غالبا ما تعيش الدولة القوية, وذات الارث العسكري حالة من العنجهية وابراز عوامل القوة وعرض العضلات من خلال وسائل اعلامها ظنا منها ان هذا السلوك هو بحد ذاته قوة رديفة او مساعدة لقوتها العسكرية التي تمتلك كل ادوات الدمار والقهر. ولعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين, خريج مدارس البوليس وصناعة الدسائس والمؤامرات اكثر من غيره يؤمن بهذه الاسلحة الدعائية التي قد تسلحه بمزيد من الشرعية على المستوى الداخلي والخارجي لطمس معالم الصراع الدائر في منطقة القوقاز, سعيا لكف انظار العالم عن ما يجري في تلك البقعة المتأججة نارا ورعبا تحت اقدام قواته الغازية المدججة بأعتى ما انتجته الآلة العسكرية الروسية, ولاظهار القوة والقدرة الروسية على تجاوز المحن الداخلية التي تعيشها روسيا بشكل عام والتي برزت بشكل واضح وجلي في الاعلان الاخير عن انتهاء العمليات العسكرية في الشيشان, وضرب المراكز الاساسية لما يسميها لمجموعات الارهابيين الشيشان وأن وزارة داخليته اصبحت قادرة بعد سحق العسكر لهؤلاء المقاتلين, علي تنظيف الجيوب التي يتواجدون بها في بعض التلال الجنوبية للجمهورية من خلال بعض العمليات الامنية البسيطة. لكن على ما يبدو ان القيادة الروسية ومن خلال تصريحاتها النارية تعيش حالة من الغباء الاعلامي وان بوتين بدلا من ان يظهر المحرر الساحر انقلب عليه سحره في ابشع صوره وبدت الصورة القائمة تلف مستقبل الجيش الروسي برمته اذا ما بقي يحتل الشيشان ويقتل اهلها وان الحرب الدائرة في محيط العاصمة جروزني والمناطق الجبلية ستعيد روسيا الى ما كانت عليه ايام دخولها الى افغانستان, وان الاتهامات التي بدأت تكيلها لهذا الطرف العربي وذاك المسلم انما تعبر عن الازمة الحادة التي بدأت تعيشها المؤسسة السياسية الروسية عامة والمؤسسة العسكرية والامنية خاصة جراء الخسائر التي لحقت بالجيش الروسي الغازي. ولعل ما يجري في الشيشان اصبح يثير التهكم والشفقة ممن دفعوا هذه القوات للدخول في هذه المراهنة غير المحسوبة وبالتحديد الولايات المتحدة التي رأت من البداية انه لابد من توريط هذه الدولة بحروب مع المسلمين نيابة عنها حتى انها عجزت على شرعنة هذا السلوك في الاطر الاوروبية التي تعتبر شريكا حيويا للطرفين وان المؤامرة التي حيكت بين الطرفين قد اصبحت مكشوفة عالميا وظهرت بأبشع صورها فلا يوغسلافيا استقرت لحلف شمالي الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية ولا الشيشان عادت الى الحظيرة الروسية بل أصبحتا منطقتي النفوذ لكلا الطرفين كابوسا يقض مضجع هؤلاء وان اعادة رسم التاريخ وحياكة المؤامرات بالطريقة نفسها والادوات لا يمكنها ان تنجح فما نجح به الطرفان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية في اقتسام النفوذ من خلال المؤامرات والدسائس لن يسمح لهما الآن بذات الطريقة, اي بعد انقضاء ما يقارب نصف قرن ونيف وان العالم حتى ولو استكان مدة من الزمن الا ان فتائل الصراع وتجددها لا تزال قائمة خاصة بعد ان امتلكت الشعوب وسائل المعرفة التي سمحت لها بتحديد مصائرها وكيف تدافع عنها. وما تشيعه القيادة الروسية في وسائل اعلامها بأن المقاتلين المتواجدين في الشيشان هم من اصول عربية ليس الا تعبيرا عن الازمة الحادة التي يعيشها الجيش الروسي المتواجد على الاراضي الشيشانية من خلال القوة والاخضاع ومحاولة لتغطية حجم الفشل على المستويين الداخلي والخارجي, الذي لحق به من ميليشيات لا تملك الا بعض الاسلحة الفردية المتواضعة والارادة المصممة على إلحاق الهزيمة بهؤلاء الغزاة امام الآلة الجبارة التي يمتلكها الجيش الروسي. والاهم في الامر ان بوتين وما اظهره من عنجهية في بداية حكمه قد بدأت تتراجع بفعل الضربات القاسية التي لحقت بجيشه وبهيبته فقد وصل الى المثل الذي يقول: (ذهبنا الى الغور لنصطاف فلا صيف صيفنا ولا عرض انابنا) , وها هو يحاول ان يجد من دماء الشيشانيين ذريعة لحكم روسيا فلا هو سلم بجيشه ولا قوي على اخراج روسيا من ازماتها المركبة وخسر حلفاءه التاريخيين خاصة الاوروبيين الذين اصبحوا يرون ان هذه الحرب لا يمكن حسمها من خلال الخيار العسكري لهذا السبب بدأوا يكيلون الاتهامات له ليس دفاعا عن دماء الشعب الشيشاني بل محاولة لابتزاز نظام بوتين من اجل الحصول على استثمار هنا او هناك ليس إلا. ولعل دأب يلتسين وحكوماته التي تعاقبت في قيادة روسيا, لم تكف رجل البوليس بوتين لكي تكون عظة له بل بقي موغلا في اطلاق المزيد من الشعارات وبالونات الاختبار فيما يخص الحرب الغير عادلة والغير نزيهة في الشيشان متكئا بذلك على عامل الوقت والقوة العددية الضئيلة التي يتسم بها المقاتلون الشيشان لمحاولة كسب عامل الوقت سعيا لاستحداث جملة من الخطط الامنية ـ الهجومية المدمرة علها تقلل من الخسائر التي تلحقها المقاومة الشيشانية في مواقع تموضع الجيش الروسي الغازي القابع على جماجم الشعب الشيشاني لكن الواقع جاء على عكس كل التوقعات والتكهنات الروسية حيث ان كل التسويغات وبالونات الاختبار التي اطلقها قادة الجيش الروسي المترافقة مع استحداث رزمة من الخطط الامنية العسكرية قد باءت بالفشل الذريع, خاصة بعد ان وضعهم التسويف في موقع ميداني حرج لا يحسدون عليه وانكشاف امر المناطق الامنية الرخوة في الجانب الروسي, للمقاومة الوطنية والاسلامية الشيشانية بفعل الجغرافيا والطريقة القتالية المتبعة التي تعتمد على الجهد الفردي القادر على الاختراق والوصول الى الهدف, وتخطي اجهزة الانذار والرقابة والحواجز الامنية الحديثة والمتطورة التي بناها الجيش الروسي في مناطق تواجده.. حتى انها باتت تنعكس بشكل سلبي على جهوزية الجيش الروسي العريق والقوي, ليس القتالية التكتيكية فقط بل والدفاعية متناسية هزيمتها الاولى في الشيشان عام 1996, وسنوات الصراع المريرة التي سبقت ذلك التاريخ في افغانستان. والحقيقة التي لابد من قولها ان الشيشان قد اكتشفوا في الايام الاخيرة مدى الاهمية في عودة حرب العصابات التي لابد لها ان تنطلق من اعلى قوة شيشانية الى اضعف نقطة في الجيش الروسي والمتمثلة باستخدام الاغارة على مراكز تجمع الجيش الروسي وعلى قوافله, وسد الطرق عليه لاعاقة تحركاته الميدانية ومنع استقراره الذي يفوت عليه استخدام تكتيكاته القتالية بنجاح. ولعل الخسائر الكبيرة التي لحقت بالجيش الروسي مؤخرا تظهر مدى نجاح خطة المقاتلين الشيشان والاهم من هذا وذاك انه لا يمكن لجيش نظامي مثل الجيش الروسي او غيره حتى الجيش الامريكي وقوات المارينز التي يعتبرها البعض مثلا يحتذى ان تواجه ميليشيات متحركة مهما بلغت الوسائل المستخدمة من تطور وان الجيش النظامي دائما هو الخاسر الاكبر وان عملية الوقت في مصلحة الميليشيات وليست في مصلحة الجيوش النظامية والامثلة اكثر من ان تحصى ولعل اخرها مثل جنوب لبنان الذي ألحق الهزيمة بذات الطريقة في جيش يعتبر نفسه من اكثر الجيوش في العالم مقدرة على مواجهة حرب العصابات. اما ما يتعلق بالشق السياسي فلن يقوى الروس على مواصلة التسويف, فالقضية متعلقة بعامل الوقت حتى يرضخ بوتين للارادة الشيشانية لكن يجب ان يتنبه الشيشان هذه المرة لطرح عملية الاستقلال النهائية عن روسيا لينهوا اكثر من 130 سنة من الاحتلال الروسي لارضهم وان الفرصة باتت مواتية اكثر من ذي قبل لطرح شرط الاستقلال الناجز بعد هذه التضحيات الثمينة التي قدمها شعبهم بكل فئاته. كاتب فلسطيني مقيم بدمشق