بما أن الذاكرة العربية ليست مثقوبة على ما نظن ونتمنى, فإنها ما زالت تتذكر سيدة صهيونية قبيحة الوجه كانت تدعى جولدا مائير تلك المهاجرة الروسية التي تمكنت بسبب إيمانها بصهيونيتها من جمع 500 مليون دولار خلال حرب 1948 من يهود الولايات المتحدة لشراء أسلحة ومعدات قتالية للتنظيمات الصهيونية, ومن ثم عينت سفيرة لبلادها في موسكو ثم رئيسة لوزراء الكيان الصهيوني عام 1969. إذا كانت الذاكرة العربية لم تعطب بعد, فإننا نذكر من قبيل (فذكر ان الذكرى تنفع المؤمنين) بأن هذه الصهيونية العنيدة كانت أقصى أمنياتها ما عبرت عنه بهذه الجملة: (أحلم أن أتجول في شوارع القاهرة, وأشتري البضائع الاسرائيلية من خان الخليلي) وقد ماتت (مائير) عام 1978 قبل أن ترى بعينيها هذا التجوال والانفتاح بين ما كنا نسميه بالكيان الصهيوني المغتصب, وبين العواصم العربية التي صارت تستقبل الالكترونيات والسفارات والمكاتب والبرتقال والبيض الاسرائيلي, ليس في خان الخليلي فقط وانما في معظم الأماكن. ماتت جولدا مائير وهي (تحلم) بأن تتجول في سوق خان الخليلي الشهير في القاهرة, لكن حلمها لم يذهب أدراج الرياح, فقد تكفلت السياسة العربية بمسئولية تحقيقه وكأنه نبوءة قديمة في ارث أسطوري ألزمتنا العناية الإلهية بأن نحققه لقادة بني صهيون وبالمجان!! ولنتأمل فقط نص الحلم (المائيري): التجول في شوارع القاهرة والتبضع من خان الخليلي!! ولم تكن الناشطة في حركة الكيبوتز وحزب العمل من البراءة والعفوية بحيث تصيغ حلمها في جملة عشوائية, لقد حددت بداية الحلم: (القاهرة) وحددت انطلاقة التطبيع: خان الخليلي!! حيث القاهرة قلب العروبة وعاصمة الاسلام, وحيث خان الخليلي سوق التراثيات ونتاج الثقافة المصرية صناعة وفناً وتحفاً وتاريخاَ. والتطبيع ليس علاقة أنظمة وسياسات, فمنذ كامب ديفيد بين (كارتر والسادات وبيجن عام 1978) دفعت الولايات المتحدة مليارات الدولارات ثمنا للسلام المستحيل, حيث تسلمت كل من مصر و(اسرائيل) مئة مليار دولار على شكل مساعدات عسكرية وإنسانية, بينما تسلمت السلطة الفلسطينية منذ عام 1996 حوالي مئة مليون دولار سنويا. ورغم ذلك فما زال الشارع العربي رافضا وبشدة لكل قرارات الأنظمة السياسية, وما زال موقفه ثابتا لم يتحول, فحيث تؤمن السياسة بالثابت والمتحول من منطلق (المصالح) يؤمن الإنسان العربي بالثابت الذي لا يتغير: ركائز التاريخ وبديهيات الثقافة. هذه الركائز التي تقول باختصار ان التطبيع اختراق ثقافي للذهنية وليس مليارات تدفع من تحت الطاولات. في سنوات السبعينيات كانت جولدا مائير تحلم واليوم يقتحم أحفادها غرف نومنا وصالونات بيوتنا بفضل التسهيلات الفضائية العربية التي استباحتنا لأجلهم بحجة (الموضوعية)! ولأجل هذه الموضوعية نتعرف كل يوم على سياسي وصحفي وأستاذ جامعة ومؤرخ صهيوني ضمن سياسة الاختراق عبر شاشات الفضائيات العربية, بينما كنا نحن نحلم بالقائهم في البحر ذات يوم, ألقتهم هذه الفضائيات في أحضاننا بمنتهى الوقاحة.