تعود نشأة المؤسسة العسكرية الاسرائيلية الى ميلاد المشروع الصهيوني على ارض فلسطين حين بدأ في تأسيس تنظيم (بارجيورا) العسكري بواسطة حزب بو عالي تسيون (عمال صهيون) لاقامة المستوطنات, وتلازمت النشأة ايضا مع الحركة الاستعمارية في انحاء العالم, حيث تلاقت المصالح بين الاستعمار والحركة الصهيونية وسمح تلاقي المصالح هذا بالتدريب والتعاون العسكري واقامة التشكيلات الصهيونية داخل الجيوش الاستعمارية. من هنا كانت المؤسسة العسكرية الاسرائيلية اطارا منظما للعنف الناتج عن الايديولوجية الصهيونية ذات الصفات العنصرية والاستيطانية والاحلالية, بالاضافة الى تضافر الحركة الصهيونية مع حركة الاستعمار العنيفة في احتلال الاراضي والشعوب. ناهيك عن حركة بناء المستوطنات وطرد شعب بالقسر والعنف والارهاب وحماية كيان مغتصب لأرض وطارد لشعب وسط بحر من العداء العربي له. كل ذلك جعل من المؤسسة العسكرية الاسرائيلية اطارا للعنف المنظم الذي لا تعيش بدونه كما ان دور المؤسسة العسكرية الاسرائيلية في التجمع الاسرائيلي على ارض فلسطين دور محوري ومتشابك سياسيا واقتصاديا وعسكريا وامنيا, مما يجعلنا نوصف التجمع الاسرائيلي بالمعسكر او العسكرة. وقد كان وصف موشى ديان رمز العسكرية الاسرائيلية لذلك دقيقا عندما قال: (اننا جيل من المستوطين ولا نستطيع غرس شجرة او بناء بيت دون الخوذة الحديدية والمدفع, علينا الا نغمض عيوننا عن الحقد المشتعل في افئدة مئات الآلاف من العرب حولنا.. علينا الا ندير رؤوسنا حتى لا ترتعش ايدينا, انه قدر جيلنا وخياره في ان نكون مستعدين ومسلحين وان نكون اقوياء وقساة حتى لا يقع السيف من قبضتنا وتنتهي الحياة) . اما شيمون بيريز الذي ادخل السلاح النووي لهذا المعسكر الاسرائيلي ومن قبله سلاح الطيران فهو القائل: (ان جيشنا هو جيش الشعب القائم على الاحتياط فميزتنا لا تنحصر في نوعية المقاتلين فحسب بل في حقيقة اننا شعب يضم نسبة عالية جدا من المقاتلين ويتحتم علينا ان ننمي هذا الاحتياط وان نعده للقتال بأقصى طاقاته) . جذور تشكيل المؤسسة العسكرية الاسرائيلية قبل عام 1948: تاريخ المؤسسة العسكرية الاسرائيلية من تاريخ التشكيلات التنظيمية المسلحة التي صاحبت التجمعات الاستيطانية الصهيونية في فلسطين بغرض حماية المستوطنات الزراعية تحت شعار السيف والمحراث ومن قبلها التشكيلات التي تمت في التجمعات الصهيونية في الخارج والتي تشكلت عبر سنوات عديدة منذ عام 1900, عندما تشكلت منظمة الحارس (هاشومير) وهي منظمة عسكرية تلازمت مع فترة الهجرة الثانية للاستيطان الصهيوني الى ارض فلسطين وكانت تابعة لمنظمة (عمال صهيون) وقد تم تأسيسها عام 1909 لحراسة المستعمرات الصهيونية المنشأة في الجليل الاسفل. وقد جاءت تلك المنظمة بعد ان تم تطوير منظمة (بارجيورا) والتي كانت تابعة لحزب (عمال صهيون) (بوعالي تسيون) والذي استهدف اقامة المستوطنات وحمايتها والدفاع عنها عبر منظمته العسكرية (بارجيورا) التي رفعت شعار (بالدم والنار سقطت يهودا وبالدم والنار تقوم) . بعد ذلك ظهرت منظمة (هاشومير ها تسعير) او (الحارس الفتى) وهي منظمة شباب صهيونية ذات صبغة ماركسية وكانت قد تأثرت بحركة الحارس, حيث استلهمت برنامجها ووظيفتها واغراضها من الاستيطان والدفاع المتلازم معه, كما تأثرت تلك الجماعة فأفكار الفيلسوف اليهودي مارتن بوبر الذي علا صوته مناديا بقدرة الشباب فقط على الثورية والتغيير. وقد هاجر اعضاء تلك الجماعة مع موجة الهجرة الثالثة الى فلسطين لاستيطانها ما بين عام 1919 حتى 1923 واقامت تلك الجماعة مزارع الكيبوتز الجماعية, كما استعانت بالقوات البريطانية الاستعمارية من اجل القضاء على الثورة العربية في فلسطين. وقد اصبحت تلك الجماعة حزبا سياسيا عام 1946, وعند قيام الدولة شاركوا في تأسيس حزب المابام وكان نموذجهم الاتحاد السوفييتي لكن بعد حرب 1967 تغير موقفهم من الدولة النموذج ومن الايديولوجيا. تشكل ايضا في عام 1914 الفيلق اليهودي المشكل من المتطوعين اليهود في صفوف الجيش البريطاني الاستعماري في الحرب العالمية الاولى, وقد اقترح بن جوريون هذه الفكرة على القائد التركي الموجود بالقدس, وابدى موافقته على إلحاق 40 متطوعا إلا ان جمال باشا قائد عام الجيش التركي رفض ذلك وعندها تقدم جابوتنسكي بفكرة فرقة البغالة الصهيونية الملحقة بالجيش البريطاني, وهي فرقة عسكرية صهيونية تكونت عام 1915 من داخل المستوطنين الصهاينة المطرودين من فلسطين الى الاسكندرية بالاضافة الى بعض اليهود المقيمين في مصر, واتخذت الفرقة نجمة داود شعارا لها وتشكلت من 650 ضابطا وجنديا وبالاضافة الى 20 حصانا و750 بغلا ومن هنا جاءت تسميتها بفرقة البغالة, وفي عام 1916 سرحت الفرقة رسميا وتبقى منهم 150 متطوعا في الجيش البريطاني ساهموا بعد ذلك في تشكيلات حربية اخرى. وفي عام 1918 كانت الكتائب حملة البنادق ومن ورائها جابوتنسكي, عندما وافق الحكومة البريطانية في اغسطس 1918 (اي التحضير لوعد بلفور) على تشكيل فرقة يهودية خاصة الا انها جوبهت بمعارضة يسار الشباب اليهودي والاندماجيين منهم, وتقلص التشكيل الى (الكتيبة 38 حملة البنادق الملكية) وجاءت الى مصر, حيث انضمت اليها كتيبة اخرى احتوت على اليهود الامريكيين (كتيبة 39) وتعرضت لبعض المشاكل الصحية وفر منها العريف بن جوريون, إلا ان ما تبقى منهما كان هو المستولى والمحتل لمدينة السلط في الاردن. بعد ذلك تم تشكيل (الكتيبة 40 حملة البنادق الملكية) من المستوطنين الصهاينة واليهود والاتراك والمصريين وقد تم تدريبها في التل الكبير لكنها لم تشترك في الحرب الاولى. واجمالي عدد المتطوعين في الكتائب عند نهاية الحرب وصل الى 500 متطوع ولقبوا جميعا بأعضاء الكتيبة العبرية, وقد اسس بعضهم (مزرعة موشاف) واستوطنوا فلسطين في عام 1921 تشكلت منظمة عسكرية صهيونية استيطانية في القدس وكانت سرية بعد ان وافقت اللجنة العامة للهستدروت على اقتراح الياهو جولومب بإنشاء منظمة سرية تحت اسم الدفاع والعمل وفيما بعد اسقطت كلمة العمل وتبقت الدفاع (الهاجانة) وكان الغرض منها اقتحام الارض والعمل والحراسة والانتاج وارتبطت الهاجانة في البداية باتحاد العمل ثم بحزب الماباي في عام 1931 انشق عنها جناح متطرف سمى نفسه (هاجانة ب) وفي عام 1936 انضم معظمه الى المنظمة الأم. وقد قامت الهاجانة بالعمل المسلح ضد العرب, كما شاركت في عمليات الاستيطان وخاصة في ابتداع اسلوب (المستوطنة في يوم واحد) (السور والبرج) كما ساعدت كثيرا في الهجرة الشرعية وغير الشرعية, وتعاونت الى حد كبير مع بريطانيا وخاصة اثناء الثورة العربية في عام 1936. وفي عام 1923 تشكل تنظيم شبابي صهيوني تنقيحي في بولندا وكان هدفه اعداد الشباب الصهيوني للحياة في فلسطين وذلك بتدريبهم على الزراعة واللغة العبرية والتدريب العسكري وتلقينهم افكارا ايديولوجية اقرب الى الفاشية التي كانت سائدة في ذلك الوقت بأوروبا, فكانوا يتعلمون ويلقنون ان الانسان امامه خياران (الغزو) او (الموت) وان كل الدول التي كانت لها رسالة قامت على السيف والسيف وحده وكانت تلك الافكار هي من بنات افكار جابوتنسكي زعيم الصهيونية التنقيحية, وسميت تلك المنظمة بيتاد اختصارا لـ (بريت ترومبلدور) اي حلف ترومبلدور, وامتد نشاط تلك المنظمة الى فلسطين لكن ظلت عناصرها في الخارج حتى بعد الحرب العالمية الثانية, عندها انتقلت الى فلسطين (اسرائىل). في عام 1931 شكلت عناصر من بيتاد والهاجانة المنسلخين عن منظماتهما من جراء خلافهم على سياسة الهاجانة غير الهجومية منظمة (الارجون) المنظمة العسكرية القومية في ارض اسرائيل وهي منظمة سرية زعيمها الايديولوجي جابوتنسكي وقائدها العسكري ديفيد رازيل وكانت تعمل تحت شعار مرسوم (يدا تمسك بندقية كتب تحتها عبارة هكذا فقط) وقد كان للمنظمة دور كبير في تهجير اليهود الى فلسطين والتجسس على العرب عبر ما اطلق عليه الفرقة السوداء التابعة للارجون كما مارست الارهاب ضد المزارعين الفلسطينيين وكان ذلك احد العوامل المهمة التي دفعت بعض العرب لترك ديارهم, كما قامت بحرق ومهاجمة السيارات العربية المدنية واخيرا في يناير 1944 دخلت صداما مع قوات الاحتلال البريطاني تحت شعار ترك فلسطين لهم ومن المعروف ايضا بأن الارجون قد شارك في مذبحة دير ياسين. وبعد اعلان الدولة تم ادماج الارجون في جيش الدفاع الاسرائىلي, وقد كرم رئيس الدولة الاسرائيلية قيادات الارجون في عام 1968 لدورهم القيادي في انشاء اسرائيل.