.. (كلما زاد تطور البشرية في جانب, زاد العبء على موارد كوكب الأرض الذي يقيم أودنا ويكفل معيشتنا في الجانب الآخر, الى درجة الاجتهاد في كثير من الأحيان) تبدأ الانسانية خطواتها الأولى عند عتبات القرن الحادي والعشرين وهي تجمع في هذه الخطوات بين ثلاثة عوامل تلخصها في: (1) التحدي ,(2) الريادة, (3) الانجاز والشعوب التي لاتستشعر التحدي وتنهض الى مواجهته محكوم عليها بالخواء ومن ثم العدم وربما الانقراض. وعندما يقف البشر أمام التحديات ويقررون مواجهتها فهم يعمدون الى استدعاء كل ما أودعته فيهم فطرة الخلق المعجزة من قدرات العقل وامكانات الابداع, ومن ثم فهم يتطلعون بالبصر والبصيرة الى الأمام في محاولة محسوبة في معظم الأحيان, لاستشراف المستقبل التماسا للأفضل والأرقى في حياة الناس, وفي هذا المناخ يعيش الرواد والمبدعون والمستكشفون . دكان الدراجات وهذا الفصيل النادر من البشر هو الذي مهد الطريق بالحلم والابتكار, وبالصبر والابداع الى حيث يأتي من بعد قوم أكثر فهما وأغزر علما بحكم سنن التطور والارتقاء, فاذا بهم يصلون بمسيرة البشرية أشواطا أبعد الى حيث تزداد الحضارة تطورا ويتسع الفهم البشري من حيث أبعاده ومراميه وتتعمق الثقافة الانسانية كيما تمهد لمن يأتي من بعد ولكي تعي الدروس المستفادة من أخطاء السابقين. ولكم راع الانسانية خبر نزول الرائد الأمريكي (نيل أرمسترونج) على سطح القمر لأول مرة في التاريخ ولم يكن الأمر مجرد مصادفة ولا جاء ضربة مفاجئة بغير سوابق أو تمهيد, بقدر ما جاء حلقة هي الأفضل والأنضج والأكثر اكتمالا في مسلسل رائع عاشته البشرية على امتداد حقب طويلة شتى, واختلطت فيه أحلام عباس بن فرناس مع أساطير ديدالوس مع نظريات ليوناردو دافنشي في أن يرتفع الانسان بالطيران من الأرض محلقا في أجواء الفضاء, وكانت كلها تجتاز بوابة التحدي الى حيث مواقع الريادة .. وهي بالتحديد المواقع التي وقف عليها الاخوان (رايت) اللذان مارسا ريادة الطيران من دكان أكثر من متواضع لبيع الدراجات في مدينة دايتون بولاية أوهايو الأمريكية .. ومن هذا الموقع الريادي بالذات صنعا آلة عجيبة استوعبت ولاشك حلم ابن فرناس وأساطير البساط السحري في ألف ليلة ورسومات دافنشي وفي عام 1903 حّلقا بها, لأول مرة في التاريخ كذلك, من منطقة كيتي هوك على ساحل نورث كارولينا الامريكي وكانت تلك بالطبع إحدى عجائب الزمان, ورغم أن الآلة الساذجة كانت أقرب الى (بسكليته) طائرة, ورغم أنها لم تحلق وقتها سوى على مسافة 120 قدما, إلا أنها تعد بمثابة الجد الأعلى .. هل نقول السلف الصالح, للمركبة الفضائية الأكثر تقدما والأشد تعقيدا التي حملت أرمسترونج الى (أرض) القمر بعد ذلك التاريخ بنحو 66 عاما من عمر القرن العشرين . هو نفس القرن الذي لما كاد ينتصف إلا واستطاع فيه مهندسو جامعة بنسلفانيا الأمريكية أن يتوصلوا بعد تجارب طويلة مضنية الى تصميم آلة عجيبة بدورها تحاكي مخ الانسان وتقوم بعمليات الحساب و الاحصاء والتقدير والذاكرة بكفاءة وسرعة وطاقة أكثر من مدهشة ومرموقة .. كان ذلك عام 1945 ويومها حملت ماكينة العجائب اسم (إينياك) وهو مختصر تقني يفيد في الانجليزية عبارة أداة الحساب والتكامل العددي وهي بدورها الجدة الأعلى والسلف الصالح كما قد نقول للحاسوب (الكمبيوتر) الذي لما يمض على ولادته سوى نصف قرن - كما ترى- أو يزيد قليلا, لكن هاهو يحدث ثورة بكل معنى المصطلح في علم المعلومات ودنيا الاتصالات وأخطر ما في هذه الثورة, أنها مازالت حافلة (بالوعد) الذي قد تصدق عليه عبارات ألف ليلة الشهيرة بأنه سيقدم للبشرية ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خَطَر يوما على قلب بشر بقدر ما أنها منطوية على (الوعيد) الذي يحتاج من هؤلاء البشر الى مزيد من الوعي واليقظة في تقييم وتبنيّ ما يطرحه هذا الحاسوب من مستجدات الى حياتهم وإلاّ أفلت الزمام وصارت الدنيا مستباحة لقراصنة الحواسيب يكشفون الأسرار ويقتحمون الخصوصيات ويهتكون الحرمات و .. قتل الانسان.. ما أكفره! نحن ونوم العوافي وفي كل حال, فقبل أن يختم القرن الماضي سنواته الحافلات, وبالتحديد في عام 1998 شهد العالم - بسبب الحاسوب - تطورا جذريا وصاعقا ربما لم نحسه نحن شعوب العالم الثالث, الغافي في نوم العوافي في كثرة من أجزائه. وقد تجسد هذا التطور في أكبر بورصات العالم للأوراق المالية وقد ظلت أسهم مؤسسة جنرال موتورز العملاقة تتسيدها على مدار عقود من الزمان ولكن فجأة اجتاحتها وتفوقت عليها أسهم شركة مايكروسوفت - العملاقة بدورها للحاسوب والمعلومات ... فكان أن اتيحت ثروات لأفراد بين عشية وضحاها, وكان أن دخل الى خانة أصحاب الملايين شباب بل مراهقون كانوا يجربون حظوظهم في شركات حواسيب مصغرة أنشأوها في جراجات بيوتهم وكان أن أصبح عميد شركة مايكروسوفت - بيل جيتس ومازال في شرخ الشباب ـ أغنى انسان على وجه الأرض.. ورغم ما صدر مؤخرا من أحكام عن القضاء الفيدرالي الأمريكي بضرورة انقسام شركة مايكروسوفت كي لاتنفرد بالسوق وامتثالا لقوانين منع الاحتكار وخنق المنافسة ( أَلْنتي ترسْت ) إلا أن ثورة الحواسيب كما نسميها جاءت بمثابة تحول هائل من فترة سادت فيها الصناعات الثقيلة بوصفها دعائم الناتج القومي الاجمالي الى فترة نعيشها حاليا تسود فيها صناعة المعلومات التي تتفوق على الصناعات الثقيلة إياها, أولا من ناحية عوامل الانتاج حيث تتطلب أرضا وعمالة وربما رؤوس أموال أقل, وثانيا وهو أمر مهم في زماننا من حيث كونها (صديقة للبيئة) وهو التعبير الأثير حاليا في أدبيات الأمم المتحدة بمعنى أنها لا تؤدي الى ذلك القدر الكثيف, الكارثي أحيانا من التلوث الذي ينجم عن صناعات الحديد أو الفحم أو الكيماويات أو البلاستيك وما اليها.. هكذا مهد المسرح - كما يقول الكاتب الانجليزي نيكولاس دنتون ـ لقدوم اللاعب الجديد الذي يحمل اسم الانترنت: شبكة الاتصال الكوكبية التي ترجمت باقتدار وكفاءة مقولة سبق اليها رائد كبير في علوم الاتصال هو العالم الكندي الأصل (مارشال ماكلوهان) حين عمد في عام 1968 (تأمل صدق نبوءة الاستشراق العلمي) الى صياغة هذه الظاهرة من التواصل الكوكبي في عبارته التي لم نعد نشغف بكتابتها حيث بات القوم يرددونها الى حد الاستهلاك والاستخفاف والعبارة, في كل حال تفيد بأن (العالم أصبح قرية عالمية) وهي بالأدق (قرية معولمة) . نظرة على الجانب المعتم لكن هذه الصورة التي تبدو واعدة حتى لانقول وردية مشرقة من التطور التكنولوجي الذي حققته البشرية .. هي نفسها التي تدعو للانتباه الى الجانب الآخر منها ... وهو الجانب المعتم الباعث على الأسى بقدر ما يبعث على القلق على مستقبل البشرية ذاتها وربما كانت أبلغ بواعث هذا القلق أن الناس يبدون وقد استخفهم طائف الفرح إزاء ما تحقق في أواخر القرن العشرين من منجزات بفضل مآثر العلم وخيرات التكنولوجيا. بيد أن الحادبين على مستقبل كوكبنا, يقولون بعيون مفتوحة, أن ثمة تناقضا يلحظونه بين هذه الآمال اللامعات المعقودة على مستقبل اقتصاد المعلومات, وبين ما بات ملحوظا بل ومشهودا من تدهور النظم الايكولوجية - البيئية فوق كوكب الأرض..لدرجة يقول معها هؤلاء الاختصاصيون أن العالم يكاد يعيش وضعا أقرب الى الشيزوفرانيا - إنفصام النظرة والرؤية بين مستقبل الوعد وبين مغبة الوعيد. ذلك لان الناس, مهما تقدموا ومهما اخترعوا, ومهما تواصلوا عبر الأثير ومهما استخدموا ذبذبات الاتموسفير - الغلاف الجوي المحيط بالكوكب الأرضي, ومهما حلقوا في أجواء الفضاء وصولا الى مجرات الكواكب أو مدارات النجوم, فإنهم في التحليل الأخير يعتمدون في كل هذه الجهود على موارد كوكب الأرض وامكاناته, تماما كما كان اسلافهم الأولون يعتمدون على موارد وامكانات نفس كوكبنا وليس غيره حيث يستوي في ذلك المسافرون الى القمر أو المكتشفون لكوكب المريخ أو المتواصلون لحظيا بالصوت والصورة عن طريق الانترنت, يتساوون مع أهل الحياة في بداياتها الأولى من قناصي الحيوان أو جامعي الثمار أو ناس العصر الحجري أو البرونزي أو مكتشفي النار أو استزراع البذور انتظارا للنبات. التناقض الغريب والمشكلة أن شيزوفرانيا -انفصامية التطور البشري باتت, كما يحذر الاختصاصيون ومعهم بعض عقلاء( قريتنا العالمية) باتت تفضي الى تناقض غريب يمكن تلخيصه فيما يلي: * كلما زاد تطور البشرية في جانب (وهو الأمر الايجابي طبعا) , زاد العبء على موارد كوكب الأرض الذي يقيم أودنا ويكفل معيشتنا في الجانب الآخر .. الى درجة الاجهاد في كثير من الأحيان. وليس بك حاجة الى تقصي الدراسات ومراجعة الاحصاءات لكي تلمس بفكرك هذا الاجهاد الذي باتت تتحمله بل تنوء به النظم الايكولوجية - المنظومات البيئية فوق كوكب الأرض.. نعم زاد النشاط الثقافي والمعرفي للبشر وهذا أمر محمود بحد ذاته.. ولكن كلما دارت المطابع مثلا استهلكت أوراقا بغير حصر.. واحتاج أمر الورق الى قطع أشجار واجتثاث غابات وانكشف الغطاء النباتي كما رتبته حكمة الخالق في الطبيعة..وهذا أمر غير محمود ولا هو مطلوب وليس تقلص الغابات واختلال الدورة المائية سوى مجرد مؤشر على ما يفعله البشر, وهم يتطورون ويبدعون بالكوكب الذي يعيشون فيه أو فلنقل يتعيشون على موارده وامكاناته.. فلينظر الانسان الى ما أصبح باديا للعيان من تدهور التربة وكشطها وتفتت قوامها فلم تعد تصلح لزرع أو نبات وليتأمل الهبوط المهدد بالنضوب في مناسيب الموارد المائية السطحية, والجوفية في العالم, وليتدبر مغّبة تناقص الأرصدة السمكية بل وما يشبه انقراض فصائل وأنواع من الأحياء المائية بفعل تلوث البحار والمحيطات بفعل ما يلقى بها من مخلفات النشاط الصناعي, وليتفكر في ارتفاع درجات الحرارة فوق سطح الأرض والى ذوبان كتل الجليد عند قطبي كوكبنا من الشمال والجنوب بفعل الانبعاثات الكربونية من وسائل نقلنا الفارهة الباذخة, ويزيد الأمر خطورة بل تفاقما أن يتم هذا كله دون أن تأخذ البشرية نفسا طويلا أو تعد العشرة كما يقول أهل الشام - ثم تقول (كفى) ... فلتتوقف العجلة أو تخفض سرعتها ثم ننتظر ماذا نحن فاعلون . صحيح أن من العلماء والساسة ومن أهل الرأي والفكر والتعلم (ونرجو أن نكون من بينهم) من يحاول أن يصدق الناس القول ويمحضهم الرأي والمشورة, وصحيح أن ثمة صكوكا قانونية واتفاقات دولية تسعى الى تعزيز الوعي بمخاطر البيئة المحدقة بكوكب الأرض لكن هذا كله لايكاد ـ في رأينا ـ يمثل سوى قطرة من الموضوعية, ودعوة الترشيد والانضباط, وسط عالم محبط مضطرب استبد به جموح الاستهلاك وسادته مقولة لويس الرابع عشر الشهيرة (أنا ومن بعدي الطوفان) .. عالم وصل به السرف الى حد الاهدار, وبلغ به الاستهلاك الى حد الاهتلاك ومازال يعيش شيزوفرانيا التناقض حيث يتصور أهل البقاع الموسرة ( في الغرب مثلا) أنهم بمنأى عن جائحة الجفاف أو عن مغبة النضوب في الموارد والامكانات .. ولكن أهل الغرب في هذا موهومون موهومون .. أليسوا هم الذين بشّروا بأننا نعيش في قرية واحدة معولمة؟ وهل يفرّق طوفان بين أحياء القرية وحاراتها ومسالكها, أو حتى مغوريها وموسريها؟ ولنأخذ على ذلك مثلا بارزا وبسيطا: * ثمة بلد في آسيا هو كازاخستان كان في السابق جمهورية سوفييتية أصيب بمرض تفتت وتحاتّ التربة فكان أن فقد نصف أراضيه الزراعية منذ عام 1980 . * وبلد مثل الفلبين في محيطات آسيا وبلد آخر مثل كوت ديفوار (ساحل العاج) في غرب افريقيا فقدا ثروتهما الطائلة التي كانت من غابات الأشجار الصلبة الثمينة الصالحة للتصدير بسبب اجتثاث تلك الغابات تحت شعارات أنشطة التنمية. * منطقة المحيط الأطلسي الشمالية وهي غربية خالصة بين أوروبا وأمريكا ما برحت تفقد أنواعا وفصائل سمكية شتى في مقدمتها مثلا سمك أبوسيف ومثل محار خليج ( شسبيك) في أمريكا.. و..الحبل على الجرار.. والوعي مطلوب من جانب الجميع .. والحديث إن شاء الله موصول.