يتنبأ كثير من علماء السياسة بأن النمر الصيني يأخذ الآن وضع الاستعداد للانقضاض على ناصية قيادة كوكب الأرض خلال العشرين عاما المقبلة, ولا شك في ان ما حققته الصين من نمو لم تكن لتصل إليه إلا بالتعليم المنظم الهادف, فإذا أراد العرب ، أن يأخذوا حذرهم إزاء موجات العولمة الكاسحة فلا مفر لهم من ان يحذوا حذو دولة كالصين كانت نامية فأصبحت سامية وكانت تابعة فأصبحت متبوعة, ولم يتحقق لها ذلك إلا بنظام تعليمي صارم, فمن المعروف ان نظم التعليم في البلاد المختلفة وليدة الظروف الاجتماعية التي نشأت فيها, فكل نظام تعليمي يعكس صورة المجتمع الذي يعيش فيه, سواء ما يتصل بهذا المجتمع من ظروف تاريخية, أو عوامل اقتصادية أو سياسية أو دينية, أو غير ذلك من الجوانب الثقافية للمجتمع وذلك من المفهوم التربوي الشامل. وهذه الظروف لابد لها من ان تكون وثيقة الصلة بنظام التعليم الموجود في كل بلد من بلاد العالم, إذ بدون هذه الظروف يكون النظام التعليمي غير متلائم مع واقع البلد أو المجتمع. وسوف يتم التحدث أولا عن هذه القوى والعوامل قبل معرفة نظم التعليم السائدة في الصين حتى يتم معرفة الأسباب التي دعتها إلى استخدام تلك الأساليب في تعليمها أولا: العوامل الجغرافية والاقتصادية: تقع الصين الشعبية في شرق آسيا, يحدها من الشمال منغوليا والاتحاد السوفييتي, ومن الجنوب بحر الصين الجنوبي وفيتنام ولاوس وبورما والهند ونيبال, ومن الشرق الاتحاد السوفييتي وكوريا الشمالية والبحر الأصفر, ومن الغرب أفغانستان وباكستان. وعاصمة الصين بكين. (وتبلغ مساحة الصين 3691 ألف ميل مربع, ويبلغ عددها سكانها حوالي 1007.6 مليون نسمة (إحصاء 1982), وفي عام 1996 حوالي 1.240 مليارا. أما معدل الوفيات فقد هبط في عام 1936 من 28 في الألف إلى 6.24 في الألف عام 1979. وبالطبع يرجع انخفاض الوفيات إلى التحسن الكبير الذي طرأ على اقتصاد الصين, فقد ارتفع مستواها اقتصاديا, مما أدى إلى ارتفاع مستوى المعيشة, والعناية بالخدمات الصحية والعلاج, ومن هنا تم القضاء على الأوبئة والمجاعات. وابتداء من أوائل السبعينيات أخذت البلاد بسياسة تنظيم الأسرة, والحد من المواليد ونجحت في ذلك نجاحا مبهرا وأخذ في الانخفاض حتى عام 1979 ثم عاد إلى الصعود ربما بتوجيه من الدولة وهبطت نسبة الوفيات وزادت زيادة طفيفة عام 1981 وقد بلغ متوسط النمو السكاني 1.2% فيما بين 1990 ـ 1996م) . المساحة والسكان أما عند التحدث عن الكثافة السكانية العامة للصين فيمكن ان نقول الآتي: (قد بلغت كثافة السكان العامة بالصين في عام 1996 نحو 125 نسمة في الكيلو متر المربع بينما بلغت في العالم 39.5 نسمة في الكيلومتر المربع اي ان كثافة السكان بالصين تبلغ ثلاثة امثال الكثافة العالمية ويمكن القول بأن ما يزيد على 90% من سكان البلاد يسكنون 40% من مساحة الدولة ويعيش 10% من سكان الصين فوق 60% من مساحتها) . وبذلك نرى رغم اتساع مساحة الصين وكثرة مواردها الاقتصادية فإنها مكتظة بالسكان يرجع ذلك الى كثرة عدد السكان وقلة الاراضي الزراعية المنتجة وذلك ان نسبة كبيرة من مساحة الدولة جبال. حيث تأتي الصين في المرتبة الرابعة والعشرين من بين اكثر الدول اكتظاظا بالسكان والتي يبلغ عددها 26 دولة. ورغم ان مساحة الصين تحتل المرتبة الثالثة بعد الاتحاد الروسي وكندا ومساحتها تناهز مساحة القارة الاوروبية تختلف طبيعة الصين من سهول منبسطة في منغوليا ومنشوريا في الشمال الى وديان خصبة في الوسط الى هضبة التبت العالية وبذلك نرى ان الصين تعد شبه قارة, ليس لمجرد مساحتها الواسعة وانما تشكل معظم اراضي الصين التي تعادل نحو 80% من جملة مساحتها من جبال وهضاب وتلال وبذلك نستطع تمييز ثلاث وحدات تضاريسية كبرى بها هي: 1ـ الجبال العظيمة الارتفاع في اقصى الغرب. 2ـ اقليم جبال اقصى الشرق. 3ـ أراضي السهول. وبعد التعرض للمساحة وعدد السكان وتضاريسها نتعرف على مناخ الصين. (معظم اراضيها تتمتع بنوع المناخ الموسمي, لكن نظرا لاتساع اراضي الصين وترامي اطرافها, والتباين في مظاهر سطحها, والتنوع في الموقع والتوجيه الجغرافي, فإن الظروف المناخية تختلف من مكان لآخر. مما يجعلنا نتحدث عن جملة انواع مناخية لا عن مناخ واحد. ورغم هذا فإن اراضي الصين الاصلية تدخل ضمن نوع المناخ الموسمي المثالي. مناخ شمال الصين موسمي معتدل) . ولتنوع المناخ اهمية كبرى من وجهة النظر الاقتصادية, سوف نراها في عرض العامل الاقتصادي. فلا شك ان البناء الاقتصادي للبلد, والذي هو وليد العوامل الجغرافية اساسا, يؤثر في جوهر التعليم. العامل الاقتصادي كانت الزراعة ولا تزال عماد ثروة الصين والحرفة الرئيسية لسكانها (كان يشتغل بالزراعة قبل الثورة الشيوعية نحو 80% من سكان الصين الاصلية. ونسبة مساحة الاراضي السهلية الصالحة للزراعة لا تزيد على ربع مساحتها الكلية, والباقي اراض جبلية وتلية) . وبالطبع لان الصين كثيرة السكان فكانت الزراعة كثيفة كي تنتج ما يفي لاعالة الفلاح وعائلته فالارض تستغل الى اقصى حد ممكن. (فلا تزال الزراعة اهم موارد الثروة في البلاد ولا يزال اكثر من 70% من الصينيين يشتغلون بالزراعة وهذه النسبة تمثل اكبر من 100 مليون اسرة, فالصين من اغنى دول العالم الزراعية وانتاجها الزراعي عظيم) . ولكن قبل ذلك كان هناك الملكية حتى عام 1949م, وحينما قامت الصين الشعبية بنظامها الشيوعي حدث تغيرات جذرية وسريعة. لقد تمت الثورة الزراعية على ثلاث مراحل: 1ـ بدأت المرحلة الاولى في عام 1950 بنزع ملكية الاراضي من الاقطاعيين والملاك السابقين, واعادة توزيعها وتم توزيع نحو 125 مليون فدان علي نحو 300 مليون فلاح وتم هذا التوزيع نهائيا في عام 1952. 2ـ بدأت المرحلة الثانية بتجميع الفلاحين في تعاونيات. وكان الهدف المشاركة في الموارد والتعاون في العمل, وتأمين استخدام افضل للاراضي ووفق نظام التعاونيات تزرع كل الارض كوحدة واحدة, باستثناء جزء صغير يترك للفلاح يزرعه حسب حاجته, ويشارك الفلاح في التعاونية حسب جهده المبذول. 3ـ وكانت المرحلة الثالثة والاخيرة في الثورة الزراعية تجميع التعاونيات في وحدات اكبر واكثر مركزية وهي التي تدعى كوميونة Commune وادخل نظام الحياة الجماعية واصبحت الكوميونات مسئولة عن الانتاج الزراعي المحلي, كما شرعت تقوم بكثير من وظائف الحكومة المحلية. (ومع بدالة الستينيات كانت عضوية الكوميونات قد عمت جميع سكان الريف الصيني. وقد تم ذلك بسرعة مذهلة) . * اما بالنسبة للزراعة والمحاصيل التي تقوم الصين بزراعتها فهي: (تشغل زراعة الارز والقمح والذرة جزءا عظيما من مساحة الارض المزروعة ويعد الارز المحصول الاول ويليه في الاهمية القمح ثم الذرة. ومما يذكر ان كثيرا من النباتات قد جلب الى الصين من الخارج منذ العصور القديمة كالقطن والدخن والبطاطا والفول) . اما عند حديثنا عن الثروة الغابية فيمكن ان نقول ان الثروة الغابية (تشغل نحو 9% من مساحة الصين, رغم ان ثلث البلاد يصلح لنمو الغابات وقد ادت عمليات القطع خلال عشرين قرنا من الزمان الى تعرية الاراضي وحرمانها من غطائها الغابي والغابات الحقيقية القادرة على مد البلاد بحاجتها من الاخشاب توجد في اجزاء من جنوب الصين وفي منشوريا. وقد بذلت الصين منذ بداية الخمسينيات جهودا جبارة لاعادة التشجير) .