ما ابشع ان تتحرك العنصرية في فرنسا بعد ان اعتقدنا اننا قتلنا العنصرية ودفناها وواريناها التراب! ما ابشع ان تتحرك تلك الجثة في اورويا الموحدة التي اعتقدنا انها ستؤسس على منظومة قيم احترام الانسان ونبذ العنصرية وتقدير الاختلاف الاثني والثقافي. اوروبا جديدة استخلصت العبرة من حربين عالميتين طويلتين, كانتا في الاصل ثمرة للعنصرية النازية الهتلرية التي سادت في المانيا ثم احتلت اوروبا ودمرتها بما يقارب خمسين مليون ضحية. كنا نعتقد ان ذلك الغول المخيف المسمى (عنصرية) قضى نحبه, وخاصة عندما عشنا في باريس بالذات يوم الاحد الماضي 3 يوليو المباراة النهائية لكأس اوروبا في مدينة روتردام والتي حضرها الرئيس الفرنسي جاك شيراك ووزيره الاول وملكة هولندة وملك بلجيكا, في حفل شعبي رياضي توجه الفريق الفرنسي بفوز عجيب تحقق في الثواني الاخيرة للوقت الاضافي من المباراة. كانت تلك المباراة تتجاوز الحدث الرياضي العادي لتتحول الى مهرجان حضاري يندد بالعنصرية, وذلك لسبب بسيط هو ان الفريق الفرنسي الوطني يتألف معظمه من اللاعبين المسلمين مثل: زين الدين زيدان والافارقة السمر ديسايي وتورام ومن سكان جزر المحيط الهادي الملونين امثال تياري هنري.. الى جانب فرنسيين من ذوي الشعر الاشقر والبشرة البيضاء. كل هذا الخليط الاثني والثقافي هو الذي انتصر في كأس العالم عام 1998 وفي كأس اوروبا يوم الاحد الماضي, وهو الخليط الذي حياه الرئيس شيراك بحرارة وتحدثت عنه الصحف الفرنسية الصادرة يوم الاثنين 4 يوليو كرمز من رموز العبقرية الفرنسية المتميزة. كل ذلك لم يمنع العنصريين الفرنسيين من التحرك... لتحريك جثة العنصرية الهامدة.. لأنهم رأوا كيف تمكن الفريق الفرنسي لكرة القدم من تغيير المعادلة السياسية والثقافية, لصالح التعايش بين الثقافات في صلب المجتمع الفرنسي الديمقراطي والاقرب للعدل والحق ودولة المؤسسات... مع الاسف تتحرك جثة العنصرية لتذكرنا بلهجة المستعمرين السابقين وتواصل الكذب والتدليس وتشويه الحقائق فقد صدر للنائب في البرلمان الفرنسي والصحفي اليميني ألن جريوتري مقال في مجلة (الفيجارو) الاسبوعية (ص30) الصادرة يوم السبت الاول من يوليو, يعلق فيه على زيارة الرئيس الجزائري الاخيرة لفرنسا فنعت ضيف فرنسا بأنه ارهابي قديم, وقال انه لا يقبل الاعتذار الذي طالب به الرئيس بوتفليقة الحكومة الفرنسية عن جرائم التعذيب والاضطهاد والاستغلال التي ارتكبها المستعمرون وجيشهم في الجزائر على مدى مئة وثلاثين عاما (من 1830 تاريخ احتلال الجزائر الى 1961 تاريخ استقلالها). وندد هذا النائب العنصري بالحكومة الفرنسية التي فرشت البساط الاحمر للرئيس الجزائري, وقال بالحرف (اننا نحن الفرنسيين لم نجد في الجزائر عام 1830 حين استعمرناها إلا اعشاش قراصنة وشعبا بائسا وارضا خرابا... ثم ها هو الوضع يرجع كما كان اليوم...) . هذا البهتان العنصري السخيف مردود على اصحابه فاحتلال فرنسا للجزائر كان بسبب ديون كانت للجزائر ولم تسددها الحكومة الفرنسية, لأن الجزائر عام 1830 كانت غنية وتقرض فرنسا.. وعندما جاء سفير فرنسا دوفال الى حاكم الجزائر حسين داي واغلظ له القول, قام حاكم الجزائر بصفعه على وجهه, مما جر كل اوروبا الى اعانة فرنسا لاحتلال الجزائر وقامت ثورة الامير الفارس عبدالقادر الجزائري ضد المحتلين, ولم تنته الثورات على مدى القرن حتى التحرير والنصر. واليوم لا يقبل عنصري يميني مثل ألن جريوتري بأن تستقل الجزائر وهي لا تزال تعاني من ويلات المسخ الاستعماري وتشويه الهوية العربية المسلمة للجزائر, لأن جزءا كبيرا من العنف الذي عصف بالجزائر في التسعينيات هو من رواسب الاستعمار, وبالطبع كذلك من ثمار الاستبداد بالحكم وانعدام الشورى والديمقراطية. لكن هناك ايضا, الى جانب هذا المد العنصري, مد انساني تقدمي تمثل في نشر شهادة المناضلة الجزائرية لويزة اجيلحريز في صحف كبرى هذا الاسبوع لتقص على الاجيال كيف عذبوها عام 1957 ومن الذي كان وراء عمليات التعذيب في الجزائر. استاذ بكلية الاعلام ـ جامعة قطر