شكل الاتفاق البحري المبرم بين الكويت والسعودية هذا الاسبوع استمرارا لنهج حل الاشكالات الحدودية بين دول الخليج, وان عكس ذلك شيئا فهو يعكس حالة صحية تسود دول المنطقة وتحصد نتائجها الايجابية شعوب المنطقة التي تتطلع لعالم اكثر امنا واستقرارا من العالم الذي عرفته المنطقة ابان العقود الماضية, ان الاتفاق السعودي الكويتي مثل نظيره اليمني السعودي الذي عقد في الشهر الماضي, يؤكد وجود نموذج ايجابي شق طريقه في قضايا الحدود بين الدول الخليجية,ويقوم هذا النموذج على المناصفة والتفاوض الفعال والنظرة البعيدة بحيث يحقق كل طرف في نهاية التفاوض مكاسب جوهرية لصالحه, ان الاتفاق الكويتي السعودي يؤكد ان الكثير من خلافات الحدود بين دول الخليج العربية, هي خلافات قابلة للحل, وهذا ينطبق اكثر ماينطبق اليوم على الخلاف القطري البحريني الذي مازال يثير قلق المعنيين كما يؤكد الاتفاق بأن التفاوض مع ايران بعد توحيد الموقف الكويتي السعودي يكتسب مضامين ستساهم في تقوية القوة التفاوضية لكل من السعودية والكويت, ولكن هذا الاتفاق يؤكد بأن تأجيل حل القضايا الحدودية في بقية دول الخليج يهدد المستقبل. وقد يقول البعض بأن هذه الاتفاقات تكرس منطق انفصال الدول الخليجية وتأكيد كل منها على سيادتها الخاصة فوق اراضيها, وقد يقول البعض الاخر ان هذه الاتفاقات هي نقيض الوحدة الخليجية التي يجب ان تعكسها دول مجلس التعاون لكن التجربة والبرهان يؤكدان بأن احترام الحدود واحترام الخاص بين كل قطر والاخر, هو المدخل للتفاعل والتوحد والتقارب, فقد تبين على مدى عدة عقود من استقلال دول الخليج بأن عدم تسوية قضايا الحدود يتحول لمصدر توتر وخلافات عميقة, تقود الى تباعد وانزواء. فبطبيعة الحال ان من يحترم حقوق الاخرين ويتفاوض على خيارات فيها كسب مشترك, يساهم في بناء الثقة لصالح التنسيق والتوحد الايجابي, بمعنى اخر ان طريق التوحد بين دول مجلس التعاون او بين الدول العربية, هو طريق بناء الثقة والاحترام المتبادل وتلبية الاحتياجات المتبادلة في كافة المسائل بما فيها القضايا الحدودية. ويعكس الاتفاق الكويتي السعودي عدة ابعاد يجب التوقف عندها, فهو من جهة يعزز مشاعر الثقة بين الكويتيين والسعوديين, اذ تضع هذه الاتفاقية العلاقات بين الدولتين في صيغة جديدة وفي علاقات اكثر عمقا واكثر ايجابية, ويعزز من جهة اخرى الثقة الكويتية بالقيادة السعودية وذلك بصفتها الدولة الاكبر والاقوى بين دول مجلس التعاون, ويمكن القول ان الاتفاق هو نتاج جهد كويتي سعودي متبادل وانه نتاج تنازلات متبادلة ادت الى مكاسب بين الطرفين, الا انه يمكن القول بنفس الوقت بأن السياسة السعودية الراهنة, تعكس عقلية مؤسسة ودولة تسعى لاتباع الوسائل السلمية في حل القضايا التي تواجهها, كما ان نجاح السعودية, في الشهر الماضي في توقيع اتفاق حدودي مع اليمن, وذلك بعد توتر دام لعقود عدة, يعزز هذه الرؤية. ان الالتفات للقضايا الحدودية في منطقة الخليج ووفق مبادرات من دولة, يعكس تحولا في التفكير يقوم على مبدأ الاعتراف بهذه الخلافات وبتأثيرها وبأهمية حسمها لصالح علاج مباشر ودقيق, كما ان الالتفات لهذه القضايا يعكس الاعتراف بأهميتها للمواطن على جانبي الحدود, ويعكس الوعي بوجود مصالح ومتطلبات وقيم يجب تلبيتها في العلاقات بين الدول الخليجية, بمعنى اخر تمثل هذه الاتفاقات حالة من النضج ونقلة في العلاقات لم تعرفها اساليب العمل العربية السابقة فكثيرا ما تجاهلت الدول العربية قضية الحدود, كما ان الثقافة العربية تجاهلت قضايا الحدود تحت غطاء عدم ضرورة الحدود وان حدود العرب للعرب. اليوم يعاد الاعتبار للعقلانية وللمدرسة التي ترى ضرورة علاج القضايا لصالح المستقبل البعيد واستقراره, في كل هذا نشاهد خطوة هامة في طريق طويل. *استاذ في قسم العلوم السياسية ـ جامعة الكويت