تأتي دعوة الرئيس الامريكي بيل كلينتون لعقد القمة الفلسطينية الاسرائيلية على خلفية من الاحداث ذات الصلة وابرزها تصويت الفلسطينيين على اعلان دولتهم المستقلة مع نهاية العام الحالي ووسط تقارير عن وجود استعدادات للقوات الاسرائيلية في الضفة الغربية ، والانهيار الوشيك لحكومة رئيس الوزراء الاسرائىلي ايهود باراك الائتلافية. وتشير المحادثات التي اجريت مع كل الشخصيات الامريكية الرئيسية من الرئيس بيل كلينتون مرورا بوزيرة خارجيته مادلين اولبرايت ومستشاره للأمن القومي ساندي بيرجر, بوضوح الى ان الولايات المتحدة واعية تماما بالمخاطر المحتملة ذات العلاقة بهذه القمة. لكن وكما المح كلينتون في مؤتمره الصحفي يوم 5 يوليو الجاري فإن عدم فعل شيء في هذه اللحظة الحرجة يحمل معه مخاطر اكبر. ويسرع اعضاء الادارة الامريكية بالاشارة الى ان هذه القمة ليست قمة نصوص يقوم فيها القادة المجتمعون باضفاء الصفة الرسمية على ما اتفقوا عليه مسبقا. اذ لا تزال الفجوات باقية بخصوص كل القضايا المهمة التي تفصل بين الاسرائيليين والفلسطينيين. وفي الواقع, فيما وصف البيان الصحفي الصادر عن البيت الابيض هذا الاجتماع بكلمة (قمة) فإن البعض في وزراة الخارجية يشككون في مصداقية هذا التعبير وارادوا استخدام مصطلح (مناسبة) بديلا نظرا لاحساسهم بأن كلمة (قمة) تثير من التوقعات ما قد يكون اكثر من اللازم. والرأي الرسمي في واشنطن الآن هو ان الاجتماع امر ضروري وسيكون صعبا. اذ ليس هناك جدول او موعد نهائي لأي نتائج مضمونة. وقد اشار الرئيس كلينتون الى ان الفرقاء وان كانوا قد احرزوا تقدما مهما خلال الشهور القليلة الماضية, إلا ان هناك الآن مأزقا يعترض سبيلهم. وقال بأن العملية (يمكن ان تمضي قدما نحو سلام حقيقي او انها قد تنزلق للوراء باتجاه مزيد من المشاكل. وبالتالي فلن تبقى جامدة على حالها) . وفيما يتعلق بكل قضية لا تزال عالقة دون حل يتوفر الآن ولو على المستوى المفهومي فقط, صيغ مبتكرة يمكن ان تملك الفجوات القائمة في الطريق. وما هو مفقود هو الارادة السياسية لتوظيف هذه الصيغ. وفي هذا الصدد, فإن الكرة الآن هي في الملعب الاسرائيلي اذ ان (لاءاتهم) المكررة غالبا. (بخصوص القدس واللاجئين والمياه والحدود) وتملقهم الأرعن لطموحات المتطرفين من خلال التوسع في المستوطنات والطرق قد وضعت الحكومات المتعاقبة في قفص من صنع ايديها. بل ان حتى مجرد التسرب (للافكار) المصممة لحل بعض قضايا الوضع النهائي قد دفعت بشركاء باراك في حكومته الائتلافية للاستقالة كما اثارت مخاوف من العنف المنظم من جانب المستوطنين في الضفة الغربية. اما الفلسطينيون وهم الطرف الاضعف في هذه المفاوضات فربما كانوا المستفيدين هذه المرة. فمن جانبها تعي الولايات المتحدة ان اي اتفاق سلام اذا ما كان له ان ينجح فيجب ان يرضي الطرفين معا ويجعل كليهما اكثر قوة. وعبر كلينتون عن هذا الامر في اقواله العلنية. اما في احاديثه الخاصة فقد اضاف بأنه لهذا السبب تحديدا لا يرى القمة باعتبارها مناورة لممارسة الضغوط على ياسر عرفات . والولايات المتحدة تعلم بأنها لا تستطيع الضغط علي الفلسطينيين للقبول بصفقة جائرة لا تلبي حاجاتهم باعتبار ان من شأن مثل هذه الصفقة ألا تدوم نهاية الامر. وقال الرئيس كلينتون الكثير في مؤتمره الصحفي عندما وصف النتيجة المأمولة من المفاوضات باعتبارها (نتيجة تتصف بالواقعية والتوازن والعدل ونتيجة تلبي المطالب الموضوعية لكلا الجانبين نتيجة تقوي الطرفين بدلا من ان تضعف احدهما نتيجة تلبي الحاجات والطموحات الحيوية للطرفين معا) . وليس هناك ادنى شك بأن الفلسطينيين سيصرون على ان تكون دولتهم قائمة على ارض ذات مساحة كبيرة ومترابطة وذات اتصال مباشر وغير معزولة عن الاردن ومصر وبقية العالم الخارجي. ولن يقبلوا في عام 2000 ما رفضه اهل جنوب افريقيا في القرن الماضي. وعلى نحو مشابه فإن الفلسطينيين ايضا سيصرون على استعادة القدس لهم وهي المركز المدني والديني والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي لمجتمعهم. وبالتأكيد فهم سيطالبون بالانصاف للاجئين الذين حملوا على كاهلهم العبء الاكبر لكامل الصراع في النصف الثاني للقرن العشرين. من جانبها يمكن ان تصر اسرائيل ايضا على حقوقها لكن ما لم تكن هذه الحقوق معتمدة على الحقوق المغتصبة للفلسطينيين. وطبعا هناك سبل خلاقة لحل هذه التعقيدات وقد سمعت الرئيس كلينتون وهو يناقش بعض هذه السبل. وألمح لذلك في مؤتمره الصحفي حينما اشار الى (اننا جميعا نعرف ما هي الصفقة المنتظرة. ونعرف ما هي القضايا المثارة ونعرف ضمن اطار معين ما هي الخيارات المتاحة) . وهذه الخطابة من جانب الادارة الامريكية ترسي بوضوح اعترافا بأن الاسرائيليين والفلسطينيين لديهم احتياجاتهم السياسية ورأيهم العام الذي يجب ان يتصالح مع اي اتفاق ممكن. وكما قلت سابقا فإن الاعتراف بهذه الحقيقة يتطلب دبلوماسية علنية ذات شأن بالتزامن مع المفاوضات ان لم تسبقها ايضا ان الفلسطينيين قد اعطوا الاسرائيليين مسبقا معظم ما ارادوه من السلام ألا وهو (الاعتراف) والقبول. والجانب الاسرائيلي هو الذي لم يعط الفلسطينيين حتى اقل قدر ممكن من المطالب التي تقدموا بها. ولا يزال الضغط من جانب اليمين الاسرائيلي مستمرا في اضافة الحكومة والدليل على ذلك هو الحالة الراهنة لائتلاف باراك الحاكم كما ان الضغط من جانب الجماعات اليمينية المعادية للسلام في الولايات المتحدة قد لعب دوره المهم ايضا في تعقيد العملية السلمية. وحتى يتحقق السلام لابد ان يوجد دعم قوي من جموع الناخبين, (وهذا ينطبق على الولايات المتحدة واسرائيل والفلسطينيين) وقد حاول الرئيس كلينتون في السابق ان يوجد مثل هذا الدعم. واشار مسئولو البيت الابيض لمؤتمره الصحفي يوم 5 يوليو الحالي بأنه ليس إلا خطوة اخرى ضمن جهوده المتواصله. اما وزيرة الخارجية مادلين اولبرايت وبمواصلتها لدعمها التوجه نحو صياغة رأي عام حاسم دعما لجهود السلام فقد وجهت نداءات منفصلة لكل من القيادات الامريكية العربية والامريكية اليهودية تحثهم فيها على دعم مبادرة الرئيس. ويبدو على الجانب اليهودي بأن جهود اليمين المناوىء للسلام قد تم ترويضه. ففي الاسبوع الماضي نشرت مجموعات مناصرة لليكود اعلانا في الصحف يعارض سياسات باراك السلمية وحظى بمباركة العديد من القادة اليهود. وردا على ذلك قامت بعض جماعات التيار اليهودي المعتدل بمن فيها ايباك (اللوبي المساند لاسرائيل) بالرد على الاعلان بشراسة وقيل بأن ايباك اجبرت احد مسئوليها الذي وقع الاعلان المناوىء للسلام على الاستقالة من منصبه. ومباشرة بعد نداء اولبرايت عقد اجتماع في البيت الابيض بين امريكيين عرب ومسئولي مجلس الامن القومي بمن فيهم مستشار الامن القومي ساندي بيرجر وهذا الاجتماع كان فرصة للامريكيين العرب للانخراط في مناقشة جوهرية لافكارهم الخاصة بعملية السلام. والامريكيون العرب بغالبيتهم ملتزمون بتحقيق نهاية ناجحة لعملية السلام. وقد وظفوا حوارهم ذلك مع مسئولي الادارة الامريكية ليس لاثارة القضايا التي سيناقشها الفلسطينيون والاسرائيليون بل للضغط على الادارة لتلعب دورا متوازنا. كما اكدوا ايضا على اهمية الحوار المتواصل مع كل من سوريا ولبنان لتحقيق سلام شامل ولمعرفتهم بأن اي اتفاق يكتب له الاستمرار يجب ان يكون ذا قاعدة عريضة, فإن الامريكيين العرب ضغطوا على الادارة ايضا للتحاور الفعال مع سوريا ولبنان اثناء وبعد القمة وتقدم اشارات لبناء الثقة لكلا الحكومتين. وكانت استجابة الحكومة لكل من هذه المطالب ايجابية. وستهيمن المناقشة العامة للعملية السلمية على الاسابيع القليلة المقبلة. ومن الواضح ان كلينتون قد اقدم على مجازفة كبيرة بعقده لهذه القمة التي لا تتمتع الا بفرص هزيلة للنجاح خصوصا وان هناك الكثير مما يدخل دائرة الخطر بتعرض تلك القمة لمراقبة شعبية واسعة. ولتحقيق الاهداف التي وضعها للقمة فإن كلينتون بحاجة لتقديم افكار خلاقة جديدة قادرة على ردم الفجوات. وعليه ايضا ان يساعد في تعبئة الدعم الشعبي بين المجتمعين الفلسطيني والاسرائيلي. وهو بحاجة كذلك لبناء دعم شعبي امريكي قوي قادر على الخروج بالاتفاق المنتظر من دائرة التحزب المؤسف وكسب ما يكفي من الدعم لضمان ان يوفر الكونجرس التمويل الاساسي الذي سيتطلبه اي اتفاق وعليه اضافة لذلك ان يحول انتباهه ايضا للمسارين السوري واللبناني بحيث يتعزز السلام ولا يتزعزع. وذلك بالتأكيد نهج يحتاج للنفس الطويل, لكنه نهج اعترف كلينتون على نحو واضح انه لا يستطيع تجنبه. لكن هذه المناورة الاخيرة بأكملها انما هي خطرة جدا وكل المطلوب منها هو اضافة تراكم لتركة الرئيس. وهي بصورة ما اعتراف من جانب كلينتون بأنه ان لم يتحرك للعمل الآن لاعطاء السلام فرصة اخيرة اخرى فإن هناك احتمالا حقيقيا في ان يتحول الوضع في المنطقة نحو العنف. وبالتالي فليس بمقدورنا الى ان نختم قولنا بأننا نتمنى الخير للمشاركين في القمة. * رئيس المعهد الامريكي العربي