يزدحم الفضاء السمعي البصري بالكثير من الاقمار الصناعية والتلفزيونية الرقمية مما يندر عن الحصر. وهي تتنافس فيما بينها تنافسا يقطع الانفاس الى جانب التنافس الشرس الذي تخوضه محطات البث لجذب المشاهد والمجتمع واستقطابه بأي ثمن, حتى لو كان ذلك الثمن اثارة تعرضها هذه المحطة او تلك, سواء كانت اثارة سياسية او دينية او حسية وكل هذه الألوان من الاثارة تغمر عقل المشاهد ووجدانه حتى انه يجد صعوبة شديدة في مواجهتها. فالمشاهد يجد نفسه قادرا على ان يهاجر من بلده الى اي بلد يرغب واي ثقافة يشتهي بمجرد ضغطة زر على جهاز التحكم الآلي من بعد. وتشهد الثورة الرقمية الحالية في البث انتشارا كبيرا واتساعا في نطاق استقبال البرامج التلفزيونية المتاحة بعد ان اكتظت سماء المنطقة العربية بالاقمار الصناعية والمحطات التلفزيونية العربية والاوروبية والامريكية.. الخ. هذا التوسع الضخم والسريع يطرح العديد من المشاكل التي انبثقت من هذا الوضع (الاعلامي) الجديد, مثل غياب التشريعات والقواعد المقننة لضبط ذلك التنافس الوحشي الذي تغلب عليه الفوضى وعدم التنظيم. ومن هنا تنبع اهمية الدعوة التي اطلقها معهد العالم العربي في باريس لمناقشة مثل هذه الموضوعات والتي دعا اليها المعهد متخصصين في الاعلام وممارسين اعلاميين من الدول العربية والاوروبية والامريكية. وتتعدد اشكال المخاطر مع هذا التوسع في البث, فهناك مخاطر سياسية واقتصادية واجتماعية في آن واحد, وان كانت كلمة (مخاطر) التي يحب البعض ان يستخدمها كلمة كبيرة وغير ذات دلالة فإن كلمة (تحديات) ربما تطابق الواقع, وهي تحديات لن ينفع التشريع الوطني في الحد منها حيث تتزايد الشكوك في قدرة الدولة ـ وحدها ـ على احتكار الفضاء السمعي البصري او حتى مواجهته. لقد انتشرت الاطباق اللاقطة للبث التلفزيوني في بعض المناطق العربية دون ان يكون مسموحا بها قانونا وهذه من القضايا التي فرضها الناس في واقع حياتهم دون رخص مسبقة من السلطات بل ان الدول العربية تحمل تناقضا لافتا للنظر في هذا الموضوع. ففي الوقت الذي تنتشر فيه الاطباق اللاقطة للبث التلفزيوني في الجزائر ـ مثلا ـ حتى تجاوز عددها عدد اجهزة الهاتف في تلك البلاد حاربتها دول اخرى الى درجة التحريم فأصبح لدينا اكبر عدد منها من جهة في دولة عربية بينما هناك ـ من جهة اخرى ـ اكبر عدد من المسجونين (فضائيا) في دولة عربية اخرى بسبب عدم اقتناعهم بهذه الاطباق! من طنجة الى عمان وبفضل الاطباق اللاقطة صارت مئات القنوات التلفزيونية تتسلل الى داخل البيوت العربية. فهناك ثورة صامتة في الفضاء العربي, تزدحم بالقنوات الحكومية والمشتركة والخاصة والاوروبية والامريكية ولن يمضي الكثير من الوقت حتى نشاهد قنوات اوروبية ناطقة باللغة العربية. ويتزامن مع هذه الثورة ويسايرها استخدام تقني هائل ومتقدم في مجال الانترنت الذي يتوازى مع البث التلفزيوني. امام كل هذا التقدم التقني تسلم الرقابة كل مفاتيحها وتحال اجهزتها الى التقاعد الا اذا كانت هناك رقابة صارمة من خلال فرق دائمة التجوال تحارب من يرفع صحنا لاقطا على سقف بيته وحتى هذه قامت بحلها التقنية التي عرضت في ندوة معهد العالم العربي. فبواسطة صحن لاقط صغير لا يتعدى حجمه ثمانين سنتيمترا يستطيع المشاهد العربي التقاط البث المباشر والرقمي (الصافي) لستين محطة راديو وتلفزيون ومجانا ايضا! هذا مااعلنته شركة فرنسية دولية يغطي اسطول اقمارها الصناعية الفضاء العربي. التقنية اذن تتقدم في تطور مذهل, حتى انه لن يبقى امامها حدود موصدة او غير قابلة للاختراق, وهو الامر الذي يدفعنا الى التساؤل عن واقع العرب ازاء ذلك كله؟ وما الذي يتعين عليهم فعله في ظل هذه الثورة الاعلامية المستعرة؟ هناك سبع حقائق على الاقل تتعلق بهذا الموضوع تجمل الموقف العربي وتحدد اتجاهه حيال الثورة المقبلة في الفضاء السمعي البصري العربي, يمكن تلخيصها في الآتي: الحقيقة الاولى المعروفة لكل متابع في هذا المجال وهي انه ليس هناك اعلام دولي او محلي خال من المرجعية اي ليس له هدف يريد تحقيقه. فهناك دائما هدف ما اما سياسي واما اقتصادي واما اجتماعي ظاهر او باطن. الحقيقة الثانية المشهودة في الفضاء العربي ان هناك (حروب كلامية عربية) تتسم بالفعل ورد الفعل المتبادلين وسرعان ما تنتقل هذه الحروب الكلامية الى محطات البث المنطلقة بهذه السرعة وبهذه القدرة, مما يزيد من اوار هذه الحروب الكلامية ويوغل في اشعالها. الحقيقة الثالثة ان هناك حدودا للتعبير في ثقافتنا العربية كل في نطاق دولته. والملاحظ ان البعض يتيح لنفسه سقفا عاليا في الدفاع عن نظامه, بينما يخفض مستوى هذا السقف الى الحد الادنى حين يتعرض النظام ـ نفسه ـ لاي نقد. لذا نجد ان بعض المحطات الفضائية استفادت من هذا التناقض بوضع اثنين (او اكثر) بالمواصفات التي ذكرت وتركهما لصراع غير مفهوم وغير منطقي اقرب الى صراع الديكة وبالتالي تحصل هذه المحطة التلفزيونية او تلك على الاثارة التي تريد وتستقطب عدد المشاهدين الذي ترغب فيه!. الحقيقة الرابعة تتعلق بالخطاب الاعلامي العربي (وتحديدا التلفزيوني) فالملاحظ ان الخطاب التلفزيوني العربي يوجه كله الى العرب, حيث نبدو كما لو كنا نخاطب انفسنا بالرغم من اننا متفقون ـ تماما او غالبا ـ على ثوابتنا الثقافية, فكأننا نعيد انتاج انفسنا لانفسنا, فلم يحاول احد من امتنا العربية ان يبث خطابا تلفزيونيا الى جيراننا الايرانيين ـ مثلا ـ او الاتراك او الهنود, كما لم ننتج خطابا اعلاميا الى اوروبا يقدم صورة ثقافية وحضارية لامتنا العربية. ونستثني من ذلك الجهد الذي يقدمه التلفزيون المصري برغم محدوديته. الحقيقة الخامسة هي فقدان الهدف التنموي الواضح التلفزيوني. فهذا البث, مثل كثير من المشروعات الاعلامية, هو تقليد للآخر اكثر منه تصميما محددا لهدف او اهداف تنموية واضحة المعالم, تنبع من خصوصية بيئتنا وملامح حضارتنا ومفاهيمنا الثقافية. يزيد من غموض هذا الهدف تدني مستوى التدريب للعاملين في هذا الجهاز الاعلامي المهم, حيث نجد ان كثيرا من المهن في بلداننا تتطلب تدريبا مسبقا يتعرض له المرء قبل الالتحاق بالعمل بداية من سائق السيارة الى المحامي, الى الطبيب.. الخ فقط الاعلامي يستطيع ان يمارس هذه المهنة دون مؤهلات حقيقية او تدريب مسبق, الا في ضيقة واقرب الى العفوية دون الخضوع الى استراتيجية ثابتة وواضحة المعالم. فهو او هي لايعرفان ادارة الوقت, وفي الغالب تعوق عملهما محدودية الثقافة العامة عن اداء الرسالة الاعلامية المبتغاة. الحقيقة السادسة تتعلق بحساسية الكلمة في مجتمعنا العربي الذي لا يزال شديد الحساسية تجاه الكلمة المنطوقة والمكتوبة فلم نتجاوز ـ حتى الآن ـ هذه الحساسية في علاقتنا العربية وربما استطاع بعضنا ان يتجاوزها خاصة اذا جاءت من مصدر اخر لا سيما من العالم الغربي. الحقيقة السابعة ان الامية ـ مع الاسف ـ هي السائدة في مجتمعاتنا العربية وبالتالي فإن قطاعا كبيرا من العرب (الذين لا يمارسون القراءة والكتابة) يتلقون ما يذاع في المحطات التلفزيونية وكأنه حقيقة مسلم بها, غير قابلة للنقاش او اعمال التفكير وبالتالي يتكون رأي عام غير مستنير في اغلب الاوقات يتسم بالتعصب للرأي السياسي او الاجتماعي او الديني بل ان هذا المتلقى يكون اكثر قابلية للخضوع لانواع من السلوك الصحي والديني والاجتماعي تفرض عليه دون ان يكون له حول ولا قوة, فلا يملك الا ان يصدقها مثلما خضع كثير من المشاهدين في الوطن العربي لنصائح احدى خبيرات التغذية مما غير سلوكياتهم الغذائية بزاوية تقترب من 180 درجة. التوسع السريع الذي شهده الفضاء العربي حتى وصل عدد المحطات الفضائية التي يستطيع ان يستقبلها المشاهد العربي الى المئات, امر يفرض اعادة التفكير من جديد في هذا الامر, فالقضية ليست التنافس السياسي فقط, بل ايضا التنافس على شراء البرامج التي تحدد العولمة اثمانها ومستوى البرامج المقدمة. فليس غريبا ان تسمع شكوى البعض من ان كثرة المحطات الفضائية قد قللت من جودة البرامج التي يمكن مشاهدتها. كما ان هناك تنافسا مشتعلا ينصب على القوى العاملة المحدودة بطبعها, كما على جلب مساحة من الاعلان الذي يتسم بالمحدودية ايضا في النطاق العربي. لقد اصبحت المحطات التلفزيونية الحكومية كالايتام على موائد اللئام في هذا التنافس الكبير (!) فانصرف المشاهد عن بعضها لأنها ظلت تراوح في مكانها دون ان تقدم شىئا ينفع المشاهد او يقدم له زادا تنويريا. (إلا من رحم ربي). ومن المتوقع لهذه المحطات ان لم تسع الى تطوير نفسها وبرامجها واهدافها, ان تتخطاها بمراحل محطات دولية لديها المال والمرونة والتدريب والادارة, وهي الادوات التي تجعل منها قبلة للمشاهد العربي, تاركة هذه المحطات الكسولة تعاني في ذيل السلم الاعلامي. احدى الزوايا في الفضاء العربي التي سوف تشهد تنافسا حادا وقتالا اقتصاديا هي زاوية الخليج في الفضاء السمعي البصري وذلك انطلاقا من توافر القوة الشرائية النسبية فيه. لذا سوف توجه شركات الاعلان محطات تلفزيونية للاعلان عن سلعها للمشاهد في الخليج وسوف تزدحم سماء الخليج ـ مع تطور التقنية الهائلة في البث الرقمي ـ بهذا البث الجديد والرخيص الذي يموله الاعلان, وسوف يتعرض جمهوره للغث الكثير والسمين القليل مما يعرض الكثير من الثوابت للاهتزاز, خاصة ان لم يجد المشاهد ما يجذبه من الخطاب الاعلامي المحلي او العربي. امام هذا التحدي الكبير دارت ندوة معهد العالم العربي حول الرهانات الجديدة في الفضاء السمعي البصري العربي, على خلفية استعداد الاوروبيين للدخول في تنافس كبير وجاد للحصول على مكانة ثقافية واقتصادية خاصة انهم المجاورون الاقرب للعرب. ولكن الندوة التي استغرقت يومين من النقاش الجاد طرحت اسئلة اكثر مما قدمت اجابات لمشكلات الفضاء الاعلامي التي نواجهها في هذا المقام, لأن الاجابات الحقيقية تنبع منا! امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت