كل ما يحدث الآن على الساحة الإسرائيلية من انتقالات وانسحابات وخلافات هي عملية مرسومة منذ البداية. لقد حرص باراك على تأليف حكومة من فصيلة السمك لبن تمر هندي في هذه اللحظة بالذات يحدث الانشقاق وتسقط الحكومة وتدخل في انتخابات جديدة قد تنتهي بمجيء نتانياهو آخر يبدد عدة سنوات في لت وعجن دون أن ينجز شيئا أويتقدم خطوة واحدة, فإسرائيل ليس بها احزاب ولكن يوجد بها تقسيمة كتلك التي تجري على ملاعب الكرة بهدف التدريب, فريق يلبس أحمر وفريق آخر يلبس أخضر, دون أن يكون للألوان أي معنى, ولكن الهدف الوحيد هو التدريب على الخطة الموضوعة وليس لإسرائيل هدف الا ابتلاع فلسطين والسخرية من العرب. ومن أجل تحقيق هذا الهدف يطلق بعض اليهود ذقونهم حتى بطونهم ويضفرون شعورهم عناقيد تتدلى على آذانهم, وبعضهم يؤمن بالشيوعية والمادية الجدلية, وبعضهم يؤمن بالديمقراطية, والبعض الآخر يعتنق النازية, ولكن كل هذه الممارسات في الظاهر. أما في الواقع فكلهم يهود, وكلهم من شارون وإلى باراك يعتنقون فكرة واحدة هي ابتلاع أرض الميعاد وإقامة الدولة اليهودية من النيل إلى الفرات, إذا لم يكن على الفور فلا بأس من إقامتها على مراحل وعلى دفعات. وقد أشاعوا في فترة سابقة أن حزب شاس مختلف مع باراك حول مسائل مالية ولأنه إذا حصل عليها سيصبح مثل الخاتم في إصبع باراك. ولكن في اللحظة المناسبة كشف حزب شاس عن حقيقة دوره في المسرحية الإسرائيلية. فاجتماع كامب دافيد يمثل خطرا حقيقيا من وجهة نظر إسرائيل. لأن الرئيس الأمريكي الذي يسعى إلى تحقيق نصر سريع يكون مسك الختام لرئاسته قد يضغط على باراك لتقديم بعض التنازلات خصوصا في موضوع القدس وموضوع المستوطنات. وهو أمر لا تقبل به إسرائيل. ولكن إذا أصر الرئيس الأمريكي فليس بوسع أي رئيس وزراء إسرائيلي أن يتمسك بعناده, وإلا حدث له ما حدث لرئيس الوزراء نتانياهو الذي فتش البوليس منزله ومكتبه واتهمه بالتربح وسوء استخدام المال العام. فما هو الحل إذن للخلاص من هذه الورطة؟ ثم الدخول في انتخابات جديدة تستغرق شهورا, يكون الرئيس الأمريكي قد غادر البيت الأبيض, وجاء رئيس أمريكي جديد يحتاج إلى وقت طويل لدراسة القضية ثم القيام بزيارة للمنطقة ثم تعيين طاقم جديد لمتابعة خطوات حل القضية, وتدخل المنطقة في عملية دوخيني يا لمونة وإلى ماشاء الله. والدليل على أن ما يحدث في الساحة الإسرائيلية هو نتيجة لخطة موضوعة رفض وزير الخارجية السفر مع باراك إلى واشنطن واستقالة وزير الداخلية واعتصامه داخل خيمة صبها أمام مقر رئيس الوزراء احتجاجا على المشاركة في مؤتمر كامب ديفيد. المشكلة ليست في الأحزاب الدينية فقط ولكنها الحكومة نفسها, وباراك أراد توجيه رسالة إلى الإدارة الأمريكية يؤكد فيها ضعفه وقلت حيلته وهوانه على الناس, وأنه فاقد الأهلية للتوقيع على أي اتفاق, وأنه رئيس وزارة بلا وزارة ومسئول بدون مسئولية ومفاوض بدون صلاحيات, و رجل غلبان يستحق الحسنة ويصعب على الكافر. هذه هي سياسة إسرائيل الحقيقية وهذه هي خطتها للخروج بنصيب الأسد من عملية السلام. وهي طريقة تصلح لتدريب فرق الكورة ولكنها لا تصلح لحل مشاكل سياسية تتعلق بدول وشعوب. والسؤال إلى الآن.. ماالعمل لمواجهة هذا الاستهبال الإسرائيلي؟ وما هو دور السلطة الفلسطينية لإفشال هذا المخطط الشيطاني لدولة اليهود؟ واجب السلطة الفلسطينية التمسك بالتاريخ الذي حددته لإعلان الدولة الفلسطينية, وستجد الدولة الوليدة اعترافا دوليا واسعا ومساندة عالمية بلا حدود والتهديد الإسرائيلي باستخدام الدبابات والمدافع والطائرات ضد أي أعمال تمرد يقوم بها الشعب الفلسطيني هو مجرد كلام فارغ وهو دليل خوف وليس دليل قوة والرجل الأقوى لا يهدد ولكن المذعور هو الذي يستخدم التهديد كسلاح. والشعب الفلسطيني دفع ثمنا باهظا ولا بأس من أن يدفع المزيد في سبيل الحصول على حقوقه. وفي حالة إقدام إسرائيل على ارتكاب هذا العدوان الإجرامي, يجب على الدول العربية التي لها علاقات دبلوماسية بإسرائيل سحب السفراء من تل أبيب وتجميع العلاقات معها, وعلى الدول العربية التي على علاقات تجارية بالدولة اليهودية أن تقطع كل علاقة لها بإسرائيل, وعلى الجميع وقف عملية التطبيع مع دولة اليهود حتى ترد للشعب الفلسطيني حقه المشروع. والعبد لله من الذين يقدرون عرفات ويعترفون بشجاعته, كان مقاتلا شرسا في وقت الحرب, ثم تحمل وحده تبعات مراحل السلام, وتحمل كل النقد الذي وصل أحيانا إلى حد التجريح. اتهمه بعض الكسالى من مقاتلي الفنادق والقهاوي بالتفريط والخيانة, ما كان أغناه عن التصدي لهذه المهمة الشاقة واكتفى بالنضال من قهوة في تونس أو بيروت أو لندن أو جنيف. ولكن عرفات لأنه زعيم ومسئول ويشعر بمسئوليته التاريخية تجاه وطنه وشعبه, مضى في طريقه غير مبال بما يقال وما يشاع. ولكن إذا كان اليهود مصرين على قطع مسيرة السلام وفرض الأمر الواقع واحتلال القدس الشريف وتحدي مليار مسلم في أنحاء العالم.. لا بأس عندئذ من دخول معركة الحياة والموت ضد الصلف الإسرائيلي والاستهبال الدولي. وعلى عرفات أن يحمل السلاح ويقود شعبه من داخل فلسطين, وتجربة شعب الشيشان تثبت أن باستطاعة شعب صغير أن يهزم دولة عظمى. وليس أمام عرفات في هذه الحالة إلا النضال والنصر أو الموت في ساحة الشرف.