لماذا يستبد الانسان ضد اخيه الانسان؟ وهل الاستبداد امر محتوم لا مفر منه ولا دخل للانسان او ارادة فيه؟ ينبغي الاعتراف بأن مثل هذه الاسئلة رغم سهولة طرحها غير ان الاجابة عنها ليست بنفس هذه السهولة. لقد تعود الناس مثلا على الاجابة بالرفض او القبول ، لدى سؤالهم عما يحبون او يكرهون. وفي حالة الاستبداد بالذات لا اتصور ان هناك من سيفرح او سيقبل بأن يصفه الآخرون بأنه مستبد. الطبيعي ان يبادر للاجابة بصورة تنفي عنه هذه الصفة بشدة. ومن هنا فإن مثل هذا الانسان سيجيبك ردا عن الاسئلة التي ذكرناها اعلاه بالقول: ان الانسان يستبد بأخيه الانسان بسبب الطمع والغرور والانانية. وسيضيف ايضا: كلا ان الاستبداد ليس امرا محتوما, والانسان يملك كل الارادة في ان يمتنع عن هذا السلوك. هذه اجابة كما نرى تقليدية, وستجدها بسهولة, عزيزي القارىء, على لسان كل من قد تسألهم عن هذا الموضوع. انا من جهتي ارفض وآمل ان يرفض القارىء مثلي ايضا ان تقنعه مثل هذه الاجابة. لانه لو كان صحيحا ان كل انسان يمقت الاستبداد ويرفضه لكان الاستبداد قد اختفى منذ زمن بعيد. ولو كان صحيحا ان الاستبداد مجرد رغبة يحتاج الانسان ويمارسها بكامل ارادته ووعيه, لكان يمكن السيطرة عليها بطريقة من الطرق, ولأمكن عزل الاشخاص الذين يمارسونها وتخليص المجتمع منهم. لقد اطاحت الشعوب والمجتمعات خلال تاريخها الطويل, بعشرات الآلاف من الانظمة والشخصيات المستبدة, وقتل الكثير من المستبدين على مر هذا التاريخ نفسه. ومع ذلك لا يزال الاستبداد موجودا في الكثير من المجتمعات ومن بينها مجتمعاتنا العربية والاسلامية. وبالقدر نفسه فإن آلاف الكتب التاريخية والمعاصرة تزدحم بالنصائح والافكار الحاثة على التسامح ونبذ الاستبداد ومقاومته ومع ذلك فإنها لم تنجح في منع الناس من الاستبداد او اجتثاث جذوره. الامر اذن هو اكبر واعمق من تلك الاجابات التقليدية التي تحدثنا عنها اعلاه, والتي ارادت ان توهمنا (ربما بحسن نية) بأن القضاء على الاستبداد يمكن ان يتم عن طريق الاخلاق والتربية الفاضلة وسلوك الطريق القويم والاقتداء بالسلف الصالح. انا شخصيا اعتقد ان الاستبداد جزء لا يتجزأ من طبيعة النفس البشرية. انه ليس امرا طارئا بالنسبة لها وانما هو جزء مقيم فيها. لكن شدته او ضعفه, اتساعه او صغر نطاقه لا تعودان الى الرغبة المجردة لدى الانسان, وانما الى عوامل الضبط والتوازن التي ينشئها المجتمع نفسه, للحد من نزعات الاستبداد. وبطبيعة الحال فإن هذا الضبط ينبغي ان يتجه (او هكذا يفترض) الى الاماكن الاخطر والاكثر قدرة على ممارسة هذا الاستبداد. أي الى جماعات النفوذ والقوة في المجتمع. وهذه تشمل الاحزاب او الفئات الحاكمة, وتشمل مالكي الثروة والنفوذ الاقتصادي, كما تشمل بعض الفئات التي تمارس نفوذا تقليديا مثل زعماء المجموعات الاثنية او القبلية. ومن هنا يمكننا ان نرى انه في الانظمة الديمقراطية وحيث تكثر الرقابة على السلطة التنفيذية وكل ما يتعلق بها وحيث توجد وسائل لا حصر لها للمقاومة السلمية فإن الاستبداد بتضاءل وربما يختفي في بعض الاحيان وعند مستويات معينة. لكن حتى في ظل هذه الانظمة لا يمكن القضاء تماما على نزعة الاستبداد يمكن القول ان بعضا من هذه النزعة يظل موجودا بهذا القدر او ذاك وسواء مورست نحو الداخل حيث الرقابة المشددة او نحو الخارج حيث لا رقابة تقريبا. من اللافت هنا ان نزعة الاستبداد حين تضعف في الدول الديمقراطية القوية فإنها تشتد في العلاقة مع من هم اضعف منها من الدول الاخرى. وربما فهم ذلك على انه نوع من التعويض جراء عدم القدرة على ممارسة الاستبداد بحرية في الداخل فيتسم تصديره او تنفيسه باتجاه الخارج. وهذا يفسر جانبا مهما على الاقل من طبيعة السياسات الاستبدادية التي تمارسها بعض الدول الكبرى ذات الارث الديمقراطي العريق, في علاقتها مع الكثير من دول العالم الثالث, حيث التبعية والابتزاز ونهب الثروات وفرض السياسات والتوجهات وما الى ذلك. * كاتب يحريني