة والنفوذ لا لأصحاب المواهب والإنجاز الحقيقي. بل ربما وجدنا من يملك الجرأة على أن يرشح لها شخصا مثل محمد فودة باعتباره السكرتير الصحفي للوزير الفنان. ولوحدث ذلك قبل اكتشاف فضيحة سكرتير الوزير الذي رمته في الحبس وقدمته للمحاكمة التي تنتظرها الأوساط الثقافية والسياسية لو حدث ذلك قبل الفضيحة, لاعتبر البعض ترشيحه للجائزة واحدا من الإنجازات الثقافية التي ينكرها أمثالنا من أعداء النجاح, ولذهبت الجائزة بكل جدارة إلى السكرتير الصحفي المعجزة الذي استطاع تهريب بضعة ملايين في فترة وجيزة استغلالا لموقعه! وتبقى ملاحظة أخيرة نتساءل فيها: ألم يأن الأوان لتكون لمصر جوائزها المخصصة للمبدعين العرب في كل الأقطار وفي مختلف المجالات؟ إن الجوائز في العالم العربي كثيرة, ولكن جائزة من مصر سيكون لها مذاقها الخاص وقيمتها الكبيرة. ولقد كانت هناك سنوات من محاولة فرض القطيعة بين مصر وشقيقاتها العربيات. ولقد انتهى ذلك الآن, وسيور المودة تمتد, والعلاقات في مختلف المجالات تتوسع. وإذا كان ما يتحقق لا يرضي طموحنا فهو ـ وبلا شك ـ خطوة على الطريق. وإذا كان التركيز الآن على الجوانب الاقتصادية والتعاون المشترك في كل مجالاتها, فإن إهمال الجوانب الثقافية سيكون جريمة, خاصة في ظل التحديات التي تواجهنا ومع إصرار البعض على طرح سؤال الهوية من جديد إنكارا للعروبة وانتقاما منها. ولا أظن أن المادة ستقف عقبة في هذا المجال. فمصروفات احتفال مثل احتفالية رأس السنة التي (لهف) منها الخواجة الفرنسي بيجار عدة ملايين لكي نشاهده بالكوفية على سفح الهرم.. كانت كفيلة بالانفاق على هذا المشروع.. لو أخلصنا لأنفسنا ولثقافتنا.. بعيدا عن المظهرية وتبديد المال العام في هذا العبث. غير الفني وغير الثقافي! نائب رئيس تحرير اخبار اليوم