حين وقع الصدام المنتظر بين الجيش الأردنى والفصائل الفدائية الفلسطينية, فى سبتمبر ,1970 نزل رئيس الجمهورية السورية, د.نور الدين الأتاسى, إلى الشارع, ليقود المظاهرات بنفسه, فى الوقت الذى اندفعت فيه الدبابات السورية, لتحتل شمال الأردن, ما دفع الإدارة الأمريكية, وحكومة اسرائيل إلى التهديد بالتدخل العسكرى إلى جانب حكومة عمان. أما حين أخرجت الفصائل الفدائية الفلسطينية من الأردن, بعد صدامات الأحراش (يوليو 1971), فإن عناصر هذه الفصائل لم تجد إلا سوريا ملاذا قبل أن تختار تلك الفصائل لبنان (ممر لا مقر) . وغنى عن القول بأن الفصائل استقوت بسوريا فى هذا الانتقال. لم يغير أمر انتقال السلطة إلى حافظ الأسد, فى 16 من نوفمبر عام 70, من أمر العلاقة الفتحوية السورية فى شيء. وقد حفظ الأسد لعرفات ما أسداه الأخير فى انقلابه, إذ أرسل الزعيم الفتحوى مبعوثا خاصا إلى أنور السادات, يطلب إليه تأييد انقلاب الأسد, عند حدوثه. على أن التوتر اعترى علاقات (فتح) بدمشق, بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية, مطلع ,1976 ومحاولة دمشق إطفائها, ما أثار غضب (الحركة الوطنية اللبنانية) , التى رأت فى هذه الحرب فرصة ذهبية لتصحيح التوازن السياسى الطائفي فى لبنان. لقد كان لدمشق وجهة نظر مفادها عدم الذهاب بعيدا فى تلك الحرب, لأن ذلك سيفضى إلى نتائج كارثية, ما وضع المقاومة الفلسطينية وعلى رأسها (فتح) فى مواجهة مع دمشق. فكان التدخل العسكرى السورى فى لبنان, يوم الرابع من يونيو عام 76, الذى توقف فى الجبل, قبل أن يواصل مسيرته, فى الخريف, وينتهى باتفاق فى الرياض بين الرئيسين السادات والأسد, والملك السعودى, خالد بن عبدالعزيز, أواخر 1976 وعادت المياه إلى مجاريها فى العلاقات الفلسطينية السورية عموما, وفى القلب منها علاقة (فتح) بدمشق. ولكن بعد أن تركت ندوبا فى قلب الأسد, استعصت على العلاج. جراح فى قلب الأسد فى تلك المواجهة السورية الفلسطينية المستهجنة (1976), وقعت أمور بين الحليفين المفترضين, عكست مدى رفع التناقضات الهامشية بينهما إلى مرتبة التناقض العدائي. فعرفات استقوى بالسادات, الذى كان وقع لتوه (سبتمبر 1975) اتفاق فصل القوات الثانى مع العدو الصهيونى, الذى اعتبر بحق. اللبنة الأولى فى مبادرة السادات. كما أن (اذاعة الثورة الفلسطينية) , فى بيروت, وبغداد, والقاهرة فتحت النار, على آخرها, ضد نظام حكم الأسد, بل دعت الجيش السورى إلى التحرك لإسقاطه. على أن ثالثة الأثافى كان إقدام بعض المقاتلين الفلسطينيين بالتمثيل فيمن قتلوا من المقاتلين السوريين. مع ذلك انتهت المواجهة, مع نهايات ,1976 بـ (تبويس اللحى) ونشرت الصحف السورية صورا فوتوغرافية, فى صدر صفحاتها الأولى, للأسد وهو يستقبل قيادة (فتح) , هاشا باشا! سقطت كل دعاوى قيادة (فتح) , ومزاعمها حول دعم الأسد للانعزاليين فى لبنان, وتأكد ذلك أكثر فأكثر حين وقعت المواجهة الدامية بين القوات السورية وبين الجناح العسكرى لحزب الكتائب اللبنانى (القوات اللبنانية) , مطلع ,1978 حتى وصل الأمر حد احتجاز السوريين قائد القوات الأخيرة, ابن رئيس (الكتائب) , بشير الجميل. انفتح الباب لعودة المياه إلى مجاريها, وبدأت محادثات فتحوية سورية من أجل اقامة تحالف استراتيجى بين الطرفين, لكن عرفات وضع العصي فى عجلات هذه المفاوضات, مما أثار استياء السوريين. فى هذه الأثناء أخذت أخبار اجتياح عسكرى اسرائيلى للبنان تتوالى على القيادة الفلسطينية, من غير مصدر, على أن جميع هذه المصادر أكدت بأن الاجتياح لن يتعدى نهر الأولي, قرب صيدا, متوغلا قرابة أربعين كيلومترا فى الجنوب اللبناني. مساء 4 يونيو 1982 قصفت الطائرات الحربية الإسرائيلية مخازن للتموين والذخائر, تمتلكها المقاومة الفلسطينية فى بيروت, وهذه المرة لم تقصف تلك الطائرات الجسور, ما أكد نيتها على الهجوم, والتقدم. اتصل اثنان من قادة (فتح) , هما: صلاح خلف (أبواياد), ونمر صلاح (أبوصالح) برئيس الأركان السورى, آنذاك العماد حكمت الشهابى, وطلبا اليه وضع اتفاق التحالف الاستراتيجى موضع التطبيق, لتفويت الفرصة على عرفات. لكن تحرك القوات السورية انتهى بكارثة, إذ خسر الطيران السورى أكثر مما فقد فى حرب أكتوبر ,1973 عدا ما خسرته القوات السورية على الأرض من دبابات, وجنود. ولزمت هذه القوات الصمت, بعد كل هذه الخسائر الجسيمة. انتصار فنتائج هزيمة صمدت المقاومة الفلسطينية, وقوات (الحركة الوطنية اللبنانية) , والجيش السورى فى بيروت أمام الحصار العسكرى الاسرائيلى, لأكثر من شهرين, وحين فقد الاسرائيليون الأمل فى اجتياح عاصمة البهجة, قبلوا بانسحاب فلسطينى (كريم) من بيروت, وتفرقت القوات الفلسطينية على سبع دول عربية, هى: سوريا, الأردن, اليمن, السودان, العراق, الجزائر, وتونس, فابتعدت تلك القوات عن خط المواجهة مع العدو الصهيونى,بآلاف الأميال. اللافت أن عرفات أصر على أن يتوجه إلى اليونان, ومنها إلى تونس, غير ملتفت إلى الحاح د.جورج حبش, وأبواياد, وأبوصالح عليه بضرورة الخروج إلى سوريا. مؤكدا بذلك ابتلاعه طعم الوعود الأمريكية له بالضغط على اسرائيل من أجل تسوية فلسطينية, دون السوريين, وبشرط الابتعاد عنهم. اتخذ عرفات قرارا بافراغ لبنان من القوات الفلسطينية, فكان قراره هذا القشة التى فجرت انتفاضة عسكرية ضده داخل فتح (مايو 1983) اتضح بأن القائمين عليها كانوا يخططون لها, حتى قبل الخروج من بيروت. التف الشعب الفلسطينى من حول المنتفضين الفتحويين, كما انحازت اليهم نسبة غير قليلة من عضوية (فتح) . لكن هذه الومضة لم تدم طويلا, إذ سرعان ما انزلقت (الانتفاضة) إلى اخطاء وخطايا, سبق لها أن أدانتها, وزعمت الانتفاض عليها. وتأكد بأن معظم قادة (فتح الانتفاضة) يمتلكون سلبيات عرفات, دون إيجابياته. لم تخف دمشق دعمها للانتفاضة, لكن الأسد أبدى استهجانه لما تورطت فيه (الانتفاضة) من خطايا, فانفض الشعب من حولها, وخسرت النسبة الأكبر من عضويتها, حتى أن الناس غدوا يرددون (نار ياسر عرفات, ولا جنة الانتفاضة) . بيد أن هذه الانتفاضة عمقت الهوة بين عرفات ودمشق, خاصة بعد أن أخذ عرفات يتهم دمشق, منذ ,1984 بعقد (اتفاق ميرفى) مع الادارة الأمريكية, على غرار كامب ديفيد. وفى صيف العام التالى نفذت مجموعات من (فتح) تفجيرات فى مناطق مزدحمة من العاصمة السورية (وكالة الانباء السورية (سانا), وميدان البحصة) المفارقة أن مسئول المندوبين فى أمن (فتح) , المعروف باسمه الحركى (هواري) , وهو الذى أوفد عناصر (فتح) بالمتفجرات إلى دمشق, قد لقي حتفه, على الطريق بين بغداد وعمان, فى حادث سير بدا مدبرا, عشية محاولة عرفات تزييت علاقته مع دمشق, ربيع 1988! فقد استشهد خليل الوزير (أبوجهاد), فى 16 ابريل ,1988 ونقل جثمانه من تونس إلى دمشق, لدفنه فى مقبرة الشهداء الفسطينيين هناك. عندها وسط عرفات الرئيس الليبي معمر القذافى لدى دمشق, كى تسمح له بالمشاركة فى الجنازة, ووافقت دمشق على طلبه, ولكن بعد تشييع جثمان الشهيد أبوجهاد. قطيعة أوسلو بعقد عرفات (اتفاق أوسلو) (13/9/1993), أكد للأسد مخاوفه, وعمق أزمة الثقة بينهما, وظلت سوريا القطر العربى الوحيد الذى سمح بتواجد لكل فصائل المقاومة, على اختلاف مشاربها. لكن العلاقة السورية الفلسطينية اتسمت بالتعقيد البالغ. فثمة (فتح) العمود الفقرى للمقاومة وثمة الفصائل المعارضة, ناهيك عن (منظمة التحرير الفلسطينية) . وبعد فمهما بذل عرفات من جهود, وقدم من مجاملات, فانها أعجز من أن تتجاوز أزمة الثقة مع دمشق, خاصة أن الادارة الأمريكية كانت سربت لدمشق خبر مؤامرة يحيكها رفعت الأسد مع عرفات, لاغتيال بشار الأسد فى البقاع اللبنانى, ولعل فى هذا التسريب ما يفسر التصفية السريعة لجيوب رفعت الأسد فى سوريا, قبل زهاء ستة أشهر, وحث خطى الملاحقات الأمنية لمسئولى (فتح) فى لبنان. كاتب وسياسي فلسطيني