أضحت القضية الافغانية بافرازاتها وتناقضاتها وتطوراتها الدرامية واحدة من تلك القضايا المعقدة والمتشابكة والخطيرة بسبب تداخل العوامل الداخلية والخارجية وتضارب البنى القبلية والمذهبية والسياسية فانهيار الحكم الشيوعي في افغانستان وانتصار (المجاهدين) ، لم يضع حدا للحرب الاهلية التي تجتاح البلاد منذ نحو عشرين عاما بل اشتد الصراع واخذ طابعا جديدا. الصراع الذي كان يكتسي طابعا عقائديا بين الاسلام والشيوعية انتهى ليقوم مكانه صراع مسلح بين حلفاء الامس, على قاعدة دعم القوى الاقليمية والانقسامات المستشرية في المجتمع الافغاني بما يهدد مستقبل افغانستان ككيان سياسي موحد ومستقل. ان افغانستان كأمة مؤلفة من اقليات عرقية عديدة تشكلت فيها البنى السياسية على اسس قبلية ومذهبية وبالتالي جاءت التركيبة السياسية انسيابية موافقة للموزاييك العرقي والقبلي والمذهبي, هذه التركيبة جعلت من السهل تغيير الحسابات لهذا الطرف او ذاك وكذلك التغيير السريع في التحالفات الدراماتيكية, واللافت للنظر الانتصارات السريعة لهذا الطرف او ذاك وقدرة كل طرف على استكمال عدته لمواصلة دورة العنف والدمار والخراب من مرحلة الى اخرى, وبالتالي فإن الانتصارات التي حققتها حركة طالبان لن تكون الفصل الاخير من الحرب الدموية التي تشهدها افغانستان. وعليه لا يمكن قراءة المشهد العسكري الافغاني الا بقراءة اللوحة السياسية العرقية المذهبية المتجذرة في افغانستان ودور الجيو سياسة الاقليمية في تشكيل لوحة الاقتتال الداخلي فضلا عن دور المصالح الاقليمية والدولية. فإذا كان غالبية السكان في الولايات الجنوبية الشرقية من البشتون الذين يقفون اليوم وراء حركة طالبان التي سيطرت على معظم البلاد, فإن غالبية السكان في الشمال هم من الاوزبك, وفي الشمال الغربي هناك الطاجيك الذين يقفون وراء زعيم الائتلاف الافغاني المعارض الجنرال احمد شاه مسعود, الرجل: (العقدة) والاكثر تناقضا على المسرح السياسي الافغاني, كما يقف الشيعة الذين يتركزون في اقليم باميان وراء حزب الوحدة الشيعي. واذا كانت الولايات المتحدة الجنوبية الشرقية (البشتون) واقعة داخل الجاذبية الباكستانية بسبب القرب الجغرافي والعوامل الاثنية والامنية والسياسية, حيث يعتقد كثيرون ان باكستان تقف وراء حركة طالبان فإن المناطق الجنوبية واقعة تحت تأثير ايران للاسباب نفسها. ورغم ان العلاقة بين حركة طالبان وايران سلبية الا ان الاخيرة لا تعلن بشكل صريح عن دعم الاطراف الافغانية المعارضة لحركة طالبان بل تنتهج سياسة تبقيها قريبة فيما يجري في افغانستان, وتحديدا في شكل دعم سياسي لفصائل الائتلاف الافغاني المعارض (احمد شاه مسعود, رباني, حكمتيار, ورستم.. الخ), وذلك لاسباب اقليمية تتعلق بباكستان ومذهبية تتعلق بشيعة ولاية باميان, واقتصادية تتعلق بالنفط وخطوط امداده. ومقابل البعد الباكستاني والايراني حرصت الدول الاسلامية التي استقلت عن روسيا, وخاصة اوزباكستان وطاجكستان, على دعم الفصائل الافغانية المنبثقة من الاقليتين الاوزبكية والطاجيكية لاسباب عرقية ومذهبية وامنية تتعلق بخوف هذه الدول من امتداد الازمة الافغانية الى اراضيها بسبب التداخل العرقي والجغرافي. في حين ترى روسيا انه اذا ما سيطرت حركة طالبان الافغانية على كامل افغانستان فإن نفوذها ومصالحها في معظم اسيا الوسطى تتعرض للخطر, خاصة في ظل وجود تيار اسلامي قوي في جمهوريات آسيا الوسطى حيث تتخوف روسيا من ان تتحول كل جمهورية من هذه الجمهوريات الى (شيشان جديدة) . لذا تحرص روسيا على اتخاذ اجراءات وقائية مشتركة مع الدول الاعضاء في كمنولث الدول المستقلة للوقوف في وجه حركة طالبان واخذ انتصاراتها بعين الاعتبار. اما الولايات المتحدة التي امدت في السابق الفصائل الافغانية المختلفة بالسلاح والمال والخبراء فتبدي تراخيا في موضوع التدخل والتوسط لانهاء الصراع بين الفصائل المتحاربة حاليا, خاصة في ضوء خلافها مع حركة طالبان بخصوص رعاية الاخيرة لأسامة بن لادن. وهذا التراخي في المنظور الامريكي له ما يسوغه فقد كانت تلك الفصائل مطلوبة في المواجهة مع الاتحاد السوفييتي السابق, اما وقد زال فإن الولايات المتحدة لا ترى في اقتتال رفاق الدرب الواحد (سابقا) امرا يعنيها بقدر حذرها من قيام دولة اسلامية قوية في افغانستان. وعليه فإن كل الجهود الاقليمية والدولية التي بذلت لايجاد حل سلمي للمشكلة الافغانية انتهت بالاخفاق, بسبب اصطدامها بعقبة التركيبة الداخلية من جهة وبسبب تضارب الابعاد الاقليمية والدولية من جهة ثانية. وتأسيسا على هذا فإن افغانستان لن تنعم بالاستقرار والهدوء, وسيظل الشعب الافغاني يدفع ثمن هذه الحرب المدمرة ما لم ينصرف القادة الافغانيون الى لغة المنطق والعقل والحوار بدلا من لغة السلاح, وهذه مهمة تقع أولا واخيرا على عاتق الافغانيين انفسهم على قاعدة الحوار ووضع هوية افغانستان فوق اي اعتبار كسبيل وحيد لوقف نزيف الدماء وزهق الارواح, فهل يسمو الجميع على خلافاتهم ورغباتهم ويدخلون في مصالحة وطنية مسئولة من اجل وحدة افغانستان ومستقبلها؟ كاتب سوري