ولم تكن تلك القوى هي الوحيدة التي عملت على خلق اسرائيل بل كل المنظمات الصهيونية التي ورد ذكرها مشاركة في خلق اسرائيل وكان من بينها اللواء اليهودي الذي تشكل من بداية عام 1939, حينما رأى قادة التجمع الصهيوني الاستيطاني، ان الحرب العالمية فرصة لتحقيق اهدافهم في فلسطين عن طريق مساعدة الحلفاء. وكانت لجهود حاييم وايزمان في لندن وموشى شرتوك (شاريت) في القدس دور كبير في اقناع بريطانيا بذلك حيث سمح للصهاينة في فلسطين عام 1940 بالانضمام الى كتيبة (كنت الشرقية) وبعدها ظهر للوجود عدد 15 سرية صهيونية خاصة من 42 الى 1943 وبعد فترة من التدريب والضغط على بريطانيا انضم اللواء اليهودي الى الجيش الثامن البريطاني في ايطاليا وقد اسهم اللواء اليهودي في تنظيم هجرة اليهود من ألمانيا والنمسا وهولندا وبلجيكا الى فلسطين. لكن بريطانيا اصدرت قرارا بحله عام 1946 بعدما زاد من نشاطه ضد الانتداب البريطاني ورجع جميع اعضاء اللواء الى فلسطين لكي ينضموا الى التنظيمات العسكرية الصهيونية القائمة انذاك, وكان من بينهم اثنان من رؤساء اركان الجيش الاسرائيلي بعد ذلك موردخاي ماكليف وحاييم لاسكوف وفي عام 1940 اسس ابراهام شتيرن الذي كان عضوا في الهاجانة والارجون منظمة (شتيرن) وهي منظمة عسكرية ارهابية ومعناها (المحاربون من اجل اسرائيل) وتمثل اقصى الاتجاهات الصهيونية تطرفا وعنفا وتعصبا في محاولتها تحقيق الدولة الصهيونية. وقد كان شتيرن رافضا للتعاون مع بريطانيا. بل تعاون مع دول المحور في سبيل اقامة الدولة الا انه قتل عن طريق سلطات الانتداب البريطاني اثناء احد اصطداماتها مع منظمته. الا انه في عام 1944 تم تشكيل قيادة ثلاثية للمنظمة قامت بعد التخطيط بعملية اغتيال اللورد موين المعتمد البريطاني في القاهرة. وفي عام 1945 اندمجت شتيرن مع الارجون والهاجانة لفترة قصيرة, بعدها عادت الى ممارسة عملياتها الارهابية ضد سلطات الانتداب البريطاني في فلسطين, وقد شاركت شتيرن في مذبحة دير ياسين, ومع اعلان (الدولة الاسرائيلية) انضمت شتيرن الى جيش الدفاع الاسرائيلي! وقد ثارت شكوك قوية وصلت الى حد اليقين بأن عناصر منها هي التي اغتالت برنادوت ممثل الامم المتحدة الى فلسطين وتقدير من حكومة اسرائيل لهذه المنظمة وتاريخها تم اعتماد سنوات الخدمة بها ضمن حساب المعاشات! واخيرا جاء دور البالماخ الذي تأسس عام 1941, وهو اختصار لـ (بلوجوت ما حاتس) اي (سرايا الصاعقة) وقد تم تأسيسه ليكون القوة الضاربة للهاجانة والقادرة على تأدية المهام الصعبة, وقد شارك البالماخ في الحملة البريطانية ضد قوات حكومة فيشي في سوريا ولبنان وارتبط منذ البداية بحركة مزارع الكيبوتز والمابام, وتتميز اعضاء تلك المنظمة برفعة مستوى الوعي العقائدي حيث كانوا يؤمنون بالصهيونية العالمية, كما شكل ضباطه قلب جيش الدفاع الاسرائىلي. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وجهت البالماخ ضرباتها وعملياتها ضد سلطات الانتداب البريطاني وقامت بدور كبير في تأمين الهجرة غير الشرعية لليهود الصهاينة الى فلسطين, كما كانت تشكيلات البالماخ العسكرية هي التي واجهت الجيوش العربية في حرب 1948 وكان من ابرز قيادتهم آلون ورابين وبارليف والعاذر وهود وقد اصر بن جوريون على حل هذه المنظمة اليسارية وبالفعل تم ذلك عند الدمج في جيش الدفاع الاسرائيلي! تتكشف لنا من الغوص في تاريخ تلك المنظمات العسكرية السري منها والعلني مجموعة من الحقائق: 1ـ كافة المنظمات الصهيونية ـ عمالية وتصحيحية ـ التي شاركت في العمل على اقامة وطن في فلسطين كانت تقوم على عقيدة صهيونية وتضم عناصر قيادية مبادرة من افراد الحركات الصهيونية في كافة البلدان التي وجدوا فيها. 2ـ كل تلك المنظمات كانت عسكرية ومعظمها كان سريا. 3ـ اعتمدت تلك المنظمات على اعمال التدريب العسكري والتوجيه الايديولوجي واعمال العنف الموجه والعمليات الارهابية الموجهة ضد مؤسسات وافراد. 4ـ كل تلك المنظمات تعاونت مع الاستعمار البريطاني وجيوشه ـ باستثناء منظمة التيار التي تعاونت مع الحلفاء ـ انطلاقا من ايمانهم بأهمية التعاون مع قوة كبرى. وعن ذلك يقول حاييم وايزمان اول رئيس لدولة اسرائىل في كتابه (الصواب والخطأ) ان حل المشكلة اليهودية يجب ان يكون من اعلى بواسطة المصالح الامبريالية وليس من اسفل عن طريق الجماهير اليهودية. 5ـ كانت تلك المنظمات هي قنوات العنف والاستيطان في ارض فلسطين فهي التي رفعت شعار (اقتحام الارض وطرد ساكنيها) , وكان ذلك واضحا عندما قال ارثر روبين مسئول توطين اليهود خلال العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن في فلسطين ما يلي: انه كان من الصعب تحقيق الصهيونية وجعلها تتماشى باستمرار مع الاخلاقيات العامة. لقد كان ذلك مستحيلا. ففي كل مكان نشتري فيه ارضا يتم فيها توطين بعض الافراد, يصبح من المحتم تجريد الزراع الحاليين من ممتلكاتهم وهكذا طالما يجري تنفيذ العمل الصهيوني في فلسطين ضد ارادة العرب, فإنه ليس هناك سوى ان (ىفقد) بعض الاشخاص ارواحهم. 6ـ ساهمت تلك المنظمات في تخريج اسماء لامعة في الحركة الصهيونية والاستيطانية والعسكرية كان منها بن جوريون وشاريت واشكول وجولدامائير ورابين وبيجن وشامير وبيريز ووايزمان وتسور ولاسكوف ودوري وبادين ومكاليف وريبان وشارون وليفي والجازر ويهودا باك. اذن نحن امام قنوات عنف ايديولوجي استيطاني استعماري, تجمعت كلها في قناة واحدة هي المؤسسة العسكرية الاسرائىلية بعد (اعلان الدولة الاسرائيلية في 1948) وتحدد اغراضها في حماية (الكيان الاسرائيلي الوليد) والعمل على التوسع في الاستيلاء على الارض العربية وذلك ايمانا بدولة اسرائيل الكبرى وخروجا من مأزق ضيق الارض وعدم توافر الامن لها, واخيرا كان دور تلك المؤسسة العسكرية الواحدة هو عسكرة الدولة والمجتمع ومحاولة دمج عناصره المتعددة وقيادة التقدم والنهضة. وكان الطريق الاوحد والامثل لتحقيق ذلك في نظر قادة الدولة والمؤسسة العسكرية والفصائل العسكرية قبل اعلان الدولة هو طريق العنف والمبادأة وعن ذلك يقول الجنرال ديفيد اليعازر (لم يحقق الدفاع نصرا في سجلات الحروب ولهذا سوف نحتفظ دائما بالمبادأة تحت كل الظروف حتى نملي ارادتنا على العرب ونفرض من ايقاعنا عليهم في اي مواجهة مقبلة) . وهكذا اصبحت المؤسسة العسكرية هي حاملة العقيدة الصهيونية ومنظرة لنظرية الامن الاسرائيلي الصهيوني عبر محاوره السياسية والاقتصادية والعسكرية والامنية والاجتماعية والحزبية والشبابية وحتى الثقافية. وكان ذلك هو دور جيش الدفاع الاسرائيلي بعد قيام الدولة المؤسسة العسكرية الاسرائيلية ونظرية الامن الاسرائيلية: المقصود بالمؤسسة العسكرية الاسرائيلية هو ذلك التنظيم الضخم الشامل لكل المؤسسات والاجهزة والمراكز العسكرية والسياسية الامنية الانتاجية الخاضعة لاشراف الجيش ويديرها ضباط سابقون او سياسيون او اكاديميون, وهكذا لم تعد المبادىء الصهيونية البسيطة في اقامة وطن الاستيطان والعنف كافية للمؤسسة العسكرية الاسرائيلية بعد اعلان الدولة, فكان لزاما تطوير الاهداف والاغراض وتحديد المهمات والبرامج لكي تتناسب مع الدور الجديد للدولة الاسرائيلية ومن هنا تمت صياغة نظرية الامن الاسرائيلية من بداية الخمسينيات متلازمة ومتوائمة مع بناء جيش الدفاع الاسرائيلي, وتأكد نضوج تلك النظرية من خلال نتائج حرب 1967 وعندها تبلورت المؤسسة العسكرية الاسرائيلية واصبحت تستحوذ على استراتيجية لا تنفصل عن اهداف الدولة بل في القلب منها. وهكذا تبلورت نظرية الامن الاسرائيلية, اي الاطار النظري والتنظيمي الاسرائيلي الشارح والحاوي للمفهوم الوضعي لحالة التهديد, وكان بن جوريون قد قدم اقوى تعريف لذلك عندما قال: (ان امن الدولة ليس قضية حماية الاستقلال والاراضي والحدود او السيادة انما هو قضية البقاء على قيد الحياة) .