في ضوء الصعوبات التي يواجهها تطبيق الديمقراطية في العالم الثالث, هل يمكن ايجاد نوع من الديمقراطية التوافقية التي ترضى بها جميع الاطراف, وتكون قابلة للتنفيذ العملي على ارض الواقع؟ ان مسألة الديمقراطية, هي اليوم من اخطر وأعوص المشكلات، التي تواجه بلدان العالم الثالث, وعلى الرغم من وجود اتفاق عام بين صفوف المفكرين وعلماء السياسة على ضرورة تطبيقها, فإنها لم تتحقق الا بصورة جزئية في بعض هذه البلدان. واسباب ذلك كثيرة, ومنها ان فئات عديدة تفيد من غيابها, كما ان فئات اخرى تسعى اليها, ولكنها لا تعرف الطريق الصحيحة نحوها. اضف الى ما سبق عدم توافر الخبرات العلمية والسياسية الكافية في مجال الاسس النظرية للديمقراطية ووسائل ممارساتها الفعلية لدى النخب الحاكمة والشعوب في كثير من دول العالم الثالث. ان مفهوم الديمقراطية في الواقع واسع, ولا يقتصر على الجانب السياسي, بل يتعداه الى مختلف ميادين الحياة. فهي, في المجال الاجتماعي تعني الطريقة المثلى للتعامل بين الناس على اساس قبول كل انسان للشخص الآخر, وبالتالي تقاسم المصالح بصورة عادلة. اما على الصعيد العالمي, فإن المقصود بها, التعامل الحضاري بين الدول من منطلق الاحترام والمساواة. وفي الحقل التربوي, يسود مفهوم ديمقراطية التعليم الذي يشير الى حق جميع افراد المجتمع في نيل درجة مقبولة من التعليم بالاستناد الى مبدأ تكافؤ الفرص وفي الحقل السياسي تشمل الديمقراطية عناصر عديدة مثل الانتخابات وحرية التعبير وحقوق الانسان والتعددية وحق تشكيل الاحزاب. وبصورة عامة فإن المعنى الشامل للديمقراطية, هو الاعتراف بجميع حقوق الاخرين من مختلف الجوانب الاجتماعية والتعليمية والغذائية والسياسية والدينية والصحية وغيرها. وما يهمنا هنا الديمقراطية السياسية حصرا. وليس من السهل بالطبع الخوض في موضوعها الشائك الحساس او السباحة في بحر امواجها المتلاطمة. ولابد من الحديث عليها بطريقة اجمالية دون تحديد او تخصيص. ومع ان قضية الديمقراطية قد احرزت بعض المكاسب في كثير من بلدان العالم الثالث, مثل التوسع في اجراء الانتخابات وتشكيل احزاب جديدة وتبني مبدأ الشورى والسماح بحد معين من حرية التعبير, الا ان هذا كله ليس كافيا, اذا اردنا الوصول الى ديمقراطية حقيقية بالمعنى الكامل للكلمة. وكما اسلفنا, فإن هناك قوى عديدة يحسب حسابها ترى من مصلحتها ابعاد الديمقراطية, وان كانت تعترف بمزاياها. وكثيرا ما نراها تتغنى بها وترقص على انغامها علنا, في الوقت الذي تحاربها فيه بلا هوادة وتسدد اليها الطعنات النجلاء, سرا. كما نجدها في حالات من الصعب اقناع هذه القوى, بطرق الاقناع التقليدية, بأن تتخلى لصالح قضية الديمقراطية ولمنفعة المجتمع بأسره عن امتيازاتها ومكاسبها الخاصة التي تنفرد بها. فهي تتصور ان الديمقراطية لن تقضي على مصالحها الحالية وحسب, وانما ستؤدي الى حرمانها من مكاسبها السابقة والمستقبلية ايضا. والطريقة الوحيدة للخروج من هذا المأزق المحير, هي ايجاد ظروف يؤدي فيها تطبيق الديمقراطية الى تحقيق مصالح جميع الاطراف اي مصالح النخبة الحاكمة والشعب في آن واحد, وعدم الاضرار بأي منهما. وكثيرا ما يتردد بأن النظام الدولي الجديد عازم على اشاعة الديمقراطية في مختلف بقاع العالم. ولكن المشكلة ان الديمقراطية التي يسعى اليها هذا النظام, كما يقول بعضهم, قد تكون تلك التي تحقق مصالحه هو, وتتناغم مع اهوائه. وهذه الحقيقة بالذات يجب ان تكون حافزا لبلدان العالم الثالث على استباق الاحداث وتفويت الفرصة على النظام الجديد, من خلال العمل على تطبيق ديمقراطيات تناسب اوضاعها ومصالحها هي, بدلا من ان تفرض عليها في المستقبل ديمقراطيات من نوع لا يلائمها. ونظرا لان العنف لا يمكن ان يقود الا الى مزيد منه, بل والى تخريب فكرة الديمقراطية اساسا, فإن الطريق المفتوحة امام الدول النامية هي خلق مناخات ودية وسلمية وتصالحية تشرع الابواب امام ديمقراطية يتفق عليها الجميع, ولا تضر بمصالح احد, ضررا فادحا, وان كان لابد ان تتضمن الحد من المكاسب الاستثنائية التي تنعم بها بعض الفئات. وهذا يشكل في الواقع شبه صفقة بين النخبة الحاكمة وأبناء الشعب, تتحقق بموجبها مزايا عظيمة للطرفين, وللوطن برمته. ولكن تحديد شروط مثل هذه الصفقة وابرامها ليسا بالأمر السهل على الاطلاق. كما ان التنفيذ العملي لها اصعب بكثير من رسم قواعدها النظرية. ولكن لنا تصوراتنا الخاصة في هذا المجال, والتي قد تسهم بعض الشيء في انارة الدرب فلنفترض ان هناك بلدا غير ديمقراطي في العالم الثالث, وفيه جهات مستفيدة وتحصل على منافع كبيرة جدا, مقابل جهات اخرى مغبونة او مسحوقة. ففي هذه الحالة نجد ان الطرف المستفيد يعاني من القلق الدائم والهواجس المقيمة خوفا على مصالحه, فهو يخشى ان تتغير الظروف في يوم ما, فيستعيد الطرف المغلوب على امره, زمام المبادرة. وفي ضوء هذا الوضع يمكن اقتراح صفقة تتم بموجبها اعادة بعض او معظم او جميع الحقوق المسلوبة للطرف المغبون مقابل توفير الامن والطمأنينة للطرف المستغل. وبتعبير اخر اذا استطعنا ان نبتكر نوعا من الديمقراطية التوافقية التي توفر للنخبة الماسكة بزمام السلطة جوا من الامان والاطمئنان والراحة النفسية فإن هذا سيكون بمثابة تعويض لها عن الامتيازات التي ستتخلى عنها لصالح عامة الناس. واذا جاز لنا التشبيه, يمكننا تشبيه ما سبق, بصفقة التسوية السلمية بين العرب واسرائيل. وبموجبها تحصل الثانية على الهدوء والسلام والامن والاستقرار, مقابل اعادتها معظم الاراضي التي احتلتها بقوة السلاح في يونيو من عام 1967 او جميعها. ومع ان هذا التشبيه قد لا يكون مقبولا من الناحية النفسية او العاطفية فإن فكرته تبدو لنا صحيحة من الوجهة العملية والواقعية, فتنفيذ صفقة بين النخبة غير الديمقراطية وجماهير الشعب, ممثلة ببعض الشخصيات الوطنية المعروفة والموثوقة تعيد فيه الاولى معظم حقوق الثانية مقابل حصولها على ضمانات مستقبلية لأمنها, يحقق دون ريب فوائد عظيمة للطرفين, ويضع حدا للصراع المستتر بينهما, مما سيؤدي الى دخول الامة كلها مرحلة جديدة من تاريخها. ولكن تبقى هناك بالطبع مشكلات شائكة كثيرة لا حصر لها فالحل المقترح هنا هو مجرد خطوط عريضة وافكار اولية. اما كيفية وضع شروط الديمقراطية التوافقية الجديدة, والانتقال بالبلاد من وضع قديم الى وضع جديد, بطريقة سلمية, فليس بالأمر الهين, لأن تفصيلاته وتفرعاته اصعب بكثير من التصورات العامة المبدئية الخاصة به. فمثلا ما مدى الامتيازات والمكاسب التي يتوجب على النخبة الحاكمة التخلي عنها مقابل حصولها على الامان؟ ومن هي الشخصيات الوطنية التي يحق لها ان تمثل الشعب؟ وما شكل الديمقراطية التي سيتم تطبيقها؟ وهل سيكون هناك انتقال للسلطة, ام بقاؤها مع تحديد صلاحياتها ببرلمان حقيقي غير صوري, ومع منح اكبر قدر من حرية التعبير؟ وهل سيجري هذا دفعة واحدة ام على مراحل وفقا لقاعدة خطوة فخطوة؟ وهل يمكن مثلا البدء بخصخصة الاقتصاد ثم خصخصة وسائل الاعلام, تمهيدا للخصخصة السياسية, ان صح التعبير؟ ام يستحسن تطبيق جميع هذه العناصر في وقت واحد؟ وكل هذه كما نرى امور غاية في الصعوبة وتستلزم قرارات مصيرية من اعلى المستويات وهنا يبرز دور المفكرين والكتاب الذين يتوجب عليهم ان يطرحوا مقترحات عملية واضحة وحلولا توفيقية لمشكلات الديمقراطية تتيح لكل دولة من دول العالم الثالث ان تنتقل تدريجيا وبرضى جميع الاطراف, وبصورة سلمية نحو ديمقراطية جديدة تحقق مصالح كل الجهات ولا سيما مصلحة الوطن. ويحسن بأصحاب القرار ان يتقبلوا الاقتراحات ويدرسوها ويضيفوا اليها, وألا يعدوا الادبيات التي تنشر بهذا المعنى كتابات معادية لهم. وعلينا ان ندرك ان بعض اصحاب القرار, في الدول غير الديمقراطية, يحملون نيات حسنة ولا يفتقرون الى الاخلاص للوطن. ولكن اوضاعا وظروفا معينة, داخلية ودولية فرضت عليهم الدخول ضمن اطار مغلق لم يعودوا قادرين على كسره والانعتاق من إساره. وعلى الكتاب ان ينيروا امام هؤلاء الدروب ويقدموا لهم افكارا مبتكرة مستنيرة للخروج من المأزق السياسي الذي حشرت فيه الامة بأسرها, وهو مأزق غياب الديمقراطية. ونعتقد ان على النخب الحاكمة ان تخطو الخطوة الاولى باتجاه الشعوب, اذا ارادت للديمقراطية التوافقية ان ترى النور. وهذه الخطوة يجب ان تتمثل بمنح درجة اكبر من التعبير, حتى يتمكن المفكرون السياسيون والمثقفون والكتاب المتنورون من وضع الخطط ورسم الاستراتيجيات وطرح الافكار وتقديم المقترحات التي تمهد لابرام صفقات الديمقراطية التوافقية في العالم الثالث. وفي مقابل ذلك, فإن على الشعب ايضا ان يخطو خطوة مماثلة باتجاه النخبة, وتتمثل بحسن الافادة من الحرية الممنوحة وعدم استغلالها للمس بالاستقرار والامن الداخلي. وبعد فإن الهدف مما طرحناه في هذا المقال ايجاد وسيلة لتحسين الاوضاع العربية بطريقة واقعية وعملية وبعيدة عن احلام اليقظة. واذا كان بعضهم يريد اما ديمقراطية كاملة, او عدمها, فإننا نرى ان تحقيق ديمقراطية وسطية ومرحلية وانتقالية قد يكون افضل من لا شيء, على قاعدة (عصفور باليد افضل من عشرة على الشجرة). ان تطبيق ديمقراطية حضارية بالمعنى الكامل يحتاج الى زمن طويل جدا. ولا يجوز ان نقف مكتوفي الايدي, ننتظر قدوم هذه الديمقراطية على طبق من ذهب. وربما يحسن بنا القبول الآن بما هو اقل منها, لأن هذا افضل من الاوضاع الحالية غير الديمقراطية. وعلى كل حال, فإن هذا الموضوع من اكثر الموضوعات جدلية وقابلية للنقاش. واذا كان هناك من يعترض على مبدأ الديمقراطية الوسطية الذي اقترحناه, فإننا نحترم رأيه, ولكن عليه ان يقدم البديل! * كاتب سوري