مشكلة الاستبداد في البيئة العربية انه جزء من القيم والثقافة والتربية, وليس احد مظاهرها السياسية فحسب. وهو يحتل بصورة غير مدركة مساحة كبيرة في اللاوعي, تظهر على هيئة تصرفات سلوكية وافعال وممارسات متنوعة, بدءا من مؤسسة المنزل والمدرسة وانتهاء بمؤسسة الحكم. ولن يفيد ان نقتطع جزءا من هنا او جزءا من هناك, كي نرمي عليه وحوله تركة الاستبداد الثقيلة وانما من الواجب ان نعالج هذه التركة على جميع المستويات وضمن مختلف مؤسسات المجتمع. وهذا جهد كبير ليس هذا المقال مخصصا من اجله. غير انني انتهز هذه الفرصة كي اثير احد جوانب الاستبداد وربما اكثرها اثارة للجدل, ألا وهو الجانب المتعلق بما بات يعرف بالثوابت او القضايا الكبرى او ثوابت الامة.. الى غير ذلك من التسميات. يحدث كثيرا وربما دائما ايضا ان يشهر احدهم (فردا كان ام جماعة) سيف هذه الثوابت في وجوه من يتصور انهم يتعدون عليها هجوما او تشكيكا او تناولا نقديا. ويحدث احيانا ان ينجح انسان ما بالافلات من قبضة (ثوابت الامة) هذه, فيعمل قلمه او مشرطه في الجسد الحي نقدا وتفكيكا وتركيبا لكل ما يعتقد انه بحاجة لذلك. لكنه اذ يفعل هذا فهو يغامر بأن يصبح في نظر منتقديه متمردا وخارجا على الاجماع. وبالنسبة لمتعهدي (ثوابت الامة) فإن كل نقاش او تفكير او بحث او نشاط عقلي, ينبغي ان يظل دون سقف هذه الثوابت وان لا يقترب منها قليلا او كثيرا بينما يسمح له بما دون ذلك, اي بما يسهم في ترسيخها وتثبيتها او فليكن الصمت الذي هو من ذهب فما قصة هذه الثوابت وكيف تتحدد ومن يحددها؟ بالنسبة للانسان العربي العادي قد يعتبر ثوابتا كل ما له علاقة بالدين او بالاخلاق مثلا. اما بالنسبة للانسان المسيس فهي تمتد بالاضافة لذلك كي تشمل قضايا اوسع, مثل الموقف من اسرائيل, الموقف من الهوية الموقف من الآخر الحضاري او السياسي.. الخ. وهذا امر يمكن تفهمه بالطبع. فمن حق كل انسان ان يتخذ لنفسه ثوابت يدافع عنها غير ان المشكلة هي ان هذه الثوابت تعامل دائما في العقلية العربية بصيغة الجمع اي ان فردا او جماعة يمكنها مثلا ان تحدد ثوابت باقي الناس وتتحدث عنها بهذه الصفة. فهذا الفرد لا يقول مثلا (ثوابتي او ثوابتنا نحن المجموعة) وانما يقول: هذه ثوابت الامة! وبالطبع حين يسمع الانسان هذه العبارة فإنه يصبح امام خيارين. اما ان يرضخ لمحدثه ويوافقه على ما يريد واما انه يصبح خارج الامة وثوابتها بمعنى آخر فإنه بمجرد ان تذكرهذه الثوابت فإن الحوار يجب ان ينتهي لانه خلاف ذلك لا يعود ثمة معنى للحوار. وهذا نوع من الاستبداد عميق ومركب رغم انه قد لا يكون ملاحظا للأسف في الكثير من الاحيان انه من جهة يضع سقفا للنشاط الفكري الانساني يستحيل تجاوزه كما يمنح ممارسيه الحق في اقامة حدوده وتحديد طبيعته وبصورة تقطع الطريق على اي امكانية للمساءلة او الاستفهام. ومن الجهة الاخرى, فإن هذا الاستبداد يحظى بالقبول والتسليم به دون مناقشة من جانب اغلبية الناس, رغم ان صيغته وطبيعته تبقى غامضة وهو من الجهة الثالثة سلاح ماض في يد من يستخدمه وحيث لا يعود المتحدث مطالبا بتشخيص هذه الثوابت او تعريفها, وانما يكفيه التلويح بها. ان انشداد الانسان العادي الى منظومة من الثوابت او المفاهيم او القيم الجماعية امر طبيعي ومفهوم, سيما في ظل الحاجة الى الشعور بالامان والاتزان النفسي والثقافي والتماهي الى حد التناغم والانسجام مع الجماعة البشرية. لكن المشكلة انه في التطبيق العملي او في حياة الناس العادية, لا ترى هذه الصرامة او الدقة في تحديد (الثوابت) التي يجري الحديث عنها. بل انك لترى ان كل شخص او مجموعة او فئة اجتماعية تتصرف من وحي ثوابتها الخاصة بها بصورة يستعصي معها تصور وجود ثوابت جماعية او موحدة. فالانظمة السياسية مثلا تعتبر ان ثوابتها هي عدم منازعتها على السلطة او معارضتها بطريقة تهدد وجودها او مصالحها ولا فرق عندها ان جاءت هذه المعارضة من جانب المتدينين او غير المتدينين. وفئات التجار او رجال الاعمال او الاثرياء عموما, تعتبر ان ثوابتها هي عدم الاضرار بمصلحتها او تعطيل تجارتها او التسبب بخسارتها ولا فرق بالنسبة لها من اين يأتي هؤلاء المتسببون او الى اي دين او جنسية ينتسبون. وفئات رجال الدين ايضا لديهم ثوابتهم الخاصة بهم والتي هي عدم المساس بوضعهم او مواقعهم الدينية والاجتماعية, فلا يجوز مثلا تجريدهم من امتيازاتهم الحالية عبر طرح قانون للاحوال الشخصية او توحيد القضاء في اطار مؤسسة قضائية مدنية او ايكال الشئون الدينية الى مواطنين مدنيين في الدولة. وبالنسبة لهولاء ايضا فإن اعداءهم يمكن ان يكونوا رجال دين مثلهم ولكن ينافسونهم على امتيازاتهم ويطمحون للوصول الى مواقعهم, وقد يكونون من غير رجال الدين او من عامة الناس. وكذلك الامر مع الفئات الاجتماعية الاخرى. بل لعلي اذهب ابعد من ذلك, فأقول انه فيما خص التيارات السياسية والفكرية التي عرفتها الساحة العربية فإن تيار القوميين كان يعتبر ان ثوابته هي الوحدة العربية التي لا يجب ان تمس في حين ان التيار الماركسي كان يعتبر الاشتراكية من ثوابته وكذلك الامر مع الليبراليين الذين يعتبرون ان حرية السوق او الملكية الخاصة هي من اهم ثوابتهم. اما جماعات الاسلام السياسي (او المتأسلمين) فهم يعتبرون ان تسييس الدين او تديين السياسة والمجتمع احد ثوابتهم المقدسة التي لا ينبغي لاحد ان يقترب منها او يشكك فيها. وهكذا فإن كلا من هذه الفئات والجماعات تلجأ الى رفع واستخدام سلاح (ثوابت الامة) حينما تتعرض مصالحها للخطر, فتشهره في وجه معارضيها. والمثير ان هذه الثوابت تتغير بتغير مواقع هذه الفئات في السلم الاجتماعي وبحسب قربها او بعدها من السلطة والنفوذ. وهي تتخذ اشكالا مختلفة قد تكون سياسية او دينية او ثقافية او اجتماعية. وبالنتيجة فإن هذه الفئات بدلا من ان تستخدم ادواتها وحججها المباشرة التي تعبر عن حقيقة وضعها ومصالحها, فإنها تلجأ الى (ثوابت الامة) تطلب منها الحماية والمنافحة, فتتحول هذه الثوابت في واقع الامر الى اداة للاستبداد الفردي والجماعي. اننا هنا لسنا بصدد انتقاد الثوابت (ايا كانت) او المتمسكين بها, فمن حق كل انسان ان تكون له ثوابته الخاصة التي يعتز بها, وانما انتقادنا موجه الى استخدامها او توظيفها بصورة تجعلها اقرب الى احزمة الحديد والاسمنت التي تمنع وصول الماء والهواء الي الانسان. ما ننتقده هو ان تتحول هذه الثوابت الى حجج وذرائع لقمع كل حرية رأي وتفكير او قول او حياة وبحيث تكون كالسيف المسلط الذي لا يفلت منه احد. لأنه في نهاية المطاف فإن هؤلاء الذين يستخدمون (الثوابت) ليسوا اكثر من بشر, قد لا يختلفون عن غيرهم في شيء ولايزيدونهم قيمة, ولكنهم مع ذلك يرمون الى اصطناع امتيازات وحقوق غير موجودة, يبررون بها استبدادهم وهذا ما لا ينبغي السماح لهم بالنجاح فيه ابدا. * كاتب بحريني